• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

ملاحظات حول القرار رقم 1/2026 الصادر عـن السيِّـد القاضـي حبيب رزق الله تاريخ 8/1/2026 بصفته قاضـي التحقيـق المُكلَّـف بموجب قرار الرئيس الأوَّل التمييزي رقم 45/ ص ت 2023 الناظر في ادّعاء النيابة العامَّة التمييزيَّة بوجه القاضي طارق بيطار بموجب ورقة الطلب رقم 9 / أسـاس / 2023، تاريـخ 25/1/2023

 

الدكـتــــور فـــادي نمُّــــور

 

أستــاذ فــي الحقــــوق 

محـــــامٍ

 

-1- بادئ ذي بدء، يهمّ كاتب هذه السطور أن يوضح أنّه لا تربطه أيَّة صلة، مباشرة كانت أم غير مباشرة، بأي من أطراف القرار موضوع التعليق؛ فلا هو وكيل عن أي من ضحايا انفجار مرفأ بيروت، ولا هو مدافع أو مترافع عن أي من الأطراف المعنيّة بهذا الملف. وإنّما تأتي هذه الملاحظات خدمةً للقانون، وحرصًا على النقاش العلمي الموضوعي، لا غير.

 

-2- وبصرف النظر عن وقائع القرار وأسبابه، أو عن الدوافع التي حملت هذا الفريق أو ذاك على ملاحقة قاضي التحقيق العدلي القاضي طارق بيطار، أو طلب ردّه، أو مقاضاة الدولة بشأن المسؤوليَّة الناشئة عن أعماله، فإنَّ ما يستوقفنا في هذا القرار هو التعليل الذي اعتمده القاضي حبيب رزق الله توصُّلًا إلى منع المحاكمة، ويمكن تسجيل ثلاث مآخذ عليه:

 

1. التناقض في التعليل؛

2. إغفال البتّ في مسألة العنصر المادي لجنحة كفّ اليد المُشار إليها في المادة 375 عقوبات؛

3. الخلل في تقييم العنصر المعنوي لجنحة كفّ اليد المُشار إليها في المادة 375 عقوبات.

 

أوَّلًا- التناقــض فـــي التعليــل

 

-3- بعد أن استعرض قاضي التحقيق النصوص القانونيَّة ذات الصلة، وتوقّف عند مضمون قرار الهيئة الاتهاميَّة الصادر بتاريخ 26/9/2025، انتقل "من جهة ثانية" إلى عرض موسّع لما أنكره المدعى عليه في استجوابه، ولما " اعتبـره [الـمشتبه به] بالاستـناد إلى التعليل الوارد فـي القرار الصادر بتاريخ 23/1/2023".

 

وقد ورد في القرار رقم 1/2026، ما حرفيّته:

 

"وحيث أنَّه بمعزل عن بحث صوابيَّة وقانونيَّة هذا التعليل، وحتى في حال عدم الأخذ به واعتبار أنَّ طلب الردّ المُقدَّم ضدّ المُحقّق العدلي يرفع يده عن التحقيق عملًا بأحكام المادة 125 أصول محاكمات مدنيَّة، وكذلك دعوى المخاصمة عملًا بأحكام المادة 751 من القانون عينه، ويُنْشئ حالة كفّ يدّ عن النظر في الملف المطلوب ردّه لحين البتّ بالطلب، فيبقى أنَّ التعليل الذي استند إليه المدعى عليه لمتابعة السير في التحقيق بالرغم من طلبات الردّ ودعاوى المخاصمة، ينفي أن تكون قد تكوَّنت لديه قناعة بأنَّ يده قد ارتفعت عن الملف بفعل هذه الطلبات والدعاوى، من جهة، وأن يكون قد استمرّ في التحقيق بالرغم من علمه بكفّ يده، من جهة أخرى، فإنَّ العنصر المعنوي لجنحة المادة 375 عقوبات يكون منتفيًا، كما أنَّ التعليل الذي تضمّنه قرار 23/1/2023 لجهة تمتّع المحقّق العدلي بصلاحيَّة الملاحقة العائدة للنائب العام التمييزي أمام المجلس العدلي، وبمعزل عن قانونيَّة هذا الموقف، ينفي أيضًا العنصر المعنوي لجناية اغتصاب سلطة النائب العام التمييزي".

 

-4- إنّ تفكيك هذا المنطق يُظهر أنّ القرار سلك التسلسل الآتي:

 

• عرض أسباب دفاع ومطالب المدعى عليه؛

• قرّر صراحةً بعدم البحث في صوابيَّة وقانونيَّة أسباب الدفاع والمطالب، بل وحتى بعدم الأخذ بها؛

• ثم عاد، إلى الأخذ بأسباب الدفاع، واعتمادها أساسًا لاستخلاص نتيجة قانونيَّة مفصليّة، وهي انتفاء العنصر المعنوي.

 

وبذلك، يكون القرار قد رتّب آثارًا قانونية مباشرة على أسباب ودفاع المشتبه به، صرّح مسبقًا بأنّها غير معتمدة.

 

ومن البدهيّ قانونًا ومنطقيًّا، أنّه لا يجوز الجمع بين عزل التعليل وعدم الأخذ به من جهة، والاستناد إليه لاستخلاص نتيجة حاسمة من جهة أخرى، تحت طائلة الوقوع في تناقض صريح في التعليل.

 

-5- لا يستقيم استعمال القاضي لعبارة "بمعزل" إذ إنَّ مدلولها اللغوي والقانوني يُفيد الأبعاد أو الانفصال أو المجانبة، وهو ما يقتضي صدور القرار منفصلًا عن أسباب ومطالب المدعى عليه، والحال أنَّ قاضي التحقيق قد استند إلى تلك الأسباب والطلبات. وكان بوسعه، منذ البداية، الأخذ بها صراحةً، دون زيادة أو نقصان.

 

فمهما حاول القرار الإيحاء بعدم تبنّيه لتعليل المدعى عليه، فإنّ الواقع أنّه ارتكز إليه وتبنّاه ضمنًا، الأمر الذي كان يستوجب موقفًا، واضحًا، وصريحًا، لا تعليلًا متردّدًا يفتقر إلى الانسجام الداخلي.

 

ثانيًا- إغفال البت في مسألة العنصر المادي لجنحة كفّ اليد المُشار إليها في المادة 375 عقوبات

 

-6- أوجب المشرّع على القاضي أن يُجيب صراحةً على جميع المطالب الواردة في المذكرات الخطيّة، كما على الأسباب القانونيَّة المبيّنة في متنها، وذلك على حدّ سواء، تحت طائلة بطلان القرار لقصور التعليل ().

 

يتّضح من متن القرار المطعون فيه ()، أنَّ المسألة القانونيَّة الجوهريَّة المطروحة تتمثّل في تحديد ما إذا كانت أي من حالتَيّ:

 

• طلب ردّ القاضي المنصوص عليه في المادة 125 من قانون أصول المحاكمات المدنيَّة، أو؛

• دعوى مداعاة الدولة بشأن المسؤوليَّة الناجمة عن أعمال القضاة العدليّين وفق المادة 741 من القانون عينه،

تنشئ إحداهما أو كلتاهما حالة "كفّ اليد" بالمعنى المقصود في المادة 375 من قانون العقوبات.

 

إلَّا أنَّ القرار موضوع التعليق لم يتناول مسألة توافر العنصر المادي لجنحة "كف اليد"، وهي إشكاليَّة جوهريَّة؛ وبحسب علمنا، هي تطرح أوَّل مرَّة بالنسبة إلى قاضي أمام القضاء اللبناني، ولم يقدّم قاضي التحقيق أي معالجة قانونيَّة لها، بل أغفل كليًّا بحث العنصر المادي للجنحة المنصوص عليها في المادة 375 عقوبات، وانتقل مباشرةً إلى بحث العنصر المعنوي، إذ جاء في القرار حرفيًّا:

 

"وحيث بالنسبة إلى كفّ يدّ المدعى عليه، فإن تحقّق جنحة المادة 375 عقوبات بالاستناد إلى كفّ اليد يستوجب العنصر المعنوي…" (ص 5).

 

وهو ما يُشكّل قصورًا فادحًا في التعليل. ولكــن، تنصّ المادة 375 عقوبات على ما يلي:

 

"كل موظف غير الذين ذكرتهم المادة 306 عُزِل أو كُفَّت يده وكل شخص نُدِبَ إلى خدمة عامَّة بالانتخاب أو بالتعيين وانتهت مدَّته يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات إذا مضى في ممارسة وظيفته خلافًا للقانون".

 

وهذا التعريب، مأخوذ من المادة 375 بنصّها الفرنسي الأصلي الذي ينص على ما يلي:

 

« Tout fonctionnaire autre que ceux visés à l’article 306 qui aura été révoqué ou suspendu, toute personne investie d’un mandat public par voie d’élection ou par voie de nomination dont le mandat aura pris fin, s’il continue illégalement l’exercice de ses fonctions, sera puni de trois mois à trois ans d’emprisonnement ».

 

-7- وعليـه، إنَّ القاضي طارق بيطار، بصفته قاضيًا عدليًّا، يُعَدّ موظفًا بالمعنى المقصود في المادة 350 من قانون العقوبات، التي عرّفت الموظف بأنَّه:

 

"كل موظف في الإدارات والمؤسّسات العامَّة والبلديَّات، والجيش والقضاء، وكل عامل أو مستخدم في الدولة، وكل شخص عُيّن أو انتُخب لأداء خدمة عامة ببدل أو بغير بدل".

 

ولا خلاف، والحال هذه، على انطباق صفة الموظف عليه.

 

-8- تنصّ المادة 375 عقوبات، على معاقبة الموظف إذا استمرّ في ممارسة وظيفته خلافًا للقانون، وذلك في الحالات التالية حصرًا:

 

• بعد عزله Révocation،

• أو بعد كفّ يده Suspension،

• أو بعد انتهاء مدّته Fin du mandat.

 

إذن، المادة 375 عقوبات، تنص على ثلاث حالات مختلفة، كل واحدة منها تختلف عن الأخرى.

وفي ما خصّ القضاة، لا يُتصوّر أصلًا مفهوم "انتهاء المدّة"، إذ إنَّ القاضي يضع يده على الملف ويرفعها عنه بصدور القرار النهائي، وهو أمر غير مطروح في القرار موضوع الملاحظات.

 

يبقى إذًا بحث حالتَيّ العزل، وكفّ اليد. وهنا يقتضي التمييز بدقّة بين: هاتين الحالتين، وحالة طلب ردّ القاضي، وحالة التقدّم بمداعاة ضدّ الدولة بالمسؤوليَّة عن أفعال القاضي.

 

فهذه الحالات تختلف من حيث طبيعتها القانونيَّة وآثارها اختلافًا جوهريًّا.

 

-9- إنَّ طلب ردّ القاضي Requête en récusation، هو آليَّة إجرائيَّة منصوص عليها في المواد 120 وما يليها من قانون أصول المحاكمات المدنيَّة، ويقوم على أسباب مُحدّدة على سبيل الحصر، وتفصل فيه محكمة مُختصّة. ويترتَّب على تقديمه، بموجب المادة 125من قانون أصول المحاكمات المدنيَّة، وجوب توقّف القاضي المطلوب ردّه " عن متابعة النظر في الدعوى إلى حين البت بالطلب". وهذا يعني، بصريح العبارة، أنَّ ما هو مطلوب من القاضي في هذه الحالة، هو رفع يده مؤقّتًا عن النظر في الدعوى Dessaisissement provisoire، وتاليًا، فإنّ طلب الردّ لا يترتّب عليه كفّ يد القاضي بالمعنى المقصود في المادة 375 عقوبات (يُراجع أدناه الرقم 12). إنَّ المشرّع، وإن أوجب هذا التوقّف، لم ينصّ على أي توصيف جزائي في حال مخالفة هذا الواجب، ولم يلحظ إطلاقًا إخضاع القاضي الذي يتابع النظر في الدعوى، رغم طلب ردّه، لأي تجريم جزائي. والسبب في ذلك أنَّ المشرّع لم يتصوّر أصلًا حصول مثل هذا الفعل، ولم يسبق أن وقع في الممارسة القضائيَّة.

 

-10- ينسحب التحليل عينه على دعوى مداعاة الدولة بشأن المسؤوليَّة الناجمة عن أعمال القضاة العدليّينالمنصوص عليها في المادة 741 أصول مدنيَّة؛ وفي هذا السياق، اعتبرت المادة 751، في فقرتها الأخيرة من قانون أصول المحاكمات المدنيّة، أنّه: " لا يجوز للقاضي المنسوب إليه سبب الدعوى، منذ تقديم استحضارها، أن يقوم بأي عمل من أعمال وظيفته يتعلّق بالمدعي". وعليه، نشير أوّلًا إلى أنّ قانون أصول المحاكمات المدنيّة لم يتناول، بدوره، حالة مخالفة القاضي لأحكام هذه المادة، وتبعًا، قيامه" بأي عمل من أعمال وظيفته يتعلّق بالمدعي"، رغم تقديم الاستحضار المذكور. وإذا كان هذا النص يفرض على القاضي الامتناع عن القيام بأي عمل بعد تقديم الاستحضار، فإنّه لم " يُكيّف" جزائيًّا خروج القاضي عن هذا النص. ومجدّدًا، فإنّ أحكام المادة 751 في فقرتها الأخيرة نصّت على "عدمجواز" قيام القاضي بأي عمل يتعلّق بالمتقاضي المدّعي، إلّا أنّها لم تُرتّب على مخالفة هذا المنع أي نتيجة جزائيّة جرميّة. ومن جهة أخرى، يقتضي التمييز بين عدم جواز متابعة اتخاذ أي إجراء بحقّ المتقاضي المدّعي، بما يفيد توقّفًا مؤقّتًا Dessaisissement provisoire عن اتخاذ مثل هذا الإجراء، أي ما هو معروف بعبارة " رفع يده"، وبين مفهوم " كفّ اليد"، المعاقب عليه بمقتضى المادة 375 عقوبات.

 

ومن ثمّ، فإنّ الفقرة الأخيرة من المادة 751 من قانون أصول المحاكمات المدنيّة قد فرضت على القاضي منعًا محدودًا، لا عامًّا، ولا مطلقًا. فهي منعته من القيام بأي عمل من أعمال وظيفته بحقّ المدّعي، من دون أن تفرض عليه، إطلاقًا، رفع يده عن كامل الملف! وفي هذا الخصوص، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ قاضي التحقيق يضع يده على الوقائع الماديّة المؤلّفة للجرم المحال أمامه، بمعزل عن الأشخاص المسهمين فيه Saisine in rem، وهذا ما تؤكّده أحكام المادة 60 الفقرة الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة عندما تنصّ على ما يلي: " يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامّة بصورة موضوعيّة"، أي، بمعزل، عن الوصف القانوني الذي وردت بموجبه إليه، وبمعزل عن الأشخاص المعنيّين، بحيث يحقّ له أن يتناول في التحقيق أي شخص، فاعلًا أو مشتركًا أو متدخّلًا، أو حتى ولو لم يكن اسمه واردًا في عداد المدّعى عليهم، من دون حاجة إلى استطلاع رأي النيابة العامّة في الموضوع. 

 

وعلى هذا الأساس، لا يمكن لأيّ من المعنيّين بالتحقيق، وعلى فرض أنّه تقدّم بطلب ردّ قاضي التحقيق،أو بدعوى مسؤوليّة ضدّ الدولة عن أعماله، أن يوقف التحقيق في الملف. إنّ أقصى ما يمكن للمدعيالمطالبة به، هو توقّف القاضي عن القيام بأي عمل من أعمال وظيفته يتعلّق به، حصرًا. وبناءً عليه، فإنّ دعوى المسؤوليّة لا تُشكّل، بدورها، كفّ يد، بالمعنى المقصود في المادة 375 عقوبات.

 

-11- وعلـيـــه، فإنَّ وضع يدّ القاضي على الملف خلافًا لأحكام المادتين 125 و 751 أصول مدنيَّة، لا يندرج تحت أي وصف جزائي؛ إنَّ مُجرَّد التقدُّم بطلب ردّ القاضي أو بدعوى المسؤوليَّة ضدّ الدولة لا يفضي، ولا يؤلّف، بحد ذاته، العزل، وكفّ اليدّ، المنصوص عليه في أحكام المادتين المذكورتين!! وإن كان قد يعرّض القاضي لمساءلة مسلكيَّة، وأي إجراء أو قرار اتّخذه للطعن، وهما أمران مختلفان كليًّا عن المسؤوليَّة الجزائيَّة.

 

هذا من جهة، ومن جهة ثانية،

 

-12- إنَّ المادة 375 من قانون العقوبات قد عالجت صراحةً حالتَيّ عزل الموظف وكفّ يده، والسؤال الجوهريّالذي يفرض نفسه ابتداءً هو: من هي الجهة التي تملك الصفة والصلاحيَّة القانونيَّة لعزل الموظف أو كفّ يده؟

 

من المؤكّد، قانونًا، أنَّه ليس للنائب العام التمييزي السابق صفة أو سلطة تخوّله كفّ يد المُحقّق العدلي!! برأينا، إنَّ القرار الذي اتّخذه في هذا الشأن يُشكِّل تجاوزًا لحدّ السلطة، ويقتضي اعتباره كأنَّه لم يكن - غير موجود - وما نتج عنه من ادّعاء مبني على أحكام المادة 375 عقوبات. ومع هذا،

 

من المعلوم فقهًا واجتهادًا أنَّ حقّ التعيين في الوظائف العامَّة يُعَدّ من أبرز مظاهر السلطة العامَّة، وإنَّ أي اغتصاب لهذه الوظيفة يُشكّل اعتداءً مباشرًا على هذه السلطة ذاتها. ومن هذا المنطلق، يتّضح أنَّ الغاية التي توخّاها المشرّع من المادة 375 عقوبات هي معاقبة تمرّد الموظف على السلطة الإداريَّة التي عيّنته أو انتدبته، لا معاقبة مخالفة إجرائيَّة أو اجتهاد قانوني محلّ نزاع.

 

وإذ ثَبُتَ لقاضي التحقيق السيِّد حبيب رزق الله، أنَّ القاضي طارق بيطار قد " عُيّن أصولًا مُحقِّقًا عدليًّا في ملف انفجار مرفأ بيروت" (ص 4، من القرار)، كان يتعيّن عليه، من باب المنطق القانوني السليم، أن يتحقّق ممّا إذا كان هذا القاضي قد عُزِل أو كُفّت يده بقرار صادر عن الجهة ذاتها التي تملك صلاحيَّة تعيينه.

 

فالمادة 360 فقرة 2 من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة تنصّ صراحةً على أنَّ تعيين المُحقّق العدلي يتمّ           " بقرار من وزير العدل بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى"، وعملًا بمبدأ توازي الأشكال                   Parallélisme des formes ()، لا يجوز قانونًا عزل القاضي بيطار أو كفّ يده إلَّا بقرار يصدر عن وزير العدل بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى، باستثناء الحالات التأديبيَّة التي يعود فيها الاختصاص للمجلس التأديبي وفق أحكام قانون القضاء العدلي الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16/9/1983، ولا سيَّما المادة 89 منه التي تجيز صرف القاضي من الخدمة أو عزله.

 

لا بُدّ من التذكير بما هو بديهي في هذا السياق:

 

• إن عزل القاضي هو عقوبة تأديبيَّة محض، لا تقوم إلَّا بصدور قرار صريح عن المرجع القضائي المُختصّ، وهو أمر غير متوافر في الحالة الراهنة.

 

• أما كفّ يد القاضي، فقد يكون إجراءً مؤقتًا (تحفّظيًا) أو عقوبة تأديبيَّة نهائيَّة، إلَّا أنَّه، في جميع الأحوال، يقتضي صدور قرار صريح عن المرجع المختص، وهو أيضًا غير حاصل في القرارموضوع الملاحظات.

 

وتاليًا، ما دام القاضي بيطار غير معزول وغير مكفوف اليد أصولًا، فإن تطبيق أحكام المادة 375 من قانون العقوبات يكون مستبعدًا حكمًا لانتفاء العنصر المادي للجريمة.

 

ثالثًا- الخلل في تقييم العنصر المعنوي لجنحة كفّ اليد المُشار إليها في المادة 375 عقوبات

 

-13- إنَّ التعليل الذي اعتمده قاضي التحقيق، والقائم على القول بانتفاء العنصر المعنوي لجنحة المادة 375 من قانون العقوبات، استنادًا إلى "عدم قناعة المدعى عليه بأن يده قد ارتفعت عن الملف بفعل طلبات الرد ودعاوى المخاصمة، واستمراره في التحقيق رغم علمه بكفّ يده من جهة أخرى، بما يؤدي إلى انتفاء العنصر المعنوي لهذه الجنحة"، فإنَّه تعليل غير موفّق قانونًا. وبالفعـــل،

 

-14- من البدهيّ أنَّ قاضي التحقيق قد استند في ما توصّل إليه إلى انتفاء قناعة لدى المدعى عليه بأنَّه ارتكب الجرم المنسوب إليه. وهذا يعني، أنَّ قاضي التحقيق جعل من القناعة [قناعة المدعى عليه]عنصرًا من عناصر الأفعال الجرميَّة؛ وطالما أنَّه يتناول العنصر المعنوي، يكون قد جعل من القناعة عنصرًا مؤلّفًا للعنصر المعنوي! ما يتناقض مع التعريف السابق الذي اعتمده بالنسبة إلى هذا العنصر، حيث اعتبر في الصفحة الخامسة من القرار، أنَّ العنصر المعنوي لجنحة كفّ اليد يتمثَّل بـ "توفُّر النيَّة لدى المدعى عليه بمتابعة عمله كقاضي تحقيق في ملف انفجار المرفأ بالرغم من علمه بزوال صفته أو سلطته بصورة، مؤقّتة أو دائمة، لممارسة وظيفته المذكورة". وهذا ما يتوافق أصلًا مع أحكام المادة 188 عقوبات التي تُعرّف النيَّة بأنَّها " إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرّفها القانون"، ومعاجتهاد محكمة التمييز:

"... وبما أنَّ المادة 371 عقوبات تُعاقب الموظف الذي يُعيق أو يؤخّر تطبيق القوانين أو الأنظمة أو جباية الضرائب والرسوم أو تنفيذ قرار قضائي أو مذكرة قضائيَّة أو أمرًا صادرًا عن السلطة ذات الصلاحيَّة، في ما المادة 375 عقوبات تُعاقب الموظف الذي عزل أو كفّت يده وكل من ندب إلى خدمة عامَّة بالانتخاب أو بالتعيين وانتهت مدّته، إذا استمرّ في ممارسة وظيفته خلافًا للقانون والمادة 770 عقوبات تُعاقب من يخالف الأنظمة الإداريَّة والبلديَّة الصادرة وفقًا للقانون...،

 

وبما أنَّ الجنح المذكورة هي قصديَّة، وتستوجب لاكتمال عناصرها، توافر ركن معنوي يتمثَّل في القصد الجرمي العام وقوامه علم المدعى عليه بأنَّه يُعيق تنفيذ قانون أو نظام أو أمر صادر عن سلطة مختصّة، أو بأنَّه يتابع مهامه رغم انتهاء مدّة تعيينه أو يُخالف نظامًا بلديًّا أو إداريًّا... وإنَّ ذلك يُشكِّل جريمة جزائيَّة وإن تتّجه إرادته إلى ارتكاب مثل هذه الأفعال الجرميَّة..." ().

 

إذن، وبحسب القرار، العنصر المعنوي لجنحة كفّ اليد يقوم على مُجرَّد العلم بزوال الصفة والسلطة(إلخ)... فكيف يُضاف إلى عامل " العلم"، عاملًا آخر يتمثّل بــ " القناعة" في ارتكاب الجرم؟؟

 

-15- إنَّ النيّة Intention، هي حالة نفسيَّة، قوامها توجّه داخلي وإرادة واعية ترمي إلى القيام بفعل معيّن أو الامتناع عنه. ومن خصائصها أنَّها تسبق الفعل أو ترافقه، وترتبط بالإرادة والاختيار، وقد تتبدّل بسرعة، وهي بطبيعتها خفيّة في النفس ولا يُستدل عليها إلَّا من خلال القرائن. ومن الأمثلة على ذلك، نيّة ارتكاب الفعل الجرمي، التي قد يعدل عنها الفاعل في مرحلة لاحقة ولكن سابقة لاقتراف الجرم. وعندما نتحدّث عن النيّة في الحقل الجزائي، فإنَّما نقصد بها نيّة المشتبه به أو المدعى عليه، وذلك بغية الوقوف على مدى مسؤوليّته الجزائيّة.

 

-16- أما القناعةConviction ، فهي اعتقاد راسخ أو اقتناع ذهني ناتج عن تفكير أو تجربة أو منظومة قِيَم ثابتة. ومن خصائصها أنَّها تتكوّن عبر الزمن، وتتميّز بثباتها النسبي مقارنة بالنيّة، وترتبط بالفكر والإيمان الداخلي، وقد يكون لها تأثير على السلوك من دون أن تؤدي بالضرورة إلى فعل مباشر. ومن الأمثلة على ذلك، القناعة بالذنب. وعندما نتحدّث عن القناعة في المجال الجزائي، فإن المقصود بها هو قناعة القاضي الناظر في الملف، والتي يعتمدها لتحديد ما إذا كانت نيّة المشتبه به، والوقائع المنسوبة إليه، قائمة بما فيه الكفاية تمهيدًا لإصدار الحكم.وعلى هذا الأساس، يتبيّن أن القناعة تمثّل الحالة النفسية للقاضي état d’esprit بعد التدقيق في وسائل الإثبات، وهي تشكّل الركيزة الأساسية للقرار الجزائي.

 

-17- من هنا، يمكن القول إنَّ النيّة هي إرادة عمليَّة تسبق الفعل مباشرة، وهي متغيّرة وترتبط بالسلوكالإجرائي ذاته، في حين، أنَّ القناعة هي اعتقاد ذهني يتكوّن تدريجيًا، أكثر ثباتًا، وغير مرتبط بالفعل بالضرورة. فالنيّة تتمحور حول السلوك، بينما تتعلّق القناعة بالفكر والاعتقاد. ومن الأمثلة على ذلك، أن يكون شخص ما مقتنعًا بأن السرقة فعل غير مشروع، إلَّا أنَّه قد تتكوّن لديه نيّة السرقة في ظرف معيّن؛ ففي هذه الحالة تكون القناعة قائمة، في حين تكون النيّة قد تغيّرت. وعلى العكس من ذلك، يمكن تصوّر شخص غير مقتنع بأهمية مساعدة الآخرين، إلا أنه قد ينوي تقديم المساعدة بدافع مصلحة ما أو نتيجة ظرف خاص. وعليه، فإن النيّة تعبّر عمّا يعتزم الشخص القيام به قبل ارتكاب الجرم، في حين تعبّر القناعة عمّا يؤمن به تجاه هذا الجرم على المدى الطويل.

 

-18- وعندما يتناول القرار دور " قناعة المدعى عليه"، القاضي طارق بيطار، في تكوين العنصر المعنوي، يبدو وكأنَّه يخاطبه ويتعامل معه بصفته قاضيًا، فحلّت قناعة القاضي بما قام به محلّ نيَّة المشتبه به! وهو أمر غير جائز، إذ إنَّ السيِّد طارق بيطار يمثل أمام قاضي التحقيق السيِّد حبيب رزق الله بصفته مشتبهًا به، ويتعيّن على قاضي التحقيق الناظر في الادّعاء عليه أن يتعامل معه على هذا الأساس. ذلك أن قاضي التحقيق، عند نظره في جرم معيّن، لا يأخذ بعين الاعتبار قناعة المشتبه به في تكوين العنصر المعنوي لهذا الجرم أو ذاك، بل يرتكز على قناعته الشخصية في مدى توافر النيّة الجرميّة لدى المشتبه به. عندما يحظّر على القاضي أمر مُعيَّن، فلا يجوز له، لمُجرَّد صفته القضائيَّة، أن ينفرد بتقدير مبدأ الحظر أو نطاقه أو مدى ملاءمته!

 

-19- في المجال الجزائي، القناعة هي قناعة القاضي لا قناعة المشتبه به. فقاضي التحقيق أو قاضي الأساس هو الذي يُكوّن قناعته في ضوء الوقائع ووسائل الإثبات لتحديد ما إذا كانت النيّة الجرميّة متوافرة، ولا يجوز قانونًا تعليق قيام الجريمة على قناعة المدعى عليه أو اعتقاده الشخصي. إنَّ جعل قناعة المشتبه به عنصرًا مؤسسًا للنيّة الجرميّة من شأنه:

 

• مخالفة أحكام المادة 188 عقوبات،

• إضافة شرط غير منصوص عليه قانونًا لقيام الجرم،

• وتحويل الإرادة الجرمية إلى عنصر ذاتي بيد المدعى عليه نفسه.

 

وهي نتائج لا تستقيم مع أبسط قواعد القانون الجزائي.

 

-20- برأينا، إنَّ المقاربة المعتمدة في القرار، سواء لجهة تجنُّب الغوص في العنصر المادي لجنحة كفّ يدّ الموظف المنصوص عليها في المادة 375 عقوبات، أو لجهة تقييم عنصرها المعنوي، تقوم على خلط مفاهيمي ومنهجي، وتُناقض المبادئ الجزائيَّة المستقرّة، ويؤدّي إلى استنتاجات لا... تُقنع!!

 

 

15/1/2026

 

د. فـــادي نمُّـــــور

 

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 1.7 م.بتحميل ↓