• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قراءة في تعديلات قانون التحكيم الفرنسي الجديد بالمرسوم رقم 2026‑741 المؤرخ 6 أغسطس 2026، والذي يدخل حيز التنفيذ في 1/1/2027

قراءة في تعديلات قانون التحكيم الفرنسي الجديد بالمرسوم رقم 2026‑741 المؤرخ 6 أغسطس 2026، والذي يدخل حيز التنفيذ في 1/1/2027

المستشار الدكتور/ معتز عفيفي

نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بجمهورية مصر العربية

الخبير القانوني بحكومة دبي

المستشار القانوني لمركز الإمارات للتحكيم الرياضي وعضو اللجنة التأديبية

يُعدّ النظام الفرنسي للتحكيم من أكثر النظم القانونية تطوراً وانفتاحاً على التحكيم الدولي. وقد شكّل مرسوم 13 يناير 2011 نقطة تحول مهمة في تحديث قانون التحكيم الفرنسي، من خلال إعادة صياغة العديد من قواعد التحكيم الداخلي والدولي وتعزيز فعاليته.

وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إصلاح 2011، تأتي التعديلات الجديدة لتستجيب للتطورات التي شهدها التحكيم الدولي والممارسة العملية، ولتُعيد ضبط بعض القواعد والإجراءات بما يعزز فعالية التحكيم، ويكرّس دور قاضي الدعم، ويدعم جاذبية فرنسا ومكانتها كمركز رئيسي للتحكيم الدولي.

ومن ثم، فإن أهمية الإصلاح الجديد لا تكمن فقط في تعديل بعض النصوص، وإنما في كونه حلقة جديدة في مسار فرنسي متواصل لتطوير قانون التحكيم ومواكبته لمتطلبات العدالة التحكيمية الداخلية والدولية.

أولاً: التحكيم الداخلي

  • كرس المرسوم الجديد مبادئ قانونية قد استقرت عليها محكمة النقض الفرنسية من عام 2020 حتى 2026، وأضاف أفكاراً جديدة، مثل منح قاضي البطلان الأمر بإصدار أمر بتنفيذ حكم التحكيم أو الاعتراف به أثناء نظر دعوى البطلان أو الاستئناف... وماذا لو تم إبطال أو إلغاء الحكم بعد تنفيذه؟!
  • منح المرسوم الأطراف سلطة النص على اختصاص هيئة التحكيم وحدها بنظر النزاع، بحيث لا يكون للمحكمة اختصاص حتى ولو كان شرط التحكيم مشوبًا ببطلان ظاهر أو غير قابل للتطبيق؛ فنص على أنه عندما يُعرض على إحدى محاكم الدولة نزاع يخضع لاتفاق تحكيم، يتعين على المحكمة أن تقضي بعدم اختصاصها، إلا في الحالتين الآتيتين:
    • إذا لم تكن هيئة التحكيم قد أُحيل إليها النزاع بعد في تاريخ اللجوء إلى محكمة الدولة؛
    • إذا كان اتفاق التحكيم باطلًا بطلانًا ظاهرًا أو غير قابل للتطبيق بصورة ظاهرة.
  • ولا يجوز مخالفة هذه القاعدة إلا بموجب شرط صريح لا لبس فيه؛ إذن يمكن مخالفتها بموجب شرط في اتفاق التحكيم. وأعتقد أن هذا الاتجاه يعزز فاعلية التحكيم بصورة أكبر من اختصاص محاكم الدولة، وهو تطور كبير في مسألة عدم اختصاص محاكم الدولة عند البطلان الظاهر لشرط التحكيم إذا اتفق الأطراف على مخالفة ذلك في شرط التحكيم.
  • وفي المادة الثالثة، كرّس المرسوم مسألة مركز التحكيم أو مؤسسة التحكيم؛ حيث نص على أن يُستعاض في المادة 1450 عن عبارة «شخص اعتباري» بعبارة «مركز تحكيم أو شخص اعتباري آخر». كما تُستبدل في المواد 1452 و1453 و1454 و1456 و1457 عبارة: «الشخص المكلف بتنظيم التحكيم» بعبارة: «مركز التحكيم أو أي شخص آخر كلفه الأطراف بتنظيم التحكيم». وهذا يكرس صراحةً المكانة القانونية لمراكز التحكيم في تنظيم الإجراءات التحكيمية.
  • وفي المادة الرابعة، نص المرسوم على أن تُضاف بعد المادة 1462 مادة جديدة برقم 1462‑1، نصها: «عندما يخضع التحكيم لنظام تحكيم، يجوز لهيئة التحكيم أن تنظر، في إجراء تحكيمي واحد، في طلبات تتعلق بعدة عقود، استنادًا إلى اتفاق تحكيم واحد أو عدة اتفاقات تحكيم، وذلك وفقًا للشروط المنصوص عليها في ذلك النظام». وفي حالة عدم وجود نظام تحكيم يسمح بذلك، يجوز رغم ذلك إحالة الطلبات المتعلقة بعدة عقود إلى هيئة التحكيم في إجراء واحد، ما لم يعترض أحد الأطراف، وبشرط أن تكون اتفاقات التحكيم متوافقة.
  • وفي المادة الخامسة، نص المرسوم على أن تُستكمل الفقرة الثالثة من المادة 1464 بالعبارة الآتية: «ويسعى الأطراف والمحكمون إلى تكييف الإجراءات مع درجة تعقيد النزاع وأهميته».
  • وفي المادة السادسة، نص المرسوم على أن تُضاف بعد المادة 1468 مادة جديدة برقم 1468‑1: «طالما أن هيئة التحكيم ما زالت مختصة بالنزاع، يجوز لها أن تقوم، بموجب حكم تحكيمي، بتصفية الغرامة التهديدية التي سبق أن قضت بها».
  • وفي المادة السابعة، نص المرسوم على أن تُلغى المادة 1480. ويعاد ترقيم المادتين 1478 و1479 لتصبحا المادتين 1479 و1480. وتضاف مادة جديدة برقم 1478 تنص على: «الحكم التحكيمي هو العمل الصادر عن هيئة التحكيم الذي يفصل بصورة نهائية، كليًا أو جزئيًا، في النزاع المعروض عليها، سواء تعلق الأمر بالاختصاص أو بمسألة إجرائية من شأنها إنهاء الخصومة أو بموضوع النزاع». ويُضاف إلى المادة 1480 أن: «الحكم التحكيمي يصدر بأغلبية الأصوات». كما تضاف المادتان 1480‑1 و1480‑2: «يجوز إعداد الحكم التحكيمي في صورة ورقية أو رقمية». وعندما يكون الحكم رقميًا، يجب أن تضمن الوسائل المستخدمة سلامته وحفظه. ويوقع الحكم التحكيمي من جميع المحكمين. وإذا رفض أحد المحكمين أو بعضهم التوقيع، يُشار إلى ذلك في الحكم، ويظل الحكم منتجًا لآثاره كما لو كان قد وقع عليه جميع المحكمين. وعندما يكون الحكم محررًا بصورة رقمية، يتم توقيعه باستخدام وسيلة توقيع إلكتروني مؤهل.
  • المادة الثامنة من المرسوم نصت على أن يجوز لأي طرف أن يلجأ إلى قاضي الدعم لكي يمنح قوة تنفيذية مؤقتة لتدبير تحفظي أو وقتي قررته هيئة التحكيم. ويفصل قاضي الدعم وفق إجراءات معجلة في الموضوع، ويستجيب للطلب إلا إذا كان تنفيذ التدبير من شأنه أن يلحق ضررًا جسيمًا بحقوق أحد الأطراف أو كان مخالفًا للنظام العام. ويصدر قراره بحكم يجوز استئنافه خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ تبليغ القرار، ولا تكون لهذا الحكم حجية بالنسبة إلى أصل الحق.
  • المادة التاسعة نصت على جزئية جديدة، وهي مسألة الاعتراف بحكم التحكيم إلى جانب الأمر بتنفيذ حكم التحكيم؛ حيث نصت على أن يُضاف إلى عنوان الفصل الخامس من الكتاب الرابع تعبير: «أو الاعتراف». وتضاف المادة 1487‑1: «يجوز أيضًا الاعتراف بالحكم التحكيمي بموجب أمر صادر عن المحكمة التي يقع في دائرتها المكان الذي صدر فيه الحكم، وفقًا للإجراءات المحددة في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 1487، أو بطريق الدفع أو الطلب العارض». ويجب أن يكون رفض منح الأمر بالتنفيذ أو رفض الاعتراف مسببًا.
  • ونصت المادة العاشرة من المرسوم على أنه عندما تكون محكمة الاستئناف قد نظرت في استئناف أو دعوى بطلان، يجوز للرئيس الأول أو، بمجرد إحالته إليه، لمستشار تحضير الدعوى، بموجب أمر غير قابل للطعن، أن يمنح الحكم التحكيمي الأمر بالتنفيذ أو يعترف به، إذا لم يكن التنفيذ أو الاعتراف مخالفًا بصورة ظاهرة للنظام العام. ويكون الإجراء المتعلق بهذا الطلب حضوريًا ومتواجهًا بين الخصوم. كما أن رفض الاستئناف أو دعوى البطلان من حيث الموضوع يمنح الحكم التحكيمي الأمر بالتنفيذ، أو الاعتراف به إذا تعذر مواصلة تنفيذه، بالنسبة إلى الحكم أو أجزائه التي لم يشملها الإلغاء.
  • ونصت المادة الحادية عشرة من المرسوم على أنه إذا ألغت المحكمة الحكم التحكيمي لسبب آخر غير اختصاص هيئة التحكيم أو عدم اختصاصها، فإنها تفصل في موضوع النزاع، في حدود المهمة التي كانت قد أسندت إلى المحكم... وهذا حكم يفعّل نظرية الاقتصاد الإجرائي عن مسألة فاعلية التحكيم، بمعنى أنه لو كان سبب البطلان لا ينصب على اتفاق التحكيم، فأرى العودة إلى التحكيم مرة أخرى لا إلى المحكمة كما ذكر المرسوم.
  • ونصت المادة الثانية عشرة على أن: «الاستئناف أو دعوى البطلان المرفوعة ضد الحكم التحكيمي لا يكون لها أثر موقف للتنفيذ». ومع ذلك، يجوز للرئيس الأول، وهو يفصل في طلب مستعجل، أو لمستشار تحضير الدعوى بمجرد إحالته إليه، أن يوقف تنفيذ الحكم بموجب أمر غير قابل للطعن، إذا كان تنفيذ الحكم من شأنه أن يلحق ضررًا جسيمًا بحقوق أحد الأطراف.
  • ونصت المادة الثالثة عشرة على أن تُضاف إلى الأحكام المتعلقة بالاعتراف بالأحكام التحكيمية عبارة «أو الاعتراف» إلى جانب الأمر بالتنفيذ، كما يُستبدل في بعض المواضع مفهوم الإعلان الرسمي (signification) بمفهوم الإخطار (notification).

ثانياً: التحكيم الدولي

  • المادة الرابعة عشرة جاءت باستبدال مصطلح «التجارة الدولية» للدلالة على دولية التحكيم، واستبدلته بمصطلح آخر هو «المصالح الاقتصادية الدولية». وبذلك يصبح معيار التحكيم الدولي أكثر اتساعاً من مجرد ارتباط النزاع بالتجارة الدولية.
  • المادة الخامسة عشرة نصت على أن تُضاف حالة جديدة لاختصاص قاضي الدعم، عندما يطلب أحد الأطراف، تطبيقًا للمادة 1469، الحصول على نسخة تنفيذية أو مستند موجود لدى شخص ثالث مقيم في فرنسا... وفي هذه الحالة يختص قاضي الدعم بإصدار الأمر.
  • المادة السادسة عشرة نصت على أنه في إجراءات الأمر بالتنفيذ، يكفي تقديم نسخة من الحكم التحكيمي واتفاق التحكيم وفق الشروط المحددة قانونًا. كما ينص المرسوم على أن الأمر بالتنفيذ يوضع على نسخة الحكم التحكيمي المستوفية للشروط القانونية، وإذا لم يكن الحكم محررًا باللغة الفرنسية، يوضع الأمر بالتنفيذ أيضًا على الترجمة التي أُنجزت وفق الشروط القانونية.
  • المادة السابعة عشرة نصت على أن تُضاف المادة 1516‑1: «يجوز أيضًا الاعتراف بالحكم التحكيمي بموجب أمر صادر عن المحكمة القضائية التي صدر الحكم في دائرتها، أو عن المحكمة القضائية في باريس عندما يكون الحكم قد صدر في الخارج، وفقًا للإجراءات المحددة في المادة 1516، أو بطريق الطلب العارض». كما يجري توحيد الأحكام المتعلقة بالاستئناف والأمر بالتنفيذ والاعتراف، ويقرر النص أن رفض الاستئناف أو دعوى البطلان من حيث الموضوع يمنح الحكم الأمر بالتنفيذ أو الاعتراف، بالنسبة إلى الحكم أو الأجزاء التي لم يشملها الإلغاء.
  • المادة الثامنة عشرة نصت على أن يجب أن يكون رفض الأمر بالتنفيذ أو الاعتراف بالحكم التحكيمي مسببًا. كما يجوز للرئيس الأول أو، بمجرد إحالته إليه، لمستشار تحضير الدعوى، بموجب أمر غير قابل للطعن، منح الحكم التحكيمي الأمر بالتنفيذ أو الاعتراف به إذا لم يكن التنفيذ أو الاعتراف مخالفًا بصورة ظاهرة للنظام العام الدولي. ويكون الإجراء حضوريًا ومتواجهًا بين الخصوم.
  • المادة التاسعة عشرة نصت على أن يُستبدل في المادة 1523 مفهوم الإعلان الرسمي (signification) بمفهوم الإخطار (notification).
  • المادة العشرون نصت على أن تُضاف خمس مواد جديدة من 1527‑1 إلى 1527‑5.

المادة 1527‑1  يُرفع الاستئناف ضد الأمر الصادر بشأن الأمر بالتنفيذ، كما تُرفع دعوى البطلان ضد الحكم التحكيمي، ويتم التحقيق والفصل فيهما وفق قواعد الإجراءات القضائية في المواد من 900 إلى 930‑1، مع مراعاة الأحكام الخاصة بهذا القسم.

المادة 1527‑2  في حالة تطبيق الإجراءات المعجلة، يقوم صاحب الطعن بتقديم المستندات المشار إليها في قائمة المستندات المرفقة بصحيفة الدعوى منذ تكوين محامي الخصم.

المادة 1527‑3  يجوز للأطراف تقديم المستندات باللغة الأجنبية دون ترجمة. ومع ذلك، يجوز لمستشار تحضير الدعوى أو رئيس الدائرة أو القاضي المعين من الرئيس الأول أن يأمر بترجمة كل المستندات أو بعضها، على نفقة الطرف الذي يحدده. كما يجوز أن تكون الشهادات مكتوبة على الآلة الكاتبة، خلافًا للقواعد العامة.

المادة 1527‑4  يجوز للمحكمة أن تسمح للأطراف والشهود والفنيين، بمن فيهم الخبراء، وكذلك محامي الأطراف، بالتحدث بلغة أجنبية. وفي هذه الحالة يجوز للمحكمة أن تقرر، على نفقة الطرف الذي تحدده، توفير ترجمة شفوية بواسطة مترجم يتفق عليه الأطراف، أو تعينه المحكمة عند عدم الاتفاق.

المادة 1527‑5  تكون المرافعات علنية، إلا إذا قررت المحكمة عقدها في غرفة المشورة وفقًا للقانون. ويجوز للمحكمة، بناءً على طلب الأطراف أو أحدهم، أن تكيّف تسبيب قرارها ووسائل نشره مع مقتضيات سرية التحكيم.

  • المادة الحادية والعشرون عدّلت المادة 1506 بحيث تمتد بعض قواعد التحكيم الداخلي إلى التحكيم الدولي، بما في ذلك الأحكام الجديدة المتعلقة بتعدد العقود والحكم التحكيمي الإلكتروني. كما ينص المرسوم على أنه عند تطبيق المادة 1468 في مجال التحكيم الدولي، فإن عبارة «النظام العام» تعني «النظام العام الدولي».

والله من وراء القصد.