• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

تعلــيــــــــق عــلـــــــى قـــــــــرار الهــيــئـــــــة الاتهـــامـيّــــــــــــة فــــي جــبــــــل لبــنــــان رقــم 455/2026 تاريــخ 18/6/2026 الغرفة السابعة المؤلّفة من القضاة الرئيس فادي العريضي (منتدبًـا) والمستشـــارتـيــــــن مارجــــي مجدلانـــــي وسـيـــسيـــل سرحــــال عــن الدلـيــل غــيـر المشـــروع و/أو غــيــــر الـنـزيـه فـــي القضايــا الجزائـيَّــة والمدنـيَّــــة

 

  1. في القضيَّة، إنَّ النيابة العامَّة الاستئنافيَّة في جبل لبنان، قد لاحقت، وادّعت، على الشخصين المذكورين في القرار، بجرم الرشوة والذمّ، بناءً لشكوى تقدّم بها المحامي المدعي، مرفقة بتسجيل صوتي سرّي جرى بينهما وبين إحدى الشركات التي يمثّلها. فتقدّم المدعى عليهما بمذكرة دفوع شكليَّة أمام قاضي التحقيق، الذي ردّها، فاستئنافا قراره أمام الهيئة الاتهاميّة. أدلى المستأنفان بعدم سماع دعوى الرشوة لعدم اقتران عرض الرشوة بالقبول (المادة 73 الفقرة الثالثة من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة)، ولانتفاء رابطة التبعيّة بين المحامي وموكّلته الذي يُمثّلها (المادة 354 عقوبات)، ولكون التحقيق الأوَّلي استند إلى تسجيل صوتي أجراه المحامي خفيةً، بما يُشكِّل وسيلة إثبات غير مشروعة تفضي إلى بطلان التحقيق الأوَّلي (المادة 73 الفقرة السابعة أصول جزائيَّة معطوفة على المادة 25، الفقرة "هـ" من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة). كما طلب المُستأنِفان إعلان بطلان ورقة طلب النيابة العامَّة بجرم الذمّ لعدم اتّخاذ المحامي صفة الادّعاء الشخصي بحقّهما، كما توجبه المادة 586، الفقرة الأولى، من قانون العقوبات.

 

  1. اعتبر القرار موضوع التعليق أنَّ ما أُدلي به في إطار الرشوة، يُشكِّل من جهة، أساس النزاع، ومن جهة أخرى، يتناول القوَّة الثبوتيّة للدليل المستمدّ من التسجيل الصوتي المنسوب إلى المُستأنفين. أما في خصوص فعل الذمّ، المنسوب إليهما، فهو قد نقض، بحقّ، قرار قاضي التحقيق، معتبرًا أنَّ مساواة عقوبة الجرم الذي يقع على محامٍ بعقوبة الجرم الذي يقع على القاضي بموجب المادة 76 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، لا تؤدّي إلى مساواة الوضع القانوني للمحامي بوضع الموظف، بحيث يبقى تحريك دعوى الحق العام رهنًا باتّخاذ المحامي صفة الادّعاء الشخصي، عملًا بأحكام المادة 586 الفقرة الأولى، من قانون العقوبات.

 

  1. بصورة عامَّة، يمكن القول أنَّ القرار يندرج ضمن إطار التطبيق والتفسير الصحيحين للأحكام القانونيّة، بل إنّه كان بإمكان الهيئة الاتهاميّة أن تختصر ردّها على الاستئناف في أقلّ من إحدى وعشرين صفحة! إلَّا أنَّ من يعرف رئيس الهيئة الاتهاميّة التي أصدرت القرار، يعرف نهجه الاجتهادي والأكاديمي.

 

  1. وكان من الممكن أن يمرّ القرار مرور الكرام، لولا تناوله مسألة التسجيل الصوتي الذي قام به المحامي خفيةً عن المستأنفين. وبالفعل، فإنَّ من يقرأ ويُتابع هذا الموضوع يعرف أنَّه شهد، وما زال يشهد، تطوّرًا فقهيًّا، واجتهاديًّا، على الصعيدين الداخلي والدولي، إذ إنَّ منع الأخذ بوسائل الإثبات غير المشروعة حلّ محلّه مبدأ قبولها وفقًا لشروط مُعيّنة. ومن هنا، رأينا فائدة التعليق على هذا القرار، وإلقاء الضوء على نقطة التحوّل الحاصلة في هذا الموضوع.

انطلاقًا مما أدلى به المستأنفان، نتناول، تباعًا، مسألتَيّ ما إذا كان التسجيل الصوتي السرّي يُشكِّل وسيلة لبطلان التحقيق الأوّلي (1)، وما إذا كان يصلح كوسيلة للإثبات (2).

 

(1) التسجيل السرّي وسيلة لبطلان التحقيق الأوَّلي؟

 

  1. أدلى المُستأنِفان ببطلان التحقيق الأوّلي لاستناده إلى تسجيل أجراه المُستأنَف عليه، المحامي المدعي، خفيةً عن الجهة المُستأنِفة بما يُشكِّل، حسب قولهما، وسيلة غير مشروعة، وغشًّا، وخداعًا، استنادًا إلى أحكام البند السابع من المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة معطوفة على الفقرة "هـ" من المادة 25 من القانون ذاته. وتُعَدّ هذه المادة دفعًا شكليًّا، يتمثّل في الدفع ببطلان إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق، في حين أنَّ المادة 25 الفقرة "هـ" قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة، تُجيز للنيابة العامَّة الاطلاع على الجرائم بـ "أيَّة وسيلة مشروعة تُتيح لها الحصول على معلومات عن الجريمة".

ويتناول هذان النصّان أمرين مختلفين تمامًا، فالأوَّل، يتناول إجراءات التحقيق (1.1)، في حين يتناول الثاني، الدليل المُقدَّم من أحد أطراف دعوى الحق العام، وفي قضيَّتنا من أحد الخصوم (2.1).

1.1- مفهوم إجراء التحقيق:

  1. من المُسلّم به، أنَّ التحقيق في الإجراءات الجزائيَّة هو مجموعة الإجراءات القانونيّة التي تتّخذ للكشف عن الحقيقة وجمع الأدلّة بشأن جريمة معيّنة، بهدف تحديد ما إذا كانت هناك أدلّة كافية لإحالة المشتبه فيه إلى المحاكمة ويتمّ التحقيق، وفقًا للحال، بمبادرة من الضابطة العدليّة و/أو بإيعاز من القضاء، وفي جميع الأحوال، تحت إشرافه. فمرحلة الاستدلال وجمع المعلومات تقوم بها الضابطة العدليّة، والتحقيق الأوّلي يتمّ بإشراف النيابة العامَّة أو تحت سلطتها، أما التحقيق القضائي يجريه قاضي التحقيق. ويمكن القول أنَّ لإجراء التحقيق مفهومًا قضائيًّا مزدوجًا: أوَّلًا، إجراء التحقيق بالمعنى الشكلي المنصوص عليه في المواد 55 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة، أي كل أمر أو قرار يصدر عن قاضي التحقيق. وثانيًا، عند اعتماد المفهوم المادي لإجراء التحقيق، يُعَدّ إجراء تحقيق كل عمل يهدف إلى جمع الأدلَّة وإثباتها ومن ذلك المحاضر المنظّمة من قِبَل الضابطة العدليّة أو الموظفين والأعوان المكلّفين ببعض مهام الضابطة العدليَّة، سواء أُنجزت هذه الأعمال تنفيذًا لإنابة قضائيَّة، أم في إطار تحقيق أوَّلي، أم في حالة الجرم المشهود.

 

  1. ومن الناحية المبدئيَّة، فإنَّ أسباب البطلان التي تعتري أعمال التحقيق، تنشأ إمّا عن نص صريح، وإما من عدم التقيُّد بإحدى الشكليّات الأساسيَّة المتعلّقة بحقوق الدفاع. ومن هنا، جاءت التسمية بين "أسباب البطلان النصيّة"                     Nullités textuelles أي تلك المُكرَّسة بمقتضى نص صريح، وأسباب البطلان الجوهريَّة Nullités substantielles، أي تلك التي تهدف إلى تأمين احترام الإجراءات التي تُعَدّ ضروريّة لمصالح الدفاع. ويبدو أنَّ المشرّع اللبناني قد استعاد هذه التسمية، إذ نصّ في المادتين 296 و 306 من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة، على وجوب احترام "القواعد الجوهريّة" Règles substantielles.

 

ومع أنَّ النصوص اللبنانيّة تكلّمت على مبدأ الاستقامة في الإثبات Loyauté de la preuve وعلى الوسائل المشروعة (Moyens légaux ou licites) ولا سيَّما المادة 25 من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة والمادة 133 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة، فإنَّها لم تتضمّن أي نص يُرتّب البطلان جزاءً لمخالفة هذا المبدأ كما أنَّ التشريع اللبناني لم يتضمّن تقنينّا خاصًّا، لنظريّة الإثبات الجزائي، على غرار ما هو قائم في قانون أصول المحاكمات المدنيّة، فليس هناك من شرعة Codification مخصوصة بالإثبات، وحتى ليس هناك فصل خاص يتعلّق به في قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة اللبناني، وإنَّما اكتفى بنصوص متفرّقة لا تكفي بمفردها، لبناء نظريَّة متكاملة للإثبات. الأمر الذي دفع الفقه والاجتهاد إلى سدّ هذا النقص وتطوّر نظريَّة قائمة بذاتها في هذا المجال ([1]).

 

  1. وفي هذا الإطار، تُشكِّل قرينة البراءة ومبدأ حريّة الإثبات، قاعدتين أساسيّتين تُميّزان الإثبات الجزائي عن الإثبات المدني. فبمقتضى القاعدة الأولى، يقع على عاتق الادعاء العام إثبات الفعل الجرمي، المنسوب إلى المدعى عليه، الذي يستفيد دائمًا من الشك، الأمر الذي يجعل الإثبات، في كثير من الحالات، صعبًا، ومرهقًا. ومن ثمَّ، يضطرّ الادعاء العام إلى البحث عن الدليل بكل الوسائل الممكنة، ومن بينها وسائل الإثبات، المستمدّة من استراق السمع بوساطة أجهزة الهاتف أو عن طريق التسجيل الصوتي ([2]). من هنا، برزت القاعدة الثانية، التي تُجيز إقامة الدليل بمختلف الوسائل غير أنَّ هذا المبدأ لا يمكن أن يكون مطلقًا، بل يجب أن يقترن بضرورة إيجاد توازن بين مصلحة المجتمع في ملاحقة الجريمة ومصلحة الفرد في حماية حقوقه، وحريَّاته الأساسيَّة، نظرًا إلى اختلال موازين القوى بطبيعتها لمصلحة السلطة العامَّة.

 

ويرتبط هذا التوازن بين مبدأ حريّة الإثبات ومبدأ الاستقامة في الحصول على الدليل بالتطوّر الاجتماعي، كما يتأثّر بالتطوّر المستمرّ لوسائل التحرّي والتقصّي الحديثة، فضلًا عن اعتبارات حماية الحقوق والحريّات الفرديّة، وضمان نزاهة العدالة، ومنع تعسّف السلطات العامّة. وقد كُرّست هذه المبادئ في العديد من الصكوك الدوليّة، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة، والاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، واتفاقيّة مناهضة التعذيب وغيرها.

 

ومن هنا نشأت نظريّة استبعاد الدليل غير المشروع، أو ما يعرف في الفقه الأميركي بقاعدة ثمرة الشجرة المسمومة (Fruit of the Poisonous Tree)، ومؤدّاها أنَّ كل دليل مستمدّ من دليل غير مشروع يفقد هو أيضًا مشروعيَّته. ويقوم هذا الاتّجاه على مبدأ الاستقامة في البحث عن الأدلة، بما يكفل حماية الفرد من التجاوزات المحتملة، ويفرض أن تُجرى إجراءات التحقيق وفق أصول قانونيّة سليمة.

 

  1. ومن الصعب إعطاء تعريف جامع لمبدأ الاستقامة في الإثبات. فإذا كانت القوانين قد حدّدت وسائل الإثبات وأنواعها في نصوص خاصّة، فإنّها لم تفعل الأمر ذاته بالنسبة إلى مفهوم الاستقامة، ذلك أنَّ مشروعيّة وسائل الإثبات مسألة قانونيّة واجتماعيّة ينبغي أن يحدّدها القانون بصورة واضحة حتى يتمكّن الأفراد من معرفتها والاحتكام إليها، في حين أنّ الاستقامة في الإثبات تنتمي، في جوهرها، إلى المجال الأخلاقي أكثر مما تنتمي إلى المجال التشريعي، الأمر الذي يفسّر عدم وضع تعريف تشريعي جامع لها.
  2. انطلاقًا من ذلك، فإنّ مسألة ما إذا كانت وسيلة الإثبات مشروعة أو غير مشروعة لا تدخل ضمن القيود المتعلّقة بتحريك دعوى الحق العام، وإنّما تتّصل بمدى قبول الدليل أو استبعاده بعد تحريك الدعوى أصولًا.

 

2.1- أدلّة الخصوم:

 

  1. يترتّب على ما تقدّم، أنّ الأدلّة التي يقدّمها الخصوم في إطار الدعوى الجزائيّة لا تشكّل إجراءً من إجراءات التحقيق بالمعنى المقصود في المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، وإنّما تُعَدّ وسائل إثبات تخضع للمناقشة الوجاهيّة، بما يُتيح للطرف الآخر مناقشتها والطعن فيها وفقًا لمبدأ المواجهة بين الخصوم، الأمر الذي يجعلها بمنأى عن رقابة البطلان المقــرَّرة لإجراءات التحقيــق، وهو الاتجاه الذي أكّــدته محكمة التمييز الفرنسيّـة في أكثر من قرار ([3]).

 

وقد أثار هذا الاتجاه تحفّظ جانب من الفقه، الذي رأى أنّه لا يجوز للقاضي أن يبني قناعته على دليل تمّ الحصول عليه بطريقة غير مشروعة، وأنَّ مبدأ مشروعيّة الإثبات أو الاستقامة في الإثبات ينبغي أن يسري على الخصوم كما يسري على القضاء والضابطة العدليّة. فبمجرّد إبراز المستند أو التسجيل أمام القضاء، يصبح عنصرًا من عناصر الدعوى يخضع لرقابة المحكمة، ويتعيّن عليها التحقّق من مدى مشروعيَّته قبل أن تبني عليه اقتناعها ([4]).

 

وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي، فإنّه يبقى متعلّقًا بتقدير قيمة الدليل وقبوله، لا بقيام مانع قانوني يحول دون سماع دعوى الحق العام.

 

  1. برأينا، إنّ التسجيل الصوتي السرّي الذي يبرزه أحد الخصوم لا يُشكّل جزءًا من إجراءات الشكوى. فالشكوى الجزائيّة هي إجراء رسمي يُعلم بموجبه شخصٌ ما النيابة العامّة أو قاضي التحقيق بوقوع جريمة. ويجوز أن تُرفق بها مستندات أو إفادات شهود أو تسجيلات، إلّا أنّ هذه المرفقات لا تُشكّل الشكوى بحد ذاتها. وعليه، فإنّ التسجيل لا يعدو كونه مستندًا مرفقًا بالشكوى يُستخدم لتعزيز مصداقيّتها، من دون أن يصبح جزءًا من إجراءاتها بالمعنى الشكلي أو القانوني للأسباب التالية:

 

  • لأنّه لا يصدر عن سلطة عامّة مختصّة قانونًا.
  • لأنّه لا يخضع لأي رقابة قضائيّة مسبقة.
  • لأنّه غير مدوّن في محضر أصولي منظّم وفقًا للقانون.

 

وهذا ما أقرّته محكمة التمييز الفرنسيَّة في قضيَّة Bettencourt بتاريخ 31/1/2012 ([5]):

 

« Attendu que, pour rejeter le moyen de nullité pris du versement au dossier des enregistrements de conversations privées réalisés par le maître d’hôtel de Mme Y... à l’insu de celle-ci et de ses interlocuteurs, dont ses avocats, et des pièces subséquentes, l’arrêt relève notamment que ne peut être annulé un document, versé en procédure, qui est produit par un particulier, constitue une pièce à conviction et ne procède, dans sa confection, d’aucune intervention, directe ou indirecte, d’une autorité publique; que les juges ajoutent qu’il en va également ainsi de la transcription de conversations échangées entre un avocat et un client, l’argumentation prise, d’une part, des dispositions de l’article 100-5 du code de procédure pénale, applicables aux seules interceptions de correspondances ordonnées par une autorité publique et, d’autre part, de l’article 66-5 de la loi du 31 décembre 1971, relatif aux documents couverts par le secret professionnel de l’avocat, étant inopérante;

 

Attendu qu’en se déterminant ainsi, la chambre de l’instruction a justifié sa décision, dès lors que les enregistrements contestés ne sont pas en eux-mêmes des actes ou des pièces de l’information, au sens de l’article 170 du code de procédure pénale, et comme tels, susceptibles d’être annulés, mais des moyens de preuve qui peuvent être discutés contradictoirement, et que la transcription de ces enregistrements, qui a pour seul objet d’en matérialiser le contenu, ne peut davantage donner lieu à annulation;… ». 

 

  1.  في الحقيقة، إنّ التسجيل ليس سوى وسيلة من وسائل الإثبات، وهو التكييف القانوني السليم له. فالتسجيل السرّي الذي يقدّمه المشتكي يُعَدّ وسيلة إثبات خاصّة، أو بصورة أدقّ، دليلًا مُعدًّا مسبقًا خارج إطار القضاء، جرى الحصول عليه قبل مباشرة أي إجراءات قضائيّة أو تحقيقيّة، نتيجة مبادرة أحاديّة صادرة عن الشخص الذي قام بإجرائه.

 

(2) التسجيل السرّي وسيلة للإثبات:

 

إنَّ وسيلة الإثبات، هي كل دليل يُجيز القانون تقديمه أمام المحكمة، لإثبات واقعة قانونيّة أو ماديّة، تؤثّر في النزاع، ويترتَّب على قبولها، تكوين قناعة القاضي بوجود الحق أو عدمه. في القضايا الجزائيَّة، يتمتّع القاضي بحريّة واسعة في تكوين قناعته، في حين أنَّه، في القضايا المدنيّة، تكون وسائل الإثبات مُحدَّدة إلى حدّ كبير. الأمر الذي يقتضي معه التمييز بين القضايا الجزائيَّة (1.2) والقضايا المدنيّة (2.2).

 

1.2- القضايا الجزائية:

 

  1. كرّست المادة 179، الفقرة الأولى، من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة مبدأ حريّة الإثبات، إذ نصّت على أنّه: "يمكن إثبات الجرائم المدعى بها بطُرُق الإثبات كافّة، ما لم يرد نص مخالف يحدّد كيفيّة تقديم الأدلّة" ([6]). ويُعمل بهذا المبدأ ضمن الحدود والقيود التي يفرضها القانون، وهو ينسجم مع المبادئ التي اعتمدها التشريع اللبناني، والتي تكفل الضمانات اللَّازمة للفرد والمجتمع، وتتوافق مع نظام المحاكمات العلنيّة المنصوص عليه في المواد 178                  و 179 و 223 و 250 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، باعتباره أحد أبرز مظاهر النظام الاتهامي في المحاكمات الجزائيّة.

ويستند مبدأ حرية الإثبات إلى جملة من الاعتبارات، أبرزها:

 

  • أنّ الدعوى الجزائيّة ترمي إلى إثبات وقائع ماديّة أو نفسيّة، لا إلى إثبات تصرّفات قانونيّة، الأمر الذي يجعل من المتعذر، في الغالب، التحوّط مسبقًا لإقامة الدليل، كما هو الحال في المجال المدني. ففي العلاقات المدنيّة، يستطيع الأفراد إعداد وسائل إثبات مسبقة لتصرّفاتهم القانونيّة، كالعقود والسندات الخطيّة، تحسّبًا لما قد ينشأ مستقبلًا من نزاعات. أما في المجال الجزائي، فإنّ مثل هذا التحوّط يكاد يكون مستحيلًا، لأنّ الجرائم تُرتكب عادةً في الخفاء، ويحرص مرتكبوها على إخفاء آثارها وطمس معالمها، بما يصعّب مهمَّة إثباتها.

 

  • كما أن مبدأ حرية الإثبات يخدم مصلحة المجتمع، إذ يتيح للسلطات المختصة الاستعانة بجميع وسائل الإثبات المشروعة لإظهار الحقيقة ومكافحة الجريمة، ويحول دون إفلات المجرمين من العقاب بسبب القيود الشكلية غير المبررة.
  • وفي الوقت نفسه، يخدم هذا المبدأ مصلحة الفرد، إذ يتيح للمدعى عليه إثبات براءته أو نفي عناصر الجرم المنسوب إليه بجميع وسائل الإثبات المقبولة قانونًا، فيتحقق بذلك التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع، ويصبح الوصول إلى الحقيقة القضائيّة هو الغاية الأساسيّة للإثبات الجزائي.

 

  1. يكرّس مبدأ حرية الإثبات حق ضحايا الجرائم في إثبات الوقائع الجرمية بجميع وسائل الإثبات المقبولة قانونًا، بما في ذلك، في بعض الحالات، التسجيلات الصوتيّة السريّة التي يجريها شخص خاص من دون علم الطرف الآخر. وفي هذا الخصوص، يُشار، على سبيل المثال، إلى القرار الصادر عن محكمة التمييز الفرنسيّة بتاريخ 7/3/2012 ([7])، الذي اعتبر أنّ التسجيلات الصوتيّة التي يتمّ الحصول عليها من دون علم الشخص المعني تكون مقبولة أمام القضاء الجزائي بوصفها وسيلة لإثبات الجرائم المنسوبة إليه، وذلك لتمكين المتضرّر من تقديم شكوى جزائيّة، من دون أن يشكّل الحق في احترام الحياة الخاصّة، أو حتى السر المهني، مانعًا مطلقًا يحول دون قبولها، حيث اعتبرت محكمة التمييز ما يلي:

 

« Attendu qu’il résulte de l’arrêt attaqué que M. François X..., dirigeant de droit de la société Hôtelière du Camp Rambaud (HCR), mis en examen des chefs d’abus de biens sociaux et recel, travail dissimulé, présentation de bilan inexact, a déposé à la chambre de l’instruction une requête en annulation de l’ensemble des actes de procédure relatifs à des enregistrements audio réalisés de sa propre initiative par M. François Y..., ancien salarié de la société, lors d’entretiens avec ses employeurs, au motif qu’un tel enregistrement, réalisé à l’insu de la personne concernée, constituait un procédé déloyal, méconnaissant le droit à un procès équitable;

 

Attendu que, pour rejeter cette demande, les juges énoncent qu’aucune disposition légale ne permet aux juges répressifs d’écarter les moyens de preuve produits par les parties, au seul motif qu’ils auraient été obtenus de manière illicite ou déloyale et que la jurisprudence européenne ne réglemente pas l’admissibilité des preuves qui relève du droit interne; qu’en en tout état de cause, l’élément de preuve procuré par un particulier ne peut faire l’objet d’une annulation dès lors que n’émanant pas d’un magistrat ou d’un service d’enquête, il ne constitue pas un acte de procédure;

 

Attendu qu’en se déterminant ainsi, la chambre de l’instruction a justifié sa décision, sans méconnaître les dispositions conventionnelles invoquées, dès lors que les enregistrements contestés ne sont pas en eux-mêmes des actes ou pièces de l’information, au sens de l’article 170 du code de procédure pénale et comme tels susceptibles d’être annulés, mais des moyens de preuve qui peuvent être discutés contradictoirement, et que la transcription de ces enregistrements qui a pour seul objet d’en matérialiser le contenu, ne peut davantage donner lieu à annulation;

 

D’où il suit que le moyen ne saurait être admis;… » ([8]).

 

  1. كما كرست محكمة التمييز الفرنسيّة مبدأً مؤدّاه أنّه لا يوجد أي نص قانوني يجيز للقاضي الجزائي استبعاد وسائل الإثبات التي يقدّمها الخصوم لمجرّد أنّها جُمعت بطريقة غير قانونيّة أو غير مشروعة، وإنّما يعود إليه تقدير قيمتها الثبوتيّة بعد إخضاعها للمناقشة الوجاهيّة بين الخصوم، تطبيقًا لمبدأ المواجهة ([9]):

 

« Vu l’article 427 du Code de procédure pénale;

 

Attendu qu’aucune disposition légale ne permet aux juges répressifs d’écarter les moyens de preuve produits par les parties au seul motif qu’ils auraient été obtenus de façon illicite ou déloyale; qu’il leur appartient seulement, en application du texte susvisé, d’en apprécier la valeur probante après les avoir soumis à la discussion contradictoire ».

 

مع بقائه ملزمًا، في المقابل، بفرض مبدأ الاستقامة في الإثبات على الأشخاص المفوضين من السلطة العامة، ولا سيما الضابطة العدلية وسلطات التحقيق ([10]).

 

 

  1. هذا، ونُشير إلى أنَّ الغرفة الجزائيَّة لدى محكمة التمييز الفرنسيَّة ([11]) لا تعترف حاليًّا بعنصر الخصوصيَّة في حالة التسجيل السرّي لكلمات صاحب العمل من قِبَل المُستخدَم، شريطة أن تتعلّق الملاحظات بالنشاط المهني:

 

« Attendu qu’il appert de l’arrêt attaqué que Jean-Raymond X… a procédé à l’enregistrement sur bande magnétique, d’une part, d’une communication téléphonique au cours de laquelle les gérants de la société dont il était l’employé, Molly Y… et Louis Z…, l’informaient de son licenciement et, d’autre part, de l’entretien préalable au licenciement intervenu, en application du Code du travail, entre lui-même, Lucien Z… et le témoin Mme A… ;

 

Que, pour déclarer X… coupable du délit d’atteinte à l’intimité de la vie privée, la cour d’appel relève que « la captation des conversations a eu lieu dans le bureau des employeurs, lieu privé où l’on ne pouvait pénétrer sans leur autorisation et que l’élément intentionnel résultait de ce que le prévenu entendait enregistrer des propos ou arguments ne figurant pas dans les motifs de licenciement et dont il espérait tirer profit lors de la procédure devant le conseil des prud’hommes »;

 

Mais attendu que de ces énonciations il résulte que l’objet des entretiens portait sur le licenciement du prévenu par ses employeurs; que dès lors, les propos tenus par ceux-ci entrant dans le cadre de leur seule activité professionnelle n’étaient pas de nature à porter atteinte à l’intimité de leur vie privée;

 

D’où il suit que les juges n’ont pas donné de base légale à leur décision et que la cassation est encourue; … ».

 

2.2- القضايا المدنيّة:

 

  1. نقطة التحوُّل الكبرى! أما في الدعاوى المدنيّة، فقد اتّخذ الاجتهاد مسارًا مختلفًا، إذ أوجبت الفقرة الأخيرة من المادة 133 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة على الخصوم التقيّد بمبادئ الاستقامة في الإثبات.

 

  1. وفي إحدى الدعاوى التي نظرت فيها محكمة الدرجة الأولى في بيروت ([12])، اعتبرت المحكمة أن التسجيل المغناطيسي السري يشكل مناورةً خداعية، وبالتالي وسيلة إثبات غير مشروعة، لا تصلح لأن تكون بدء بينة خطية، فقضت باستبعاده. كما درجت محكمة التمييز الفرنسية، لفترة طويلة، على رفض الدليل الذي يتم الحصول عليه سرًّا، تأسيسًا على مبدأ الاستقامة في الإثبات، ولا سيَّما إذا كان الحصول عليه قد تمّ عن طريق المناورة Manoeuvre أو الحيلة stratagème ([13])، وذلك حمايةً للحق في الخصوصيّة، المكرّس بموجب المادة الثامنة من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، وكذلك بموجب أحكام القانون اللبناني رقم 81 تاريخ 10/10/2018 المتعلّق بالمعاملات الإلكترونيّة والبيانات ذات الطابع الشخصي.

 

  1. غير أنّ هذا الاتّجاه شهد تحوّلًا تدريجيًّا. فقد شكل القرار الصادر عن المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان بتاريخ 10/10/2006 ([14]) نقطة تحوّل بارزة في هذا المجال.

 

  1. نشأت القضية في إطار دعوى طلاق أمام المحاكم الفرنسية. أثناء الإجراءات، قدمت الزوجة وثيقة طبية تتعلق بزوجها (المُدّعي) وتكشف معلومات حساسة عن حالته الصحية، واستندت المحاكم الفرنسيّة جزئيًّا إلى هذه الوثيقة عند إصدار أحكامها. اعترض الزوج على استخدام هذه البيانات الطبيَّة معتبرًا أنَّ ذلك يشكّل انتهاكًا لسريّة المعلومات الطبيّة وحقّه في احترام حياته الخاصّة. كان السؤال المطروح أمام المحكمة الأوروبيّة هو ما إذا كان استعمال المحاكم الفرنسيّة لوثائق طبيّة خاصة بالمدّعي يمثّل تدخّلًا غير مشروع في حقّه في احترام الحياة الخاصّة المكفول بموجب المادة 8 من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان. أكّدت المحكمة أن المعلومات الصحيّة تُعد من أكثر البيانات الشخصيّة حساسيّة، وأنَّ حمايتها تمثّل عنصرًا أساسيًّا من عناصر الحق في الحياة الخاصَّة. كما اعتبرت أنّ قبول المحاكم الوطنيّة لهذه الوثيقة الطبيّة واستعمالها في الحكم يشكل تدخّلًا في هذا الحق. ورغم أنّ حماية حقوق الطرف الآخر في دعوى الطلاق قد تُعد هدفًا مشروعًا، رأت المحكمة أن التدخّل لم يكن متناسبًا مع الهدف المراد تحقيقه، لأنّ الوثيقة الطبيّة لم تكن حاسمة في نتيجة النزاع، وكان بالإمكان التوصّل إلى النتيجة نفسها بالاعتماد على أدلة أخرى متوافرة في الملف. لذلك لم يكن استخدام البيانات الصحية ضروريًّا في مجتمع ديمقراطي. خلصت المحكمة إلى أن فرنسا انتهكت المادة 8 من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان المتعلّقة بالحق في احترام الحياة الخاصَّة. واعتبرت أنَّ مجرّد إثبات وقوع الانتهاك يشكّل تعويضًا كافيًا عن الضرر المعنوي الذي لحق بالمدعي.

 

بالطبع، فإنَّ الأهميّة القانونيّة للقرار تتمثّل بأنَّه كرَّس مبدأ أنَّ استعمال المعلومات الطبيّة في الإجراءات القضائيّة يجب أن يخضع لاختبار صارم للتناسب والضرورة، حتى عندما يتعلّق الأمر بإثبات وقائع في نزاع أسري أو دعوى طلاق.

 

  1. وهذا الموقف كرّرته المحكمة الأوروبيّة في قرار ثانٍ تاريخ 13/5/2008 ([15]). وفي القضيَّة، كان أحد المدعين (T.A.) طرفًا في دعوى طلاق أمام المحاكم البلجيكية. أثناء إجراءات الطلاق، قُدّمت إلى المحكمة رسائل خاصّة ذات طابع عاطفي متبادلة بين المدعيين، وقد استند إليها الطرف الآخر لإثبات أسباب الطلاق. اعترض المدعيان على استعمال هذه الرسائل، معتبرين أنّ ذلك يشكّل انتهاكًا لحقّهما في الحياة الخاصّة وسريّة المراسلات. طرحت مسألة ما إذا كان سمح القضاء البلجيكي باستعمال مراسلات خاصة بطريقة تنتهك الحق في احترام الحياة الخاصة والمراسلات المكفول بالمادة 8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان؟

 

أكّدت المحكمة أنّ المراسلات الخاصّة تدخل ضمن نطاق الحماية التي توفّرها المادة 8 من الاتفاقيّة. غير أنّ المحكمة فرّقت بين وجود تدخّل في الحياة الخاصّة وبين ما إذا كان هذا التدخّل مبررًا ومتناسبًا مع الهدف المشروع المُراد تحقيقه. رأت المحكمة أنّ المحاكم البلجيكية قامت بموازنة كافية بين حق المدعيين في الخصوصيّة وحق الطرف الآخر في تقديم الأدلة اللّازمة للدفاع عن مصالحه في دعوى الطلاق.

 

بالنتيجة، خلُصت المحكمة الأوروبيّة إلى عدم وجود انتهاك للمادة 8 من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان. واعتبرت أنّ استخدام الرسائل في ظروف القضيّة كان يحقّق غرضًا مشروعًا وأنّ السلطات الوطنيّة لم تتجاوز هامش التقدير الممنوح لها في هذا المجال. تكون المحكمة قد اعتبرت ما يلي: 1. أنَّ حماية المراسلات الخاصّة ليست مطلقة. 2. أنَّه يمكن قبول استعمال مراسلات خاصّة كدليل أمام القضاء إذا أجرت المحاكم الوطنيّة موازنة عادلة بين الحق في الخصوصيّة ومتطلّبات إقامة الدليل وتحقيق العدالة. 3. أنَّ معيار المحكمة الأوروبيّة الأساسي هو التناسب بين التدخّل في الخصوصيّة والهدف المشروع المُراد تحقيقه.

 

  1. في الحقيقة، إنَّ المحكمة الأوروبيَّة تستند في تقويمها للدليل على نص المادة 6 من الاتفاقيَّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، الذي يُكرّس ضمان الحق في محاكمة عادلة. وهي لا تنظر في حد ذاتها مسألة قبول الأدلة، إذ إن هذه المسألة تندرج أساسًا ضمن نطاق القانون الداخلي لكل دولة. وعليه، فليس من اختصاص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تفصل، من حيث المبدأ، في مدى قبول أنواع معينة من الأدلة، كالأدلة التي تم الحصول عليها بصورة غير مشروعة وفقًا للقانون الداخلي. وإنما تتمثل مهمتها، في إطار المادة 6 § 1، في تقييم مدى عدالة الإجراءات برمتها، بما في ذلك كيفية جمع الأدلة واستخدامها، والطريقة التي عولجت بها الاعتراضات المثارة بشأنها. ولتحديد ما إذا كانت الإجراءات قد اتسمت بالعدالة في مجملها، تأخذ المحكمة بعين الاعتبار العناصر الآتية:

 

  • طبيعة عدم المشروعية المدعى بها بشأن الأدلة محل النزاع، وفي حال تعلق الأمر بانتهاك حق آخر مكفول بموجب الاتفاقية، طبيعة ذلك الانتهاك ومداه.

 

  • ما إذا كانت قد أتيحت للمدعي (أو المتهم) فرصة الطعن في صحة الأدلة والاعتراض على استخدامها، في ظل ضمان احترام مبدأ المواجهة بين الخصوم ومبدأ تكافؤ وسائل الدفاع بين الادعاء والدفاع.

 

  • قيمة الأدلة وجودتها، والظروف التي تم الحصول عليها فيها، وما إذا كانت تلك الظروف من شأنها أن تثير الشكوك حول مصداقيتها أو دقتها.

 

  • ما إذا كانت المحاكم الوطنية قد بحثت بصورة جدية الاعتراضات التي أثارها المدعي بشأن الأدلة، أي ما إذا كان قد تم الاستماع إليه فعليًا، وما إذا كانت الأحكام القضائية قد استندت إلى أسباب قانونية وواقعية كافية وملائمة.

 

  • ما إذا كان الدليل محل النزاع قد مارس تأثيرًا حاسمًا أو جوهريًا على نتيجة الدعوى الجزائية ([16]).

 

  1. إنَّ القرارين المذكورين الصادرين عن المحكمة الأوروبيَّة دفعا محكمة التمييز الفرنسيَّة إلى تغيير مقاربتها؛ وتماشيًا مع اجتهاد المحكمة الأوروبيَّة، كرّست محكمة التمييز الفرنسيّة في المادة المدنيّة ما يُعرف بـ الحق في الإثبات، والذي يجيز قبول الدليل غير المشروع أو المتحصَّل عليه بطريقة غير قانونيّة في بعض الحالات الاستثنائيّة، وذلك عندما يكون هذا الدليل ضروريًّا ولا غنى عنه لنجاح ادّعاء الطرف الذي يتمسّك به، وعندما تكون المساسات الواقعة على الحقوق المتعارضة (مثل الحق في الخصوصيّة أو سرية المراسلات) متناسبة بشكل صارم مع الهدف المشروع المراد تحقيقه ([17]).

 

  1. وفي قضيّة تُضاهيها أهميّة ([18])، تعلّق النزاع بموظف فُصل من عمله بسبب خطأ جسيم، بعدما اتهمه صاحب العمل بتقديم بيانات غير صحيحة بشأن أوقات عمله. ولإثبات هذه المخالفات، اعتمد صاحب العمل على بيانات مستخرجة من نظام بطاقات الدخول المستخدم للدخول إلى مباني الشركة. غير أنّ هذا النظام كان قد صُرّح عنه أساساً لغرض مراقبة الدخول إلى المباني ومواقف السيارات، وليس لمراقبة أوقات العمل أو نشاط الموظفين. اعتبرت محكمة الاستئناف أنَّ هذا الدليل غير مشروع وغير مقبول، لأن صاحب العمل لم يُعلم الموظفين مسبقًا بأن بيانات الدخول والخروج قد تُستخدم لمراقبة ساعات العمل، كما لم يصرّح بهذه الغاية لدى الجهات المختصَّة.

 

إنَّ محكمة التمييز الفرنسية نقضت هذا الحكم، مؤكدةً أن عدم مشروعية وسيلة الإثبات لا يؤدي تلقائياً إلى استبعاده. ويتعين على القاضي أن يوازن بين: 1. حق العامل في احترام حياته الخاصة وحماية بياناته الشخصية؛ 2. وحق صاحب العمل في الإثبات والدفاع عن مصالحه. وبيّنت المحكمة أنه كان على محكمة الاستئناف أن تتحقق مما إذا كان: - هذا الدليل ضروريًّا ولا غنى عنه لإثبات المخالفة المنسوبة إلى الموظف؛ - ولم يكن لدى صاحب العمل وسيلة أخرى أقل مساسًا بحقوق العامل؛ - وأن المساس بالحياة الخاصة للعامل متناسب مع الهدف المشروع المراد تحقيقه. المبدأ الذي كرّسه القرار: يجوز، في بعض الحالات الاستثنائية، قبول دليل جُمع بطريقة غير مطابقة للقواعد المتعلقة بحماية البيانات أو الحياة الخاصة، إذا كان هذا الدليل ضروريًّا لممارسة حق الإثبات وكانت الموازنة بين المصالح المتعارضة تميل لصالح قبوله. وقد اعتبرت المحكمة ما يلي:

 

« 8. D’autre part, en application des articles 6 et 8 de la Convention de sauvegarde de droits de l’homme et des libertés fondamentales, l’illicéité d’un moyen de preuve, au regard des dispositions précitées, n’entraîne pas nécessairement son rejet des débats, le juge devant apprécier, lorsque cela lui est demandé, si l’utilisation de cette preuve a porté atteinte au caractère équitable de la procédure dans son ensemble, en mettant en balance le droit au respect de la vie personnelle du salarié à la condition que cette production soit indispensable à l’exercice de ce droit et que l’atteinte soit strictement proportionnée au but poursuivi » ([19]).

 

  1. على أثره، التأمت الهيئة العامَّة لمحكمة التمييز الفرنسيَّة واعتبرت في قرار مبدئي تاريخ 22/12/2023 ([20])، أنَّه يجوز للقاضي قبول مثل هذا الدليل، وذلك مشروطًا باستيفاء معيارين تراكميّين صارمين:

 

  • معيار الضرورة القصوى Indispensabilité: يجب أن يكون التسجيل الوسيلة الوحيدة المُتاحة لإثبات الحقيقة وتاليًا يبقى على المتقاضي إثبات انعدام أي بديل آخر، سواء أكانت مستندات مكتوبة أم رسائل نصيّة أم شهودًا.

 

  • معيار التناسب Proportionnalité: يجب أن يكون المساس بالحياة الخاصَّة للشخص المسجّل متناسبًا، تناسبًا دقيقًا مع الغاية المنشودة.

 

تعلّق النزاع بعلاقة عمل، حيث استند صاحب العمل إلى تسجيل صوتي تمّ بصورة سرية ومن دون علم الأجير لإثبات خطأ جسيم منسوب إليه وتبرير صرفه من العمل. وقد اعتبرت محكمة الاستئناف أنَّ هذا التسجيل يشكّل دليلًا تمّ الحصول عليه بطريقة غير مشروعة وغير نزيهة (preuve déloyale)، فاستبعدته من المناقشة وحكمت بأنّ الصرف غير مبرّر. فطرحت مسألة ما إذا كان يجب استبعاد الدليل المدني لمجرّد أنّه تمّ الحصول عليه بطريقة غير مشروعة أو غير نزيهة، أم يمكن قبوله إذا كان ضروريًّا لإثبات الحق المدعى به؟

 

ونذكر من ضمن ما ورد في القرار المقطعين التاليين:

 

« … 11. Enfin, soulignant la difficulté de tracer une frontière claire entre les preuves déloyales et les preuves illicites, et relevant le risque que la voie pénale permette de contourner le régime plus restrictif des preuves en matière civile, une partie de la doctrine suggère un abandon du principe de l’irrecevabilité des preuves considérées comme déloyales.

 

12. Aussi, il y a lieu de considérer désormais que, dans un procès civil, l’illicéité ou la déloyauté dans l’obtention ou la production d’un moyen de preuve ne conduit pas nécessairement à l’écarter des débats. Le juge doit, lorsque cela lui est demandé, apprécier si une telle preuve porte une atteinte au caractère équitable de la procédure dans son ensemble, en mettant en balance le droit à la preuve et les droits antinomiques en présence, le droit à la preuve pouvant justifier la production d’éléments portant atteinte à d’autres droits à condition que cette production soit indispensable à son exercice et que l’atteinte soit strictement proportionnée au but poursuivi ».

 

  1. أحدثت الهيئة العامّة لمحكمة التمييز تحوّلًا (revirement de jurisprudence) في اجتهادها السابق الذي كان يقضي بعدم قبول الأدلة المتحصّلة بوسائل غير نزيهة بصورة مطلقة. وقررت ما يلي: إنَّ عدم مشروعيّة أو عدم نزاهة وسيلة الإثبات لا يؤدّي بالضرورة إلى استبعادها من المحاكمة المدنيَّة. وأكَّدت المحكمة أنَّ على القاضي إجراء موازنة بين حق الخصم في الإثبات وبين الحقوق الأساسية الأخرى المتعارضة، ولا سيما الحق في الحياة الخاصة ومبدأ المحاكمة العادلة. وعلى هذا، وضعت المحكمة العليا معيارًا جديدًا لقبول الدليل؛ بحيث بات ممكنًا قبول الدليل غير المشروع أو غير النزيه إذا توافرت شرطان:

 

  1. أن يكون الدليل ضروريًّا ولا غنى عنه لإثبات الحق (indispensable à l’exercice du droit à la preuve).

 

  1. أن يكــــون المســــاس بحقــــوق الطـــرف الآخــــر متناسبًـــا مــــع الهـــدف المشــــروع المـــراد تحقيقــه (contrôle de proportionnalité). 
  1. يُعد هذا القرار من أهم قرارات الإثبات في القانون الفرنسي الحديث لأنه:

 

  • تخلّى عن مبدأ الاستبعاد المطلق للأدلة غير النزيهة.

 

  • كرّس الحق في الإثبات كحق أساسي قد يبرر، في ظروف معينة، تقديم دليل تم الحصول عليه بصورة غير مشروعة.

 

  • أدخل معيار الموازنة والتناسب المستوحى من اجتهادات Cour européenne des droits de l’homme في مجال المحاكمة العادلة. 

 

وخلاصة، أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز الفرنسية مبدأً جديدًا مفاده أن الدليل المدني المتحصّل بطريقة غير نزيهة لا يُستبعد تلقائياً، بل يُقبل متى كان ضرورياً لإثبات الحق وكانت المخالفة للحقوق الأخرى متناسبة مع الغاية المنشودة ([21]).

 

وعلى هذا، يتحصّل أنَّ الاعتراف بضرورة الدليل لا يُقيم وفقًا لنطاق مُحدَّد من الوسائل المتاحة، بل بالاستناد إلى مشروعيّة الهدف من الدعوى القضائيَّة. بحيث أنَّ المساس بالحق، يجب أن يكون متناسبًا مع الهدف المنشود.

 

  1. ونُشير إلى أنَّ هذا التطوّر بلغ مداه في لبنان حيث اعتبرت محكمة الدرجة الأولى في قرار حديث تاريخ 3/10/2024 ([22])، أنَّ حقّ الزوج في إثبات خطأ الزوج الآخر، تمهيدًا لإنهاء العلاقة الزوجيّة، يجعل من قواعد الإثبات بينهما قواعد حرّة، بما يُجيز الاستناد إلى القرص المدمج المرفق في اللائحة. وقد ورد في القرار التعليل التالي:

 

"وحيث إنَّه لا يرد على ذلك، بأنَّ القرص المدمج لا يُشكِّل وسيلة إثبات عملًا بالمادة 160 أ.م.م. التي نصّت أنَّه لا يعتدّ في المواد المدنيّة بالرسائل السريّة التي تقدّم إلى المحكمة بغير اتفاق المرسل والمرسل إليه لأنَّ قواعد الإثبات بين الزوجين هي قواعد حرّة انطلاقًا من حق كل زوج بوضع حدّ للعلاقة الزوجيّة بإثبات خطأ الزوج الآخر الذي من المفترض به، أن يتوقّع إثبات الخطأ بوجهه عن طريق كشف المراسلات النصيّة أو الصوتيّة خلال المحاكمة بين الزوجين".

 

 

يتميَّز تعليل الغرفة الثانية لدى محكمة الدرجة الأولى عن كلّ من الاجتهادين الأوروبي والفرنسي في نقطتين أساسيَّتين. فمن جهة، أطلق حريّة الإثبات، إذ لم يفرض أي قيد أو شرط للاحتجاج بوسائل الإثبات، ولكن، من جهة أخرى، أنَّ هذا الاستنتاج ينبغي التعامل معه بشيء من التحفُّظ، ذلك أنَّ الحكم انصبّ على حالة خاصَّة تتمثّل في العلاقة بين الزوجين. وتاليًا، لا يفهم من القرار أنَّه قصد بذلك وضع مبدأ عام بحريّة وسائل الإثبات وتبعًا، مبدأ عام بقبول وسائل الإثبات السريَّة!! غير أنَّ ما ينبغي التأكيد عليه هو أنَّ الخطأ يُشكّل واقعة ماديّة، ما يُجيز إثباته بكافَّة وسائل الإثبات، تأسيسًا على طبيعته الواقعيَّة، لا على الوصف أو التكييف القانوني الذي يضفي عليه صفة الخطأ.

 

 

26/6/2026

 

د. فـــادي نمُّـــــور

 

 

 

[1]   وهو مصدر واسع جدًّا، لكنّه يعطي، في الغالب، حلولًا غير شاملة بل مخصوصة بحالات مُعيّنة.

[2]   ولكن، إذا كان الاجتهاد قد أخذ بها فإنّ ذلك، فقط، في الحالات التي تكون فيها حقوق الدفاع محترمة، وحتى إنَّه في الحالات التي أخذ بها لم يساوِ بينها وبين الاعتراف، بل ارتكز عليها، فقط، كقرينة، أو إشارة لا تُشكّل دليلًا، إلَّا إذا عزّزت بأدلّة أخرى، يُراجع أدناه الرقم 14 وما يليه ؛ يُراجع: فادي نمُّور، قانون الأصول الجزائيَّة، المنشورات الحقوقيَّة صادر 2025، ص 329، رقم 38-01، وص 402، رقم 41-130.

[3] Cass. crim. 15 juin 1993, Bull. Crim. n° 210 ; D. 1994, 613 note C. MASCALA ; Crim. 11 juin 2022, Bull. crim. n° 131 ; D. 2003, 1309 note L. ; J. et L. BORÉ, La cassation en matière pénale, Dalloz-Action 2018-2019, 4e éd., p. 186, n° 71.22.

[4] J. L. BORÉ, L. BORÉ, La cassation en matière pénale, Dalloz - Action 2018-2019, p. 186, n° 71.22: Pièces produites par une partie privée. Au terme d’une jurisprudence selon nous critiquable, la Chambre criminelle considère que les pièces et documents produits par les parties privées ne sont pas des actes de la procédure et échappent donc à tout contrôle de légalité. Il importe seulement qu’ils puissent être contradictoirement débattus. C’est confondre le principe de légalité et celui du respect du contradictoire. Or, selon nous, la convic­tion du juge ne saurait se fonder sur un acte illicite. Rien ne justifie que le principe de loyauté de la preuve ne s’applique pas aussi bien aux parties pri­vées qu’au juge ou au policier. À partir du moment où un document est versé dans le dossier d’instruc­tion, il devient un acte de cette procédure car le juge pourra l’invoquer à l’appui de la décision qu’il ren­dra. Il doit donc, comme les autres actes de la pro­cédure, être soumis à un contrôle de légalité. Les parties ont en effet le droit d’avoir accès à un juge de pleine juridiction compétent pour apprécier la régularité de l’ensemble des pièces et actes de nature à influer sur sa décision.

[5] Cass. crim. 31 janvier 2012, pourvoi n° 11-85.464.

[6]    يُراجع: قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة الفرنسـي، المادة 427 الفقرة الأولى منها:

« Hors le cas où la loi en dispose autrement, les infractions peuvent être établies par tout mode de preuve...».

 

[7]   Cass. Com. 7 mars 2012, pourvoi n° 11-88.118.

[8]   Dans le même sens: Cass. crim. 31 janvier 2012, pourvoi n° 11-85.464.

[9]   Cass. crim. 11 juin 2002, pourvoi n° 01-85.559, Bull. crim. 2002, n° 131.

[10] Ass. plén. 10 nov. 2017, pourvoi n° 17-82.028, Bull. crim. 2017, Ass. plén. n° 2:

« Mais attendu que l’arrêt retient qu’il apparaît légitime, de la part d’une victime ayant déposé plainte pour chantage et extorsion de fonds, d’informer les enquêteurs de l’avancement des démarches de ceux auxquels elle prête des agissements répréhensibles; que les services de police et les magistrats, saisis d’une telle plainte, se devaient d’intervenir pour organiser les surveillances de nature à confirmer ou infirmer les dires du plaignant et, si nécessaire, interpeller les auteurs; qu’on ne saurait déduire de l’existence d’une présence policière aux abords de l’hôtel où ont eu lieu les rencontres, un accord préalable et concerté des enquêteurs avec M. I. sur les enregistrements clandestins effectués; qu’au demeurant, lors de ces surveillances, les policiers se trouvaient à l’extérieur de l’établissement et n’étaient pas à même de constater les manœuvres de M. I... tendant aux enregistrements clandestins avec son téléphone portable; que, certes, M. I... a adressé ses enregistrements aux policiers dans un délai très bref après chaque rencontre, mais que ce simple constat est dépourvu de toute portée quant au rôle actif susceptible d’être prêté aux enquêteurs par les mis en examen; qu’il en va de même la transcription par les policiers des deux enregistrements puisque cette tâche a été accomplie après les deux rendez-vous litigieux et ne saurait être retenue à faute; que M. I..., qui, selon la partie civile, a mis à profit les suspensions de négociations intervenues lors de la très longue rencontre du 27 août 2015 pour se faire apporter les sommes d’argent nécessaires, pouvait, de manière tout à fait légitime, en profiter pour informer les enquêteurs de l’avancement des pourparlers; qu’en conséquence, la preuve n’est pas rapportée de l’existence - une collusion entre M. I… et les services enquêteurs tendant à faire prendre en charge par le premier les enregistrements litigieux; que, si les policiers pouvaient raisonnablement se douter et l’enregistrement de la troisième rencontre par M. I... compte tenu de la connaissance qu’ils avaient de son enregistrement clandestin du deuxième rendez-vous, rien ne permet d’affirmer qu’ils avaient connaissance de cette intention dès la deuxième rencontre; que le concept de "participation", même indirecte, suppose l’accomplissement, par les enquêteurs d’un acte positif, si modeste soit-il; que le seul reproche d’un "laisser faire" des policiers, dont le rôle n’a été que passif, ne peut suffire à caractériser un acte constitutif d’une véritable implication;

Que la chambre de l’instruction a pu en déduire l’absence de participation directe ou indirecte de l’autorité publique à l’obtention des enregistrements litigieux, ce dont il résultait que le principe de la loyauté de la preuve n’avait pas été méconnu; que le moyen n’est pas fondé;… ».

[11] Crim. 16 janvier 1990, pourvoi n° 89-83.075 ; Crim. 12 avr. 2023, n° 22-83.581: « Pour dire que M. [K], qui, en qualité de délégué syndical, a assisté M. [X] lors de son entretien préalable au licenciement avec M. [O] et a enregistré la conversation à l’insu de ce dernier, n’a pas commis de faute, l’arrêt attaqué énonce que l’entretien entre dans le cadre de la seule activité professionnelle du plaignant. / 7. Les juges concluent que son enregistrement n’est, dès lors, pas de nature à porter atteinte à l’intimité de sa vie privée, quand bien même les propos enregistrés qui l’incriminent auraient été tenus dans un lieu privé » ; JA 2024, n° 692, p. 40, étude J.-F. PAULIN et M. JULIEN ; RSC 2023. 567, obs. E. DREYER ; dans le même sens, Nîmes, 7 oct. 2025, n° 24/01743, JS 2026, n° 270, p. 8, obs. F. LAGARDE.

[12] محكمة الدرجة الأولى في بيروت، الغرفة الثالثة (منصور)، قرار رقم 98 تاريخ 31/8/1993، مجلة العدل 1993، الجزء الثاني، ص 507.

[13] Ass. plén. 7 janvier 2011, pourvoi n° 09-14.316, Bull. 2011, Ass. Plén., n° 1 ; 2e Civ., 9 janvier 2014, pourvoi n° 12-17.875 ; 2e Civ., 26 septembre 2013, pourvoi n° 12-23.387 ; Com., 10 novembre 2021, pourvoi n° 20-14.669 ; Com., 10 novembre 2021, pourvoi n° 20-14.670 ; Soc., 18 mars 2008, pourvoi n° 06-40.852, Bull. 2008, V, n° 65 ; Soc., 4 juillet 2012, pourvoi n° 11-30.266, Bull. 2012, V, n° 208.

[14]   CEDH, Cour (Deuxième section), affaire L.L.c. FRANCE, 10 octobre 2006, n° 7508/02.

[15]   CEDH, Cour (Deuxième section), N.N. et T.A. c. Belgique, 13 mai 2008, n° 65097/01.

[16] Cour Européenne des droits de l’Homme, Thème clé Article 6 § 1 (Volet pénal) Administration de la preuve (obtenue de manière illégale, mise à jour 28/02/2026, disponible sur le site de la Cour.

[17]   Com., 15 mai 2007, pourvoi n° 06-10.606, Bull. 2007, IV, n° 130 ; 1re Civ., 5 avril 2012, pourvoi n° 11-14.177, Bull. 2012, I, n° 85 ; Soc., 9 novembre 2016, pourvoi n° 15-10.203, Bull. 2016, V, n° 209 ; Soc., 30 septembre 2020, n° 19-12.058, Bull. ; Soc., 25 novembre 2020, n° 17-19.523, Bull. ; Soc. 8 mars 2023, pourvoi n° 21-17.802, Bull.

[18]   Civ., Soc., 8 mars 2023, pourvoi n° 21-20.798, JA 2024, n° 692, p. 40 étude J.-F. PAULIN et M. JULIEN.

[19] Dans le même sens: Soc. 8 mars 2023, n° 21-17.802, D. 2023, 505 ; Ibid. 1443, obs. S. VERNAC et Y. FERKANE, RTD civ. 2023, 439, obs. J. KLEIN ; Soc. 17 janv. 2024, pourvoi n° 22-17.474.

[20] Cass., ass. plén., 22 décembre 2023, n° 20-20.648, D. 2024.291, note G. LARDEUX ; Ibid. 275, obs. R. BOFFA et M. MEKKI ; Ibid. 296, note T. PASQUIER ; Ibid. 570, obs. J.-D. BRETZNER et A. AYNÈS ; Ibid. 613, obs. N. FRICERO ; Ibid. 1636, obs. S. VERNAC et Y. FERKANE ; JA 2024, n° 697, o, 39, étude F. MANANGA ; AJ fam. 2024.8, obs. F. EUDIER ; AJ pénal 2024.40, chron. ; AJCT 2024. 315, obs. A. BALOSSI ; Dr. soc. 2024. 293, obs. C. RADÉ ; Légipresse 2024. 11 et les obs. ; Ibid. 62, obs. G. LOISEAU ; RCJPP 2024, n° 01, p. 20, obs. M.-P. MOURRE-SCHREIBER ; Ibid. n° 6, p. 36, chron. S. Pierre MAURICE ; RTD civ.  2024. 186, obs. J. KLEIN ; JS LAMY 2024, n° 577, note H. NASOM-TISSANDIER.

[21] Cette solution trouve désormais application en droit de la famille: Cass. civ. 4 mars 2026 pourvoi n° 24-12.114 et en droit du travail: Cass. Civ. 1 avril 2026, pourvoi n° 24-19.193: « 14. Il en résulte des articles 6 et 8 de la Convention de sauvegarde des droits de l’homme et des libertés fondamentales, 9 du code civil et 9 du code de procédure civile, que l’illicéité ou la déloyauté dans lobtention ou la production d’un moyen de preuve ne conduit pas nécessairement à l’écarter des débats. Le juge doit, lorsque cela lui est demandé, apprécier si une telle preuve porte une atteinte au caractère équitable de la procédure dans son ensemble, en mettant en balance le droit à la preuve et les droits antinomiques en présence, le droit à la preuve pouvant justifier la production d’éléments portant atteinte à d’autres droits à condition que cette production soit indispensable à son exercice et que l’atteinte soit strictement proportionnée au but poursuivi ».

[22] محكمة الدرجة الأولى، الغرفة الثانية (صالح)، قرار رقم 126/2024، تاريخ 3/10/2024، منشور في كساندر، النسخة الإلكترونيّة، تحت عبارة زنا، رقم 28.

PDFالملف المرفقملف PDF · 6.4 م.بتحميل ↓