• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قانون تنظيم القضاء العدلي … مجلس النواب أمام لحظة الحقيقة

يشكّل قانون تنظيم القضاء العدلي محطة مفصلية في مسار العلاقة بين السلطات في لبنان، لما يمثّله من صلة مباشرة بين السلطة القضائية واستقلالها، وبين آليات التوازن الدستوري في دولة مأزومة سياسيًا ومؤسساتيًا. فالقانون في جوهره، ليس نصًا إجرائيًا فحسب، بل يعكس تصوّرًا للدور الذي يراد للقضاء أن يلعبه: سلطة مستقلة وحامية للعدالة، أو سلطة تابعة محكومة بالتوازنات السياسية والطائفية.

في ٣١ تموز ٢٠٢٥ أقرّ مجلس النواب اللبناني القانون المتعلق بتنظيم القضاء العدلي[1]، بعد سنوات طويلة من النقاشات، غير أن هذا القانون لم يسلك طريقه إلى الصدور والنشر والتنفيذ، إذ في ٥ أيلول ٢٠٢٥ أعاد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون القانون إلى مجلس النواب طالبًا إعادة النظر فيه[2]، مستندًا إلى المادة ٥٧ من الدستور[3] التي أعطت رئيس الجمهورية هذا الحق في أي قانون قبل إصداره. لم تكن هذه الخطوة إجرائية عابرة، بل كانت إعلانًا واضحًا عن وجود خلل بنيوي في القانون. فقد تضمّن المرسوم ١١٠٥، وموضوعه إعادة القانون المتعلق بتنظيم القضاء العدلي، ملاحظات تكشف عن تناقضات وثغرات تقنية ولغوية لا يمكن التغاضي عنها.

أما على المستوى القضائي، فقد كان لمجلس القضاء الأعلى ورئيسه القاضي سهيل عبود دور محوري في النقاش العام حول القانون. فالمجلس، بصفته مسؤولاً عن إدارة السلطة القضائية وحسن سير مرفق العدالة، سبق أن عبّر في أكثر من مناسبة عن هواجس حقيقية تتعلق بمدى قدرة النص الحالي على تكريس استقلال فعلي للسلطة القضائية. أما رئيس المجلس الحالي، فقد ربط بوضوح بين الاستقلالية القضائية والمناقبية المهنية، معتبرًا أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على تعديل نصوص، بل يجب أن يبدأ من داخل الجسم القضائي عينه. وقد شكّلت هذه المواقف، في مضمونها، إنذارًا مبكرًا من داخل السلطة القضائية بأن القانون المطروح لا يكفي وحده لبناء استقلالية راسخة.

وفي السياق عينه، أصدر نادي قضاة لبنان مذكرة سلّطت الضوء على مكامن الخلل من زاوية استقلال السلطة القضائية. لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان يجب إقرار القانون أو لا، بل أي قانون نريد؟ هل نريد نصًا يكرّس استقلال القضاء فعلاً ويعيد الثقة بالمؤسسات الدستورية، أم نكتفي بنص تجميلي جديد يُضاف إلى سلسلة نصوص جميلة في الشكل، معطلة في الجوهر؟

إن ردّ القانون لم يكن اعتراضًا سياسيًا، حيث أتى في صلب خطاب القسم والبيان الوزاري، وفي ظروف توافق سياسي، بل كان ممارسة دستورية سليمة تهدف إلى تصحيح أخطاء مادية شوّهت النص، كما تصويب مسار قانون يمس واحدة من أكثر السلطات حساسية في الدولة. من هنا، فإن النقاش حول هذا القانون يتجاوز حدود الصياغة التقنية إلى جوهر كل من التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية، وإلى سؤال أكبر: هل نحن أمام إصلاح حقيقي أم أمام إعادة إنتاج لأزمة مزمنة؟

ولعلّ أهمية هذا القانون وما أثاره من نقاشات دستورية ومؤسساتية عميقة، تفرض مقاربة هادئة وشاملة تُحسن الإصغاء إلى مختلف الأصوات المعنيّة، قبل الانتقال إلى استخلاص الدروس واقتراح مسارٍ تصحيحي واقعي.

 

القسم الأول: يتناول هذا المقال في قسمه الأوّل مواقف الجهات المعنيّة من القانون الحالي، في محاولة لتبيان خلفيات الملاحظات والمواقف الصادرة. أمّا القسم الثاني، فيضيء على بارقة الأمل والطريق إلى الحل، أي على الخطوات الممكنة لترميم الثقة، وتفعيل استقلال السلطة القضائية بوصفها الركيزة الأساسية لدولة القانون.

 

  • الردّ الرئاسي على قانون تنظيم القضاء العدلي: تشخيص دقيق لثغرات بنيوية تهدّد انتظام المؤسسات الدستورية

يتّضح من مطالعة المرسوم الرئاسي أنّ التضارب لا يقتصر على اختلاف في الصياغة، بل يمسّ جوهر الهيكلية القانونية للقضاء العدلي. فالنصّ، بحسب الرد الرئاسي، تضمّن اختلالًا في مبدأ التراتبية والاتساق الداخلي بين المواد، إذ جاءت الشروط والدرجات الوظيفية متناقضة بين موقع وآخر: فالمادة الثانية حدّدت الدرجة ١٦ لعضوية مجلس القضاء الأعلى، في حين خفّضت المادة ١٠٩ الشرط ذاته إلى الدرجة ١٣ لرئيس معهد الدروس القضائية الذي أصبح بحكم القانون الجديد عضو حكمي في المجلس. هذا التفاوت في المعايير بين مواقع متقاربة في الهرمية القضائية يخلق التباسًا في تفسير الكفايات، ويفتح الباب أمام قراءات انتقائية للنص.

ويُضاف إلى ذلك تضارب في مدة الولاية بين خمس سنوات غير قابلة للتجديد في موضع، وأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة في موضع آخر، ما يعكس غياب رؤية موحّدة لطبيعة الاستمرارية في المواقع القضائية العليا. كما أن المادة الثالثة منحت ثلث أعضاء المجلس، ومن ثمّ ثلث عدد القضاة العاملين، صلاحية الدعوة إلى الاجتماع عند تخلّف الرئيس الأول، من دون تحديد مهلة لهذا التخلّف، وهو ما يثير احتمال شلل مؤسساتي كامل.

أما على الصعيد العملي واللغوي، فقد وردت أخطاء مادية تتجاوز الأربعة عشر موضعًا، منها استبدال كلمة "مجلس" بـ"مكتب" ديوان المحاسبة، وإسقاط كلمة "القضائية" في توصيف الهيئة العليا للتأديب، وعطف مواد على غير وجهها الصحيح، بل وعلى ذاتها أحيانًا، فضلًا عن غموض في تحديد الصلاحيات الإدارية لعدد من المراكز الحساسة.

هذه الثغرات، بتنوّعها بين البنيوي والشكلي، ليست تفاصيل يمكن تجاوزها أو معالجتها لاحقًا بمرسوم تفسيري، بل تؤثّر مباشرة في انتظام سير المؤسسات الدستورية وفي وضوح العلاقة بين السلطات.

ومع ذلك، طرح بعض المراقبين تساؤلًا مشروعًا: ألم يكن من الأجدى إقرار القانون كما هو، ثمّ دعوة مجلس النواب لاحقًا إلى تعديل هذه الثغرات تدريجيًا، بدلًا من ردّ القانون برمّته وتأخير دخوله حيّز التنفيذ؟ 

 

  • مجلس القضاء الأعلى يدق ناقوس الخطر: أزمة استقلال القضاء تتجاوز النص

في موازاة الموقف الرئاسي، سجّل مجلس القضاء الأعلى موقفًا واضحًا وحاسمًا من القانون. ففي بيانه[4] الصادر عن أمانة السر بتاريخ ١٢ آب ٢٠٢٥، إثر اجتماعه المخصص لمناقشة قانون تنظيم القضاء العدلي، أكد المجلس أنه يقدّر الجهود التشريعية والتنفيذية التي أفضت إلى إقرار القانون بعد سنوات من النقاش، لكنه شدد في المقابل على أن النص الحالي لا يرسّخ الاستقلالية الفعلية للسلطة القضائية كما هو مأمول. فالاستقلال ليس شعارًا يُكتب في القوانين، بل منظومة مؤسسية وقيمية لا تقوم إلا بضمانات حقيقية.

وأشار المجلس في بيانه إلى أن القانون يتضمّن بعض الأحكام التي تعزز موقع القضاء، لكنه في الوقت عينه يشتمل على مواد لا تنسجم مع المبادئ الأساسية لاستقلال السلطة القضائية، ولا تضمن حسن سير العدالة، رغم أن المجلس كان قد نبّه مرارًا في بيانات ومداخلات رسمية إلى هذه الثغرات. وقد ركّزت ملاحظاته على محاور جوهرية أبرزها: ضرورة تكريس الاستقلال المالي والإداري للمجلس من خلال موازنة خاصة؛ الحد من صلاحيات السلطة التنفيذية في تعيين الأعضاء؛ حصر صلاحية التشكيلات والمناقلات القضائية بالمجلس بعيدًا عن المراسيم القابلة للتعطيل؛ وتعزيز آليات الشفافية والمساءلة الذاتية داخل القضاء. شدّد المجلس أيضًا على وجوب تنظيم آليات واضحة للطعن والرقابة القضائية على قراراته، تكريسًا لمبدأ المشروعية والمحاسبة.

إن هذا الموقف الرسمي الصادر عن الجهة المنوطة بها صلاحية إدارة السلطة القضائية في لبنان والسهر على حسن سير أعمالها، لا يعبّر فقط عن قراءة تقنية لمشروع القانون، بل عن تحذير مؤسسي صريح يضع السلطة التشريعية أمام مسؤولية تاريخية: إما تكريس استقلال فعلي للقضاء، أو الإبقاء على استقلالية شكلية لا تصمد أمام التدخلات السياسية.

 

  • رئيس مجلس القضاء يرفع سقف النقاش: المناقبية قبل الاستقلال، وإصلاح القضاء يبدأ من الداخل

في سياق النقاش حول استقلالية القضاء ومكانته في النظام الدستوري اللبناني، حملت مشاركة رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود في مؤتمر الشبكة الفرنكوفونية لمجالس القضاء العليا في مراكش[5] (١٦ و١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥) رسالة واضحة مفادها أن الاستقلالية لا يمكن فصلها عن المناقبية القضائية. ففي كلمته بعنوان: "المناقبية في القضاء اللبناني"، استهل الرئيس عبود مداخلته ببيت شعر لأحمد شوقي: «إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقُهُم، ذهبوا»، مؤكدًا أن فقدان المناقبية يعني فقدان ثقة الناس بالقضاء وفقدان القضاء لذاته. وأوضح أن المناقبية القضائية تستند إلى قسم القاضي وإلى وثيقة القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاء لعام ٢٠٠٥، التي تحدد ثماني قواعد محورية: الاستقلال، التجرّد، النزاهة، موجب التحفّظ، الشجاعة الأدبية، التواضع، الصدق والشرف، والأهلية والنشاط. شدّد الرئيس عبود على أن الشجاعة الأدبية والتواضع هما سمتان خاصتان بالتجربة اللبنانية، وأن التزام القاضي بقسمه يشكّل الأساس الصلب للمناقبية القضائية، وقد لفت إلى أن تطبيق هذه القواعد أدّى إلى إنهاء خدمات ثلاثة عشر قاضيًا خلال السنوات الأخيرة، بعضهم ملاحق جزائيًا، ما يعكس جدية هذا النهج.

أما في كلمته في جامعة الحكمة[6]، فقد انتقل الرئيس الأول لمحكمة التمييز إلى الجانب المؤسساتي للإصلاح القضائي، متناولًا إحدى أكثر القضايا حساسية في مسار استقلال القضاء: آلية إقرار التشكيلات والمناقلات القضائية. استعاد الرئيس عبود تجارب عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢٢، مبرزًا كيف تحوّل هذا المسار إلى ساحة تجاذب سياسي حاد، حيث استُخدم التوقيع على المراسيم أداة للتعطيل بدل أن يكون إجراءً دستوريًا عاديًا، وأوضح أن هذا التعطيل لم يكن ناتجًا عن ملاحظات قانونية أو طائفية بقدر ما كان نتيجة غياب الموافقة السياسية المسبقة، ما فرّغ العملية من مضمونها وأضعف دور المؤسسات القضائية.

وتوقّف الرئيس الأول عند أبرز ما تضمنه مشروع القانون الجديد من تعديلات إصلاحية جوهرية للحد من هذا التعطيل، وفي مقدمتها: تحديد مدة ثبات القاضي، وحصر المعايير الموضوعية بيد مجلس القضاء الأعلى، واعتبار التشكيلات نافذة بحكم القانون في حال عدم صدور المرسوم ضمن مهلة محددة. اعتبر أيضًا أن هذه التعديلات تمثل خطوة متقدمة نحو تعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى وضمان نفاذ التشكيلات بعيدًا عن الضغوط والحسابات السياسية.

بهذا الموقف، ربط الرئيس عبود بين البعدين القيمي والمؤسساتي، مؤكدًا أن بناء استقلال حقيقي للسلطة القضائية لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية التي تبقى ضرورية، بل عبر قضاء يتحلّى بالمناقبية ويُحصّن مؤسساته من التدخلات السياسية. فالإصلاح يبدأ من الداخل، لكنه لا يكتمل من دونه.

 

  • نادي القضاة يرفع الصوت: استقلالية القضاء مهدّدة من الداخل والخارج

في موازاة المواقف الرئاسية والقضائية الرسمية، شكّلت ملاحظات نادي القضاة[7] محطة مهمّة في النقاش الوطني حول قانون تنظيم القضاء العدلي. إذ لم تكتفِ هذه الملاحظات بالإشارة إلى ثغرات تقنية أو إجرائية، بل وجّهت نقدًا مباشرًا إلى البنية التي يقوم عليها المشروع الحالي، معتبرةً أنه يحمل في طياته تهديدًا فعليًا لاستقلال القضاء.

فقد اعتبر النادي أن رفع عدد الأعضاء الحكميين إلى أربعة وتعيينهم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء يشكّل تدخلاً مباشرًا للسلطة السياسية في تكوين المجلس الأعلى للقضاء، ويقوّض مبدأ الفصل بين السلطات. كما نبّه إلى غياب الاستقلال المالي والإداري للمجلس، إذ تبقى الموازنة بيد وزارة العدل، ما يجعل السلطة القضائية رهينة للسلطة التنفيذية في مواردها وقدرتها على العمل بحرية.

ركّز النادي في ملاحظاته ايضًا، على الصلاحيات الواسعة الممنوحة للنائب العام التمييزي، ولا سيما في المادة ٤٢ التي تجيز له كفّ التعقبات بلا مسوّغ، بما يفتح الباب أمام تدخّل مباشر في مسار العدالة ويمنح موقع النيابة العامة التمييزية استنسابية قد تُستخدم بصورة غير منضبطة.

إلى جانب ذلك، انتقد النادي القيود المفروضة على حرية التعبير العائدة للقضاة، من خلال فرض إعلام مسبق قبل أي ظهور إعلامي، معتبراً أن ذلك يرقى إلى رقابة غير دستورية. حذّر النادي ايضًا من تحويل نظام الملاحظات الإدارية إلى أداة ضغط يمكن استخدامها خارج الأطر التأديبية الطبيعية، ما يهدّد حرية القاضي ويضعف ضمانات استقلاله.

بهذه الملاحظات، يضع نادي القضاة يده على أحد أعمق مكامن الخلل في القانون: فاستقلال القضاء لا يتحقق بمجرد انتخاب جزئي للأعضاء أو صياغة جميلة للنصوص، بل بتأمين استقلال مالي وإداري حقيقي، وضمانات مؤسسية فعالة، وحدود واضحة لصلاحيات السلطة التنفيذية والنيابة العامة، وفضاء حرّ للتعبير المهني المسؤول داخل الجسم القضائي.

إن قراءة الردّ الرئاسي بما تضمّنه من ملاحظات دقيقة لا تكتمل من دون وضعها في سياقٍ أوسع يتجاوز الجانب الشكلي إلى عمق الأزمة البنيوية التي يختزنها القانون نفسه. فهذه الثغرات ليست تقنية فحسب، بل تعبّر عن أزمة رؤية تشريعية تمسّ جوهر استقلال القضاء وموقعه في التوازن الدستوري اللبناني.

 

القسم الثاني: ينتقل هذا المقال في قسمه الثاني من تشخيص الأخطاء إلى البحث في فلسفة الإصلاح المطلوبة، من خلال محورين أساسيين الأول يتمحور حول أن استقلال القضاء لا يُبنى على أنصاف حلول؛ والثاني أن ازدواجية الصلاحيات تهدّد التوازن ليُختتم بخلاصة مفادها ان فرصة التصحيح الأخيرة هي بيد مجلس النواب.

 

  • بين أزمة النص وأزمة الرؤية التشريعية: استقلال القضاء لا يُبنى على أنصاف حلول

في الواقع، ما يتبدّى من خلال الرد الرئاسي، وموقف مجلس القضاء الأعلى، وتصريحات رئيسه، وملاحظات نادي القضاة، إضافة إلى مواقف عدد من الجهات المعنية، هو وجود أزمة مزدوجة: أزمة في النص القانوني عينه بما يتضمنه من ثغرات وتناقضات وصياغات مربكة، وأزمة أعمق في الرؤية التشريعية التي لم تمنح القضاء استقلاله الحقيقي، بل أبقته أسيرًا لتوازنات سياسية قديمة.

هذه الأزمة المزدوجة تكشف أن النقاش حول القانون لا يمكن أن يُختزل في تصحيح بعض المواد أو تنقيح العبارات، بل يجب أن يطال الفلسفة التي يقوم عليها النص، وموقع القضاء في البنية الدستورية اللبنانية، والحدود الفاصلة بين السلطات. فإصلاح النص دون إصلاح الرؤية ينتج قانونًا هشًا لا يصمد أمام الضغوط السياسية.

وفي خضم هذا النقاش الوطني، لم تكتف جامعة الحكمة عبر كلية الحقوق بدور المتفرج، بل انخرطت بفعالية في منتدى العدالة[8] ونظّمت مؤتمرًا[9] تناول بعمق مفهوم استقلال القضاء وتوازن السلطات، برعاية وزير العدل الأستاذ عادل نصّار، وبمشاركة رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، إلى جانب عدد من الوزراء السابقين والقضاة والباحثين والخبراء القانونيين.

ركّزت المداخلات في هذا المؤتمر على مجموعة من الركائز الجوهرية لأي إصلاح حقيقي: توحيد النصوص وإزالة التناقضات؛ تحديد مهل دقيقة لتفادي الشلل المؤسسي؛ ضبط صلاحيات النيابة العامة التمييزية؛ إقرار موازنة مستقلة للقضاء؛ حماية حرية التعبير لدى القضاة من أي رقابة مسبقة؛ وأخيرًا إشراك قضاة وأكاديميين في لجنة صياغة دقيقة ومحايدة.

بهذه المقاربة، يصبح الإصلاح المطلوب تغييرًا في المنطق التشريعي لا مجرد تعديل في الصياغة، ويُعاد وضع السلطة القضائية في مكانها الطبيعي كسلطة قائمة بذاتها، لا تابعة لغيرها ولا محكومة بتوازنات عابرة.

 

  • الإشكالية الدستورية بين رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء: ازدواجية الصلاحيات تهدّد التوازن

إن ما يستوجب التوقف عنده يتجاوز كل النقاط التقنية على أهميتها، إذ يطال الركائز الدستورية التي يقوم عليها توزيع السلطات في لبنان. فهناك مسائل محورية لا يمكن لمجلس النواب تجاهلها وهو يعيد النظر في القانون.

النقطة الأولى تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية في التشكيلات القضائية. النص الذي يجعل هذه التشكيلات نافذة حكمًا بعد مرور ٣٠ يومًا على إحالتها من دون توقيع الرئيس يشكّل مسًّا مباشرًا بصلاحياته الدستورية أو بما تبقى منها. فهذه التشكيلات تدخل في فئة المراسيم العادية، التي تختلف عن المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء، والتي لا يؤدي امتناع الرئيس عن توقيعها إلى نفاذها تلقائيًا. توقيع رئيس الجمهورية في هذه الحالة يُعدّ ركنًا أساسيًا في نفاذ المرسوم، ولا يمكن لأي جهة أو سلطة أو مؤسسة إلزامه بالتوقيع تحت طائلة النفاذ، إذ لا يخضع في هذا المجال لأي مهلة زمنية. كيف، إذاً، يمكن للقانون أن يقيّد رئيس الجمهورية بمهلة على نحو يخالف الدستور؟ إن تقليص دور الرئيس أو الالتفاف عليه لا يمسّ مقام الرئاسة فحسب، بل يهدّد التوازن الدستوري برمّته. من هنا، إن الخيار يجب أن يكون واضحًا: إما الحفاظ على دور فاعل وحقيقي لرئيس الجمهورية في مسار التشكيلات بما ينسجم مع الدستور، أو الاستغناء الصريح عن هذا الدور عبر تعديل جوهري يلغي الحاجة إلى صدور مرسوم أصلاً. أما الصيغة الحالية فهي تولّد ازدواجية، وتفتح الباب أمام أزمات مؤسساتية محتومة، وتُضعف موقع الرئاسة لصالح السلطة التنفيذية.

النقطة الثانية ترتبط بدور مجلس الوزراء في تشكيل المجلس الأعلى للقضاء. فالسؤال الجوهري اليوم هو: هل يُبقي المشرّع دورًا للسلطة التنفيذية في التشكيل حفاظًا على توازن السلطات ومنع قيام “حكومة قضاة”، أم يمنح القضاء استقلالًا مؤسساتيًا كاملاً يمكّنه من تشكيل مجلسه وإدارته ومحاسبة نفسه داخليًا؟ إبقاء المسألة معلقة في منطقة رمادية يعني ترسيخ حالة من عدم الاستقرار الدستوري. ويزداد الأمر خطورة إذا ما علمنا أن القانون الحالي منح مجلس الوزراء صلاحية تعيين أربعة أعضاء، في حين شدّد على الحد من تدخل رئيس الجمهورية، وكأنما يرسّخ اختلالًا في ميزان القوى داخل النظام الدستوري. وهنا يبرز سؤال بديهي: كيف يكون القانون كريمًا في تدخل السلطة التنفيذية، وقاسيًا في استبعاد دور الرئاسة، في حين أن رئيس الجمهورية هو، وفق المادة ٤٩ من الدستور، رمز وحدة الوطن ورئيس الدولة؟

إن مسؤولية مجلس النواب في هذه اللحظة لا تختصر بالتصويت على نص جديد، بل تتعلق بمستقبل العدالة نفسها في لبنان. فالإشكالية هنا ليست إجرائية، بل دستورية بنيوية، ويجب مقاربتها بشجاعة ووضوح. فالرد الرئاسي، والموقف القضائي، والمساهمة الأكاديمية من الجامعات منحت النواب فرصة ثانية نادرة لتصحيح المسار. استقلال القضاء ليس شعارًا أو مطلبًا فئويًا، بل الضمانة الأولى لعدالة متساوية، والشرط الأساسي لإعادة بناء الثقة بين اللبنانيين ودولتهم. فقاضٍ خائف لا يحمي حقًا، وقضاء مرتهن لا يصنع عدالة.

 

 فرصة التصحيح الأخيرة: مجلس النواب يضع استقلال القضاء على المحك

يقف مجلس النواب اللبناني اليوم أمام خيار مصيري لا يحتمل الالتباس: إما تبنّي قانون عصري يكرّس استقلال القضاء ويصون التوازن بين السلطات، وإما العودة إلى دائرة المراوحة التي جعلت الناس تفقد ثقتها بالعدالة وبالمؤسسات الدستورية على حد سواء. ففي لحظات الانهيار الوطني، حيث تتقاطع الحاجة إلى الإصلاح مع مسؤولية إنقاذ ما تبقّى من الدولة، يصبح استقلال القضاء آخر خط دفاع عن فكرة الدولة نفسها. فالاستقلالية لا يمكن أن تكون شكلية تُفرّغ من مضمونها عبر استمرار التبعية المالية للسلطة التنفيذية، أو من خلال إبقاء القرار داخل المجلس خاضعًا للتجاذبات السياسية والاعتبارات الطائفية.

رغم ما تضمّنه القانون من مبادئ إصلاحية مهمّة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المبادئ من نصوص جميلة إلى ضمانات صلبة. إن الثغرات الصغيرة ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل قد تتحول إلى منافذ واسعة للتدخلات السياسية وأدوات لتعطيل روح القانون. لذلك، فإن الضمانات الجوهرية، من تعزيز استقلال الهيئات القضائية، إلى إشراك القضاة في انتخاب ممثليهم، مرورًا بإرساء آليات الحوكمة والشفافية وتكريس مبدأ المساواة وحرية التعبير وحق الطعن، يجب ألا تبقى رهينة التفسيرات السياسية أو الممارسات المتغيرة، بل أن تُحصن بآليات تنفيذية واضحة تضمن استمراريتها وصلابتها.

وانطلاقًا من قناعتي بأن أي إصلاح لا يقوم على بنية مؤسسية مستقلة يبقى هشًا، فإن تكريس استقلال القضاء يمر أولًا عبر إرساء استقلال مالي وإداري فعلي للسلطة القضائية، من خلال موازنة خاصة وهيكل تنظيمي مستقل يحررها من أي تبعية أو ضغط سياسي. كما أن صلاحية إجراء التشكيلات والمناقلات القضائية يجب أن تكون حصرًا بيد السلطة القضائية نفسها، مع نفاذ قراراتها مباشرة، بعيدًا عن آليات التعطيل التي شلّت عمل القضاء لسنوات. ولا يمكن لأي إصلاح أن يكتمل من دون آليات رقابة وطعن واضحة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، بما يضمن المحاسبة ويعزز ثقة الناس بالقضاء.

هذه الضمانات ليست ترفًا مؤسساتيًا، بل شرطًا وجوديًا لبناء سلطة قضائية مستقلة وقادرة. المبدأ القانوني لا يكتمل بقوته النظرية، بل بصلابة تطبيقه واستقلال من ينفّذه. وفي هذا السياق، فإن منح مجلس القضاء الأعلى الشخصية المعنوية يشكل خطوة مفصلية نحو استقلالية حقيقية وناجزة.

اللبنانيون الذين أنهكتهم الأزمات لا ينتظرون وعودًا جديدة، بل قرارًا شجاعًا يعيد الاعتبار إلى القانون ويثبت أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة فعلية. صحيح أن التشكيلات القضائية الأخيرة أعادت بصيص أمل بعد غيابٍ تجاوز ثماني سنوات، غير أن هذا الأمل لن يتحوّل إلى واقع من دون إصلاح بنيوي عميق يُكرّس استقلال القضاء ويحصّنه من التدخلات. إن مجلس النواب أمام فرصة استثنائية… إمّا أن يصحّح المسار، أو يترك العدالة تسقط في امتحانها الأخير.

 

[1]. مجلس النواب اللبناني، اقتراح القانون المتعلق بتنظيم القضاء العدلي، أُقرّ بمادة وحيدة بعد التعديل، الجلسة الرابعة من العقد الاستثنائي الثاني، الخميس ٣١ تموز ٢٠٢٥، بيروت – لبنان.
https://www.lp.gov.lb/ContentRecordDetails?Id=34336

[2]. رئاسة الجمهورية اللبنانية، مرسوم رقم ١١٠٥ تاريخ ٥ أيلول ٢٠٢٥: مرسوم ردّ القانون المتعلق بتنظيم القضاء العدلي من رئاسة الجمهورية إلى مجلس النواب. بيروت – لبنان https://www.presidency.gov.lb/posts/alreys-awn-wqa-almrswm-1105-alqadhy-biaadh-alqanwn-almtalq-btnzym-alqdhaa-aladly-walmtdhmn-alasbab-almwjbh-laaadth-ala-mjls-alnwab-2716810239f5217

[3]. المادة 57 من الدستور اللبناني: لرئيس الجمهورية، بعد اطلاع مجلس الوزراء، حق طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لإصداره ولا يجوز ان يرفض طلبه.
وعندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حل من اصدار القانون الى ان يوافق عليه المجلس بعد مناقشة اخرى في شأنه، واقراراه بالغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا. وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته يعتبر القانون نافذا حكما ووجب نشره.

 

[4]. مجلس القضاء الأعلى، "هذا القانون لا يرسّخ الاستقلالية الفعلية للسلطة القضائية"، بيان صادر عن الأمانة العامة، ١٢ آب ٢٠٢٥. متاح عبرhttps://www.mtv.com.lb/news/محليات/1602474/مجلس-القضاء-الاعلى--هذا-القانون-لا-يرسخ-الاستقلالية-الفعلية-للسلطة-القضائية

 

[5] . سهيل عبود، التزام القاضي بقسمه هو أساس المناقبية القضائية، كلمة ألقاها خلال مؤتمر الشبكة الفرنكوفونية لمجالس القضاء العليا حول "واقع واستقلالية القضاء ومناقبية العمل القضائي"، مراكش، ١٦ و١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥. https://www.nna-leb.gov.lb/ar/justice-law/817480/سهيل-عبود-في-مؤتمر-الشبكة-الفرنكوفونية-لمجالس-القض

[6] . سهيل عبود، كلمة رئيس مجلس القضاء الأعلى في مؤتمر جامعة الحكمة حول تحديات السلطة القضائية، بيروت، ٩ أيار ٢٠٢٥، الوكالة الوطنية للإعلام.
“I Will Lay Things Out Very Frankly”
، The Speech، تم الدخول فيhttps://thespeech.com/i-will-lay-things-out-very-frankly/.

[7] . نادي قضاة لبنان، ملاحظات نادي قضاة لبنان على قانون تنظيم القضاء العدلي، المؤتمر الصحفي المنعقد في مقر اتحاد الصحفيين والصحافيات – بدارو، بيروت، ٢٥ آب ٢٠٢٥. https://drive.google.com/file/d/1N2IuVgno7tYnbA0DKkvcBDJUKTHelNdI/view?usp=drivesdk

 

[8] منتدى العدالة في لبنان، تم إطلاقه بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بهدف إصلاح قطاع العدالة في لبنان من خلال مشاركة مختلف أصحاب المصلحة. 

[9] . جامعة الحكمة، مؤتمر "التحديات أمام السلطة القضائية وسبل معالجتها"، برعاية عادل نصار وزير العدل، بيروت، ٩ أيار ٢٠٢٥. الكلمات الافتتاحية: عادل نصار، فادي المصري، جورج نعمة، شادي سعد. الجلسة الأولى: جون قزي، غالب غانم، نجاة أبو شقرا. الجلسة الثانية: عادل نصار، سهيل عبود، شكيب قرطباوي، شكري صادر. الجلسة الثالثةموسى خوري، جوزف سماحة، رندا كفوري، زياد بارود. المصدرالوكالة الوطنية للإعلام. الرابطhttps://www.nna-leb.gov.lb/ar/education/778028/مؤتمر-في-جامعة-الحكمة-الجمعة-حول-سبل-معالجة-التحدي

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 268 ك.بتحميل ↓