القواعد القانونية العامة الناهضة من قرار ديوان المحاسبة الصادر في 17/10/2025 بخصوص التجاوزات والمخالفات المنسوبة الى بعض الوزراء بموضوع مبنى قصابيان
بقلم عبده جميل غصوب *
أثيرت مؤخراً قضية التجاوزات والمخالفات المنسوبة الى بعض وزراء الاتصالات بموضوع مبنى قصابيان، لن نتطرق في هذه الدراسة الى اساس النزاع ، بل سيقتصر بحثنا على القواعد القانونية العامة التي كرسها ديوان المحاسبة وهي كالتالي:
أ ـ القاعدة العامة الاولى: الاختصاص العفوي لديوان المحاسبة
إعتبر مدعي عام ديوان المحاسبة في مطالعته رقم الصادر 12 تاريخ 16/3/2025 انه لا يمكن مباشرة ملاحقة الموظفين قضائيا في الديوان الا بادعاء من النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة، ما عدا حالات استثنائية لم يعددها.
هذا الموقف يستوجب ابداء ملاحظتين:
الملاحظة الاولى: مخالفة المدعي العام لدى ديوان المحاسبة لطبيعة اختصاصه
ان المدعي العام لدى ديوان المحاسبة خالف جوهر اختصاصه، لا بل سلك طريقا معاكسا لطبيعة اختصاصه فبدلا من ان يكون طرفا مدعيا بالدعوى، تحرك كأنه طرفا مدافعا عن الوزراء الملاحقين، فكان لا بد من تسجيل هذه الملاحظة، داعين القضاة الى التقيّد بدورهم القضائي وعدم الانحياز بأي اتجاه مخالف.
الملاحظة الثانية: صراحة المادة 68 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة
اعتبر المدعي العام لدى ديوان المحاسبة في مطالعته ( رقم الصادر 12 تاريخ 16/3/2025 ) انه لا يمكن مباشرة ملاحقة الموظفين قضائيا في الديوان الا بادعاء من النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة ، ما عدا حالات استثنائية لم يعددها.
بقراءة المادة 68 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة نجد انه لا يوجد اي اساس قانوني لما ورد في السبب المدلى به من المدعي العام لدى ديوان المحاسبة، اذ نصّت المادة 68 حرفيا عن ما يلي:
" ينظر الديوان في المخالفة عفواً او بناء على طلب المدعي العام لديه".
هذا يعني بان المادة 68 تولي ديوان المحاسبة النظر في المخالفة بحالتين :
ـ اما عفواً.
ـ واما بناء على طلب المدعي العام لديه.
فيكون ما ادلت به النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة لهذه الناحية مخالفاً لصريح المادة 68 المشار اليها اعلاه، التي أولت الديوان صلاحية التحقيق والملاحقة والحكم بالمخالفات الواقعة ضمن اختصاصه، عفواً.
فيكون المدعي العام لدى ديوان المحاسبة اخطأ مرتين في موقفه : مرة عندما خالف طبيعة اختصاصه ومرة أخرى عندما خالف قواعد تفسير النصوص القانونية التي لا تبيح الاجتهاد في مسار النص الواضح.
ب ـ القاعدة العامة الثانية: صحة اختصاص ديوان المحاسبة بارغم من المادة 70 من الدستور
أثار بعض الوزراء الملاحقين ان القرار المؤقت ( 11/ ر. ق / غ 2 / مؤقت ) تاريخ 4/5/2023، خالف المادة 70 من الدستور على اعتبار ان النص الدستوري الاسمى من نص قانون تنظيم ديوان المحاسبة ، قد كرّس الصلاحية الحصرية لمحاكمة الوزراء امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء من خلال مجلس النواب عندما يتعلق الفعل المرتكب مباشرة بواجبات الوزير الوظيفية كما هي الحال في القضية الراهنة، وان استعمال المجلس لصلاحيته تحجب اي صلاحية أخرى ومن بينها صلاحية ديوان المحاسبة؛ واكثر من ذلك أثار احد الوزراء الملاحقين انه لا يجوز اخضاع الوزير الى الاحكام التي ترعى اوضاع موظفي الادارات العامة والعاملين في المؤسسات العامة.
كرّس ديوان المحاسبة القاعدة العامة التالية:
نصّت المادة 59 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة في فقرتها الاولى عن ما يلي: " تشمل الرقابة على الموظفين اعمال كل من يقوم بادارة او استعمال الاموال العمومية والاموال المودعة في الخزينة وكل من يقوم بعمليات القبض والدفع لحساب الخزينة او لصالحها او بمسك حساباتها وكذلك كل من يتدخل في ادارة الاموال المذكورة وفي القيام بالعمليات السالفة الذكر، دون ان تكون له الصفة القانونية او يساهم في الاعمال التحضيرية لها او مراقبتها او بالتصديق عليها ".
هذا يعني ان رقابة الديوان تشمل كل من يقوم بادارة او استعمال الاموال العمومية او حتى من يتدخل في ادارة الاموال كأن يساهم في الاعمال التحضيرية لها او يراقبها او يصادق عليها، من دون استثناء احد، بمن في ذلك الوزير.
ان ما يؤكد صحة اختصاص ديوان المحاسبة بالرغم من المادة 70 من الدستور هو الاتي:
1 ـ ان المادة 59 تظهر نيّة المشترع الواضحة بتوسيع رقابة ديوان المحاسبة الى حدّها الاقصى، دون اي استثناء، ورغبته في شمول هذه الرقابة كافة الحالات بما فيها حالات الاشخاص من غير الموظفين الذين لا تكون لهم صفة قانونية. وفي القضية الراهنة كان الوزير الذي ادلى بعدم اختصاص الديوان، قد اشترك مباشرة او عبر لجنة اشراف المالك في الاعمال التحضيرية وفي طلب تعديل الشروط التعاقدية وفي الموافقة على ابرام العقد بالاضافة الى الملحق التعديلي؛ فتكون ملاحقة الوزير بالمخالفات المرتكبة منه داخلة مباشرة في اختصاص ديوان المحاسبة.
2 ـ ان ما يعزز هذا التوجه هو ان المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يختص بملاحقة الرؤساء والوزراء جزائيا عند ارتكابهم الخيانة العظمى واخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم، ولا تدخل بالتالي ضمن صلاحياته الملاحقة الادارية المالية الناجمة عن المخالفات التي ينظر فيها ديوان المحاسبة ضمن اختصاص الديوان، بصفته محكمة ادارية تتولى القضاء المالي.
3 ـ ان ما يعزز هذا التوجه ايضا هو ما نصّت عنه المادة الثانية من القانون رقم 13/1990 ( اصول المحاكمات امام المجلس الاعلى المنصوص عنه في المادة 80 من الدستور ) والتي جـــاء فيها انه
" تسمي محكمة التمييز بجميع غرفها، بعد نشر هذا القانون، القضاة العدليين الثمانية، المنصوص عنهم في المادة 80 من الدستور، الاعلى رتبة حسب درجات التسلسل القضائي بمن فيهم الرئيس، وتسمي ثلاثة قضاة عدليين اعضاء احتياطيين وفقا للاصول والشروط ذاتها ...".
فقد نصّت هذه المادة صراحة على عضوية القضاة العدليين ، حصراً في المجلس الاعلى، دون غيرهم من القضاة الاداريين المنتسبين الى مجلس شورى الدولة او الماليين المنتسبين الى ديوان المحاسبة. وهذا ما يفسّر نية المشترع بفصل عمل القضاء الاداري، لا سيما عمل ديوان المحاسبة وصلاحياته والاحكام القانونية المتعلقة، عن عمل المجلس الاعلى وصلاحياته.
ولو لم تكن نيّة المشترع كذلك، لكان عدّل احكام قانوني المحاسبة العمومية وتنظيم ديوان المحاسبة عند اقرار القانون رقم 13/1990، نظرا لصدوره بتاريخ لاحق.
4 ـ حجّة أخرى تضاف الى سائر الحجج اعلاه، وهي متمثلة في نص المادة 64 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة ، التي جاء فيها انه " على الديوان ان يحيط مجلس النواب علما بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزراء " ، ما يؤكد توجه المشترع بفصل عمل ديوان المحاسبة عن عمل المجلس الاعلى بحيث يقوم الديوان بعد ملاحقة الوزراء المخالفين، عند الاقتضاء باعلام مجلس النواب بالمخالفات المرتكبة من قبل الوزراء كتدبير اضافي، تمهيدا لمساءلتهم سياسيا ( لناحية استجوابهم او سحب الثقة منهم مثلا ) وجزائيا امام المجلس الاعلى، اذ لزم الامر وفق ما يراه مناسباً .
5 ـ ان ما يعزز هذا التوجه ايضا هو ان مجلس القضايا لدى مجلس شورى الدولة قد أكّد على التوجه الذي اعتمده ديوان المحاسبة في ملاحقة الوزراء واصدار قرارات بحقهم ضمن اختصاصه ومن دون ان تشكّل المادة 70 من الدستور حائلا دون ذلك .
6 ـ ان أياً من النصوص القانونية لم تتضمن اي استثناء يعفي الوزير من المساءلة امام ديوان المحاسبة ، بل على العكس فقد نصّت رقابة الديوان على الوزير في كافة مهامه بادارة واستعمال الاموال العمومية وكمرجع عقد النفقة في الصفقات العمومية ...، وجعلت منه مسؤولا شخصياً على امواله الخاصة في حال عقد نفقة تتجاوز الاعتمادات المفتوحة لوزارته وأحلّت مسؤوليته محل مسؤولية الموظف التابع له متى نتجت المخالفة عن تنفيذ أمره ...".
7 ـ ان القول بعدم صلاحيته ديوان المحاسبة ـ وهو المحكمة الادارية المالية التي يشمل اختصاصها محاكمة اي مسؤول عن مخالفة القوانين المتعلقة بالاموال العمومية في كافة الادارات العامة ـ بمساءلة الوزير، ضمن الحدود والحالات المنصوص عنها في القوانين عن الاخطاء والمخالفات التي ارتكبها يؤول الى تعطيل النصوص الخاصة المتعلقة بادارة واستعمال الاموال العمومية اي قانوني المحاسبة العمومية وتنظيم ديوان المحاسبة، وبالتالي فان حفظ ديوان المحاسبة اختصاصه بمحاكمة الوزير عن الاخطاء والمخالفات التي يرتكبها، ضمن الحدود المنصوص عنها في القوانين المرعية الاجراء، يكون واقعا موقعه القانوني الصحيح.
8 ـ هذه هي الاسباب التي اعتمدها ديوان المحاسبة لحفظ اختصاصه لمحاسبة ومساءلة الوزراء عن الاخطاء والمخالفات المالية التي قد يرتكبونها، ضمن الحدود المنصوص عنها في القوانين ذات الصلة، لا سيما قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
ج ـ القاعدة العامة الثالثة: معايير توصيف الاموال المبذولة بالاموال العمومية
أثار احد الوزراء الملاحقين في مذكرته المرسلة الى ديوان المحاسبة ان شركتي MIC1 S.A.L و MIC2 S.A.L تعملان كشركات خاصة وتخضعان لقانون التجارة وان جميع اموالهما هي اموال خاصة، لا تحمل الصفة العمومية وان عقود الائتمان مع المصارف استبقت نقل ملكية الذمة الائتمانية من الدولة الى المصارف مؤقتا ما يجرّد هذه الاموال من الصفة العمومية، كما اضاف ان شركتي الاتصالات كانتا تحوّلان الايرادات الى وزارة الاتصالات وليس الى الخزينة العامة.
حدد ديوان المحاسبة المعايير الواجب اعتمادها لتوصيف الاموال العمومية، انطلاقا من: اختصاص الديوان والجهات الخاضعة لرقابة وتعريف الاموال العمومية ( اولا ) ثم انطلق الى تطبيق المعايير على وقائع النزاع ( ثانيا ) ليخلص الى ان الاموال الملاحق بشأنها هي اموال عمومية.
اولا: المعايير
1 ـ اختصاص الديوان
نصّت المادة الاولى من قانون تنظيم الديوان ان " ديوان المحاسبة محكمة ادارية تتولى القضاء المالي، مهمتها السهر على الاموال العمومية والاموال المودعة في الخزينة ...".
كما اناطت به المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، فرض عقوبات على كل موظف يقوم باكساب الاشخاص الذين يتعاقدون مع الادارة ربحا غير مشروع ، او اذا ارتكب خطأ او تقصيرا او اهمالا من شأنه ايقاع ضرر مادي بالاموال العمومية او بالاموال المودعة بالخزينة، فان اختصاص ديوان المحاسبة في مراقبة الصفقة المبرمة واتخاذ قرارات بحق كل موظف يقوم باي من المخالفات الملاحق بها الوزراء المعنيين بالقضية الراهنة، يكون ثابتا.
2 ـ الجهات الخاضعة لرقابة الديوان
حددت المادة الثانية من قانون تنظيم ديوان المحاسبة الجهات الخاضعة لرقابة الديوان ومن بينها ادارت الدولة والمؤسسات التابعة لها والشركات التي للدولة علاقة مالية بها عن طريق المساهمة او التسليف او المساعدة.
3 ـ تعريف الاموال العمومية
عرفّت المادة الثانية من قانون المحاسبة العمومية الاموال العمومية بانها " اموال الدولة، والبلديات والمؤسسات العامة التابعة للدولة او البلديات ، واموال سائر الاشخاص المعنويين ذوي الصفة العمومية ".
ثانيا: تطبيق المعايير على وقائع النزاع
بتاريخ 1/6/2002 صدر القانون رقم 393 / 2002 الذي أجاز للحكومة منح رخصتين لتقديم خدمات الهاتف الخلوي آنذاك، وقد نص في مادته الثالثة انه اذا لم تنجح المزايدة ( للحصول على رخصة تقديم خدمات الخلوي ) لاي سبب كان " تصبح ايرادات شبكتي الخلوي لصالح الدولة ابتداء من 31/8/2002 ". وان المزايدة المذكورة لتقديم خدمات الهاتف الخلوي المحلي بتقنياته المختلفة والمتطورة لم تحصل، بل ان الدولة لجأت الى تأسيس شركتي اتصالات مملوكتين منها بالكامل وتداران من وزارة الاتصالات او من شركة مشغّلة. ثم ابرمت الدولة ممثلة بوزارة الاتصالات مع مصرفين مختلفين عقدي ائتمان على الاسهم المملوكة منها في شركتي الاتصالات . وقد ابرمت هذا العقد بما يتصل باسهم شركة ميك 2 مع بنك عوده ش.م.ل.
وقد تاكد لاحقا الدور المركزي للدولة ممثلة بوزارة الاتصالات في ادارة الشركتين المملوكتين فعليا من الدولة كما توصيف اموالهما على انها اموال عامة، في عقد الادارة المبرم بين الدولة والشركة المشغلة MTC لشركة ميك 2 ش.م.ل، الموقع في 31/1/2012، ااي قبل بدء المفاوضات وتوقيع العقود العائدة لاستئجار مبنى قصابيان . وقد نص هذا العقد صراحة في مادته الاولى عن ان مجموع الايرادات الصافي هو مجموع الايرادات يخصم منه النفقات التشغيلية والاستثمارية التي تبذلها الشركة، كما نص صراحة في مادته الثامنة ان الشركة المشغلة ملزمة ان تقوم بتحويل مجموع الايرادات الصافية الى الجمهورية اللبنانية في اليوم الخامس عشر من كل شهر وفي اليوم الاخير منه اي مرتين شهريا، على ان تدفع هذه الدفعات بموجب شيكات مسحوبة على مصرف لبنان لمصلحة المديرية العامة للاستثمار والصيانة لدى وزارة الاتصالات، ما يؤكد بان الاموال تحول للخزينة العامة وليس لوزارة الاتصالات، وهي تالياً اموالا عامة؛ علما بان تحويلها الى وزارة الاتصالات لا يحول دون توصيفها بالاموال العمومية.
وبتاريخ 31/11/2020 استعادت وزارة الاتصالات ادارة الشركة فعليا، بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 5/5/2020. وقد تضمن قانون الموازنة لسنة 2020 في المادة 36 منه الزام " الشركات المشغلة لقطاع الخلوي بتحويل الايرادات الناتجة عن خدمات الاتصالات الخلوية المحصلة الى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان يومي الاثنين والخميس من كل اسبوع، على ان تحدد آلية دفع المبالغ التي تتوجب على الخزينة لصالح تلك الشركات من بدل ادارة ونفقات واعباء ومشتريات وخلافه، تتحملها الشركات في مجال عملها، بموجب قرار يصدر عن مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزيري المالية والاتصالات ".
وقد تم لاحقا تعديل المادة 36 بموجب القانون النافذ حكما رقم 9/2022، المنشور بتاريخ 17/1/2022، والذي الزم ايضاً شركتي الخلوي وبشكل شهري تحويل صافي الايرادات الى حساب الخزينة لدى مصرف لبنان عن الشهر الذي سبق بعد حسم كافة النفقات، على ان تكون ملحوظة في بنود الموازنة السنوية لكل منهما وموافق عليها من قبل وزيري الاتصالات والمالية، ومرفقة مع كشف تفصيلي يظهر الايرادات المحصلة والنفقات المسددة وغير المسددة خلال هذا الشهر. وقد نصّت المادة المعدلة صراحة ان المصاريف الرأسمالية تخضع لموافقة مجلس الوزراء.
انطلاقا من كل هذه الوقائع مجتمعة، خلص ديوان المحاسبة الى " انه يستشف من كل ما تقدم ان الشركة تعود ملكيتها الفعلية وادارتها المباشرة للدولة وان الاموال العائدة لها هي اموال عامة بموجب القانون رقم 393/2002 ".
د ـ القاعدة العامة الرابعة: احترام الاجراءات الملزمة لديوان المحاسبة
أثار أحد الوزراء الملاحقين امام الديوان ان القرار القضائي المؤقت ( رقم 5/ ر.ق / مؤقت تاريخ 18/3/2025 ) خالف مبدأ الوجاهية وانتقص من حقوقه في الدفاع على اعتبار ان المواد 68 وما يليها من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، فرضت اجراء تحقيق مسبق قبل اصدار الديوان لقراره المؤقت الذي حدد القانون اصوله وسمّى من يتولونه. فقد ورد في المذكرة ان القرار المؤقت تجاوز الاجراءات وجاء خاليا من الاشارة الى القيام بها ولم يرفق بذكر ما اذا كان قد وردت مطالعة من المدعي العام كما هو مفروض بموجب المادة 70 من تنظيم الديوان، كما انه لم يتم الاستماع الى الوزراء الملاحقين واستلام ما لديهم من ادلة ومستندات، ما يمس بحق الدفاع المكرّس قانونا واجتهادا، خصوصا نظرا لما ورد في المادة 10 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
لقد اعتبر بعض الوزراء الملاحقين ان عدم سماعهم من قبل المدعي العام او المستشار قبل صدور القرار كاجراء الزامي، يشكّل انتهاكا لحقهم في الدفاع ومخالفة لمبدأ الوجاهية والمساواة.
هنا ايضا كرّس ديوان المحاسبة مبدأ احترام الاجراءات الملزمة لديوان المحاسبة (اولا ) ، ثم انتقل الى اسقاط هذا المبدأ على الوقائع (ثانيا).
اولا: تكريس مبدأ احترام الاجراءات الملزمة لديوان المحاسبة
هذا المبدأ مكرّس في المواد 68 و69 و70 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
نصّت المادة 68 عن ما يلي:
" 1 ـ ينظر الديوان في المخالفة عفوا او بناء على طلب المدعي العام لديه. للمدعي العام، لهذه الغاية ان يجري التحقيق حول القضية او ان يتوسع في التحقيق الجاري في شأنها وله ان يستمع الى الموظفين والشهود وان يطلب الى الادارة او الهيئة المختصة ايداعه المستندات والايضاحات والمعلومات التي يحتاج اليها. وفي حال الاثارة العفوية تتبع الاصول المبيّنة اعلاه على ان يتولى القاضي المختص مهمة المدعي العام المبيّنة فيها.
2 ـ يحيل رئيس الغرفة المعاملة على المستشار المختص، للمستشار ان يطلب الى الادارة المختصة الايضاحات والمعلومات الخطيّة التي يحتاج اليها، وان يستجوب الموظف المنسوبة اليه المخالفة وان يستمع الى الشهود، وان يقترح على الهيئة تعيين الخبراء ...".
ونصّت المادتان 69 و70 عن ما يلي:
المادة 69:
" يضع المستشار بنتيجة التحقيق تقريرا يتضمن ملخص القضية مع ابداء رأيه في شأنها".
المادة 70:
" تحال على المدعي العام، مع اوراق الثبوت، تقارير المستشارين التي يطلب بها اعادة النظر، او تعيين الصلاحية، او إشغال الذمة او ابراء الذمة او فرض الغرامة. اما سائر التقارير فتحال عليه اذا طلبها او اذا قرر الرئيس او الهيئة المختصة ذلك. يعيد المدعي العام هذه التقارير مشفوعة بمطالعته الخطيّة وذلك خلال مهلة اقصاها عشرة ايام ".
ثانيا: اسقاط المبدأ على وقائع القضية
1 ـ في التقيّد باحكام المادة 68
يتبيّن من الوقائع ان الاجراءات الملزمة لديوان المحاسبة قد تمّ احترامها. فقد نظرت الغرفة مصدرة القرار المؤقت بالقضية عفوا، وان القاضي المختص فيها أدّى تاليا مهمة المدعي العام، كما ان هذا الاخير يكون غير ملزم بالاستماع الى الموظفين والشهود وطلب الادلة قبل اصدار القرار المؤقت كما ورد في الفقرة 2 من هذه المادة، بحيث ان هذه الفقرة تركت للغرفة او المستشار الناظر في القضية حرّية الاستجواب او طلب المعلومات ، من دون ان يفرض ذلك كإجراء جوهري، ما يستبعد الزام الديوان بهذا الموجب الذي يبقى اختيارياً.
2 ـ في التقيّد باحكام المادتين 69 و70
وضع ديوان المحاسبة التقرير رقم 3/2023 بتاريخ 28/3/2023.
ان التقرير الذي وضع ضمن اطار الرقابة اللاحقة قد ابلغ الى النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة بموجب الفقرة الثالثة من القرارات التي خرج بها التقرير.
ولا يوجب قانون تنظيم ديوان المحاسبة على الديوان الاستماع الى الموظف او الى الشهود، الا اذا رأى حاجة الى ذلك.
فلا يمكن الادلاء بانتهاك حق الدفاع والوجاهية لكون احد الوزراء الملاحقين المتذرع بذلك، قد سبق له ومارس حقّه بالدفاع على اكمل وجه بموجب مذكرته رداً على القرار المؤقت تماما، كما نصّت عنه المادة 71 من قانون تنظيم الديوان، فيكون قد منح وقتا كافيا ليرد ردا وافيا على جميع ما ورد في التقرير الخاص وفي القرار المؤقت ، اي انه تم احترام الحقوق المحفوظة قانونا واجتهادا للوزير المدعي بعدم احترامها.
ولا يصح القول ان القرار المؤقت قد فصل في القضية، لان الوزير المعترض قد منح بموجبه فرصة توضيح الافعال المنسوبة اليه والتي يمكن البناء عليها لترتيب المسؤولية عليه من عدمها ؛ فيكون ما أدلى به مردوداً.
هـ ـ القاعدة العامة الخامسة: عدم تلازم الملاحقة امام ديوان المحاسبة وتلك العالقة امام مجلس النواب
قبل التطرق للقاعدة العامة، سنعرض لادلاءات احد الوزراء الملاحقين.
1 ـ ادلاءات احد الوزراء الملاحقين
أدلى أحد الوزراء الملاحقين ان مجلس النواب يدرس بالتزامن مع اجراءات ديوان المحاسبة طلب اتهام بحقه في القضية عينها ولم يبت به بعد، مذكرا بحظر المادة 182 من قانون العقوبات لملاحقة الفعل اكثر من مرة واحدة بناء على مبدأ عدم ازدواجية العقوبة المتعلق بالنظام العام مطالبا برفع يد ديوان المحاسبة عن القضية ووقف الملاحقة لهذا السبب على خلفية تلازم الملاحقة مع تلك العالقة امام مجلس النواب.
2 ـ قاعدة عدم التلازم بين الملاحقتين: امام المجلس النيابي وامام ديوان المحاسبة
تختلف الملاحقة القضائية امام ديوان المحاسبة في جوهرها عن الملاحقة الجزائية أكان لجهة الغاية منها واسنادها او آلية الملاحقة او لجهة العقوبات المفروضة، ما ينفي تماما امكانية الادعاء بسبق الملاحقة او المحاكمة. وقد فرّقت المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة بشكل تام بين العقوبات التي يمكن ان يفرضها ديوان المحاسبة وبين العقوبات الجزائية، لا بل أكدت على امكانية فرض عقوبات من النوعين معا اذ نصت انه " يعاقب بالغرامة من 150.000 ليرة الى 1.500.000 ليرة كل موظف ارتكب او ساهم في ارتكاب احدى المخالفات الواردة في هذه المادة، وذلك بالاضافة الى الالزامات المدنية والعقوبات الجزائية والمسلكية التي يمكن ان تقضي بها المراجع المختصة ...".
وان قاعدة عدم ازدواجية الملاحقة هي قاعدة جزائية محصورة في اطار الملاحقة الجزائية ولا تتعداها الى ملاحقات من نوع آخر، وقد أكّد ذلك الوزير المعترض نفسه عندما أدلى بان القانون الجزائي غير مطبق في حالتنا الراهنة اذ اننا لسنا في اطار ملاحقة جزائية . وان قاعدة عدم جواز ملاحقة الفعل الجرمي مرتين المنصوص عنها في مستهل المادة 182 من قانون العقوبات، يقصد بها الملاحقة امام القضاء الجزائي وليس امام اية ادارة او هيئة رقابية، اذ ان التحقيق المجرى هنا يراد منه انزال العقوبة المسلكية بالموظف المقصّر او العابث اذا توفر السبب القانوني لذلك. وفي حال ظهور مخالفة لقانون العقوبات او قانون المحاسبة العمومية، فيحال الموظف المخالف اما الى ديوان المحاسبة او الى النيابة العامة التمييزية لاجراء الملاحقة الجزائية وايضا المالية ؛ فالفقرة الاولى من المادة 182 المذكورة تقضي بوجهتين:الاولى تحول دون امكانية الادعاء جزائيا مرة ثانية بالفعل الجرمي ذاته، الذي كان موضوع ادعاء سابق ولم يكن قد صدر حكم مبرم تبعا لهذا الادعاء السابق؛ والثانية عدم ملاحقة الفعل الجرمي ذاته مرة ثانية ولو بوصف قانوني مختلف عندما يكون صدر بشأنه حكم مبرم متمتع بقوة القضية المحكوم بها.
و ـ القاعدة العامة السادسة: ازدواجية بدء احتساب مهلة مرور الزمن عبر التمييز بين المخالفة الظاهرة والمخالفة الخفيّة
أدلى احد الوزراء الملاحقين بوجوب سقوط الملاحقة الراهنة بمرور الزمن الخماسي عملا بالمادة 65 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة. ولكن الفقرة 3 من المادة 65 المذكورة فرّقت بين حالتي: المخالفة الظاهرة والمخالفة الخفيّة، بحيث لا يبدأ احتساب مدة مرور الزمن بالنسبة للحالة الاخيرة الا من تاريخ اكتشافها. ولم يتبيّن من خلال التدقيق الداخلي، انه اتصل بعلم ديوان المحاسبة اي معلومة عن الصفقة موضوع هذا القرار ولم يصل اي مستند اليه طيلة هذه الفترة، بل ان اول اثارة لديوان المحاسبة لهذه الصفقة، قد حصلت بموجب التقرير رقم 2 / 2022 تاريخ 5/4/2022، وان ديوان المحاسبة باشر الملاحقة الراهنة فيها في العام 2023، فيكون بذلك بدء احتساب مدة مرور الزمن لم يتحقق الا عند اكتشاف الصفقة من قبل ديوان المحاسبة في العام 2022، ما ينفي سقوط الملاحقة بمرور الزمن الخماسي.
في الخلاصة، ان الهدف الاساسي من هذه الدراسة هو استخراج بعض القواعد العامة الناهضة من قرار ديوان المحاسبة تاريخ 17/10/2025 التي تحكم الاجراءات المتبعة امامه، في ظل تجربة عملية قليلة لا تتيح للممارسين تحقيق معرفة كافية في هذا المجال. ثم تدوين احترامنا وتقديرنا لعمل ديوان المحاسبة في هذه السنوات الاخيرة حيث بدأ يساهم بصورة فعّالة في اكتشاف الفساد وترتيب النتائج اللازمة على الجهات التي ارتكبته او ساهمت به، وصولا الى الوزراء الذين كانوا لفترة سابقة " محصنين" سياسياً من اي ملاحقة بخصوص الفساد المنسوب اليهم ! فهاهم اليوم ملاحقون مثلهم مثل اي موظف آخر. ثم ان هناك اهمية اخرى مضافة يجب الاشارة اليها، وهي عدم جواز " الاختباء " وراء المادة 70 من الدستور اللبناني.
في مادة تقل فيها الممارسة العملية، ما ينعكس " شحّاً " في المعرفة القانونية لدى الممارسين واهل العلم؛ فضلا عن ان ديوان المحاسبة في خلال الفترة القصيرة الماضية بدأ يسلك نهجاً اكثر فعالية في مكافحة الفساد متجاوزا الحصانة القضائية " الزائفة " للوزراء، الذين يصرون على " الاحتماء" بالمادة 70 من الدستور للتفلت من العقاب. ولكننا نستبشر خيرا بالقضاء في هذا الاتجاه، فبدأً من قضية البحصاص ، مرورا بقضية مبنى قصابيان الحاضرة، لم تعد المادة 70 من الدستور تشكل " حماية زائفة " للوزراء للافلات من العقاب، مع الامل ان يستمر هذا المسار وصولا الى قضية تفجير مرفأ بيروت ، التي رفض فيها قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار ان يجعل من المادة 70 حاجزا يمول دون ملاحقة بعض الوزراء. فهل تقرع اجراس العدالة في هذه القضية قريباً في جريمتي تفجير المرفأ واختلاس الودائع ؟ نأمل ذلك.
في 10 / 1 /2026
عبده جميل غصوب

