• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

بدعوى ن. أ. / بنك بيبلوس تعليق على حكم جزائي

 

بتاريخ 12/8/2025 وبرقم أساس 14/2022 أصدرت القاضية المنفردة الجزائية في بيروت الرئيسة ف.ج. حكماً اعتبرت فيه أنّ بنك بيبلوس  وبمجرّد رفضه  " غير المبرّر "  بتاريخ 18/10/2019  الإستجابة لطلب المدّعية ن.أ. بتحويل مبلغ مليون يورو من حسابها المفتوح لديه إلى حسابها في أحد المصارف السويسرية ، يكون قد ارتكب  جرم إساءة الأمانة المنصوص عليه في المادّة 670 من قانون العقوبات ؛

وقد اعتبر الحكم المذكور إنّ " عقد فتح الحساب المصرفي يعدّ عقد وديعة استهلاكية " ، ويضيف الحكم ما معناه أنّه طالما ترتبط المدّعية بالمصرف المدعى عليه بعقد إيداع فهذا يفتح المجال لتطبيق أحكام المادّتَين 670 و671 من قانون العقوبات  وذلك دون تمييز بين الوديعة العادية والوديعة الإستهلاكية ، " وإنّه ، وبمعزل عن ذلك ، يبقى بالإمكان اعتبار المصرف مسيئاً للأمانة في حال امتناعه عن إعادة الأموال لعميله بالرغم من إنذاره ، وذلك تفعيلاً لأحكام المادّة 671 من قانون العقوبات ؛

والملفت للنظر أنّ الحكم المذكور لم يعطِ أيّة أهمية لقيود  المصرف المحاسبية التي تظهر أنّ حساب المدّعية ما يزال  دائناً  بمبلغ المليون يورو  المطلوب  تحويله " لأنّ تلك القيود تبقى حبراً على ورق " ، كما لم ينظر للآثار القانونية للشيكات المصرفية  التي تمثّل قيمة حساب المدّعية والتي طلب المصرف إيداعها صندوق المحكمة بعد إقفاله الحساب المذكور " لأنّ الجرم قد اكتمل في وضعه قبل إقفال الحساب وعرض الشيكات ، ولأنّ تلك الشيكات فقدت قيمتها المبرئة للذمّة " 

تعقيباً على الحكم المذكور ، لا بدّ من تحديد  جرم إساءة الأمانة (الفصل الأول ) ومن ثمَ توصيف وتحليل فعل المدعى عليه لتبيان مدى استجماعه عناصر الجرم المذكور  (الفصل الثاني ) ؛

 

الفصل الأول : تحديد جرم إساءة الأمانة .

             لتحديد جرم إساءة الأمانة لا بدّ من تعريفه (البند الأول) وتبيان عناصره (البند الثاني) .

 البند الأول : تعريف جريمة إساءة الأمانة .

   تعرّف جريمة إساءة الإئتمان ، بشكل عام ، بأنّها فعل شخص استلم من شخص آخر منقولاً وحاز عليه حيازة ناقصة بناء على أحد العقود التي حدّدها القانون على سبيل الحصر وهي عقود الوديعة والوكالة والإجارة وعارية الإستعمال والرهن ولإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة  (المقاولة والنقل والخدمات المجانية) شرط أن يعيده (أو يعيد مثله) أو يقدّمه أو يستعمله في أمر معيّن ، فيقدم قصداً على إنكاره أو تبديده رافضاً ردّه جاحداً حق من تسلّمه منه وخائناً بذلك للثقة التي وضعها فيه ؛

إنّ كل العقود المذكورة تفترض ثقة مسلّم المنقول في مستلمه الذي يحوزه بالنيابة عنه ولحسابه ومن أجل مصلحته ، ولذلك فإنّ عليه أن يستعمله في غرض معيّن محدّد له أو يحفظه فحسب ثمّ عليه أن يردّه (أو ما يماثله) إليه ، ولكن مسيىء الأمانة يستغلّ وجود المنقول في حيازته فيدّعيه لنفسه ويتصرّف فيه تصرّف المالك بملكه ،  أي يتجاهل صفته كحائز للمنقول حيازة ناقصة لحساب مالكه ويروح يدّعي ملكيته له مستنداً في ذلك لمبدأ الحيازة في المنقول سند ملكية ؛

البند الثاني : عناصر جريمة إساءة الإئتمان .

 تتطلّب جريمة إساءة الإئتمان كغيرها من الجرائم موضوعاً وهو هنا المال المنقول الواقع عليه الجرم (النبذة الأولى) ، كما تقتضي بالإضافة إلى العنصر القانوني المتمثّل بالمادّتَين 670 و671 عقوبات ، عنصراً مادّياً هو عبارة عن أحد الأفعال التي حدّدها القانون وما ينتج عنه من ضرر (النبذة الثانية) ، وعنصراً معنوياً يقوم بقصد المدعى عليه أن يتصرّف إزاء الشيىء تصرّف مالكه (النبذة الثالثة) .

النبذة الأولى : موضوع جريمة إساءة الإئتمان .

   لموضوع جريمة إساءة الإئتمان ، أي المال الواقع عليه الجرم ، شروط عديدة ، هي :

  • أن يكون مالاً مادّياً منقولاً مملوكاً لغير المدعى عليه .
  • أن يتمّ تسليم المال موضوع إساءة الإئتمان للمدعى عليه تسليماً ناقلاً للحيازة الناقصة ، أمّا إذا كان التسليم ناقلاً للحيازة الكاملة فلا وجود لصفة النيابة عن صاحب الحق بل للحائز صفة أصلية تجاه المال ، ومن ثمّ فسلوكه إزاءه لا ينطوي على خيانة لثقة أودعت فيه وإنّما هو ممارسة لحق اكتسبه عليه ، فالمشتري والمقايض والمقترض لا يرتكب إساءة إئتمان حين يتصرّف بالمال الذي استلمه وحاز عليه لأنّه أصبح ملكه .
  • أن يتمّ تسليم المال بناء على حالة أو عقد من العقود التي حدّدها القانون على سبيل الحصر دون أن يحقّ للقاضي التوسّع في التفسير عن طريق القياس أو غيره لأنّ ذلك يهدر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات  ، وفي هذا المجال قضت محكمة التمييز اللبنانية بأنّ الحكم يجب أن يحدّد بتعليل واضح نوعية العقد الذي جرى بين الفريقَين ليبني على الواقع مقتضاه القانوني (تمييز، غ.5 ، رقم 114 تاريخ 28/4/1975 ، مجموعة عالية ، ج.4 ، رقم 327 ص.184 ) ، ولحصر الموضوع ضمن نطاق موضوع الدراسة ، سوف نقتصر على معالجة عقدَي الوديعة وعارية الإستعمال فقط :
  • الوديعة هي عقد بمقتضاه يستلم الوديع من المودع شيئاً منقولاً ويلتزم حفظه وردّه عيناً (المادة 690/ موجبات وعقود) ، وهنا يهمّنا أن نوضح حقيقة هامّة وهي أنّ الوديع لا يرتكب جريمة إساءة الإئتمان بمجرّد إخلاله بأي موجب من موجباته الناتجة عن عقد الوديعة  كتقصيره في المحافظة على الشيىء مثلاً  وإنّما تقوم إذا اتّخذ إخلاله صورة الإعتداء على ملكية الشيىء باستيلائه عليه والتصرّف به وكأنّه مالكه .

وإذا لم يكن الهدف من التسليم المحافظة على الشيىء فلا تقوم إساءة الإئتمان بالإستيلاء على هذا الشيىء .

وإذا لم يكن ثمة التزام بالردّ عيناً ، فلا وجود لعقد وديعة أو أقلّه نكون في حالة        " وديعة ناقصة "  وبالتالي لا وجود لجرم  إساءة الإئتمان ، كما هي حالة وديعة النقود لدى المصرفي فهو لا يتوجّب عليه ردّ النقود المودعة عيناً وإنّما أن يردّ نقوداً من ذات النوع والمقدار ، وبالتالي لا تُعتبر " الوديعة الناقصة " وديعة في مدلول إساءة الإئتمان (يراجع  د. محمود نجيب حسني ، جرائم الإعتداء على الأموال ، مجلّد 2 ، منشورات الحلبي الحقوقية ، طبعة 1998 ، ص.550 والمراجع الفقهية التي يشير إليها ) .

  • أمّا عارية الإستعمال أو قرض الإستعمال فتُعرّف وِفق ما جاء في المادّة 729 من قانون الموجبات والعقود، بأنّها عقد بمقتضاه يسلِّم شخص (يسمّى المعير) شيئاً إلى شخص آخر (يُقال له المستعير) كي يستعمله لحين من الزمن أو لوجه معيّن بشرط أن يردّ إليه ذلك الشيىء نفسه ؛

يتّضح من التعريف أنّ عارية الإستعمال ترد على مال قيمي لا يهلك بالإستعمال بحيث يبقى المعير مالكاً للعارية وواضعاً اليدّ عليها في نظر القانون وليس للمستعير سوى الحيازة والإستعمال ؛

فإذا ما أنكر المستعير حقّ المعير في ملكية العارية خائناً بذلك الثقة التي وضعها فيه هذا الأخير ، فيكون قد ارتكب جريمة إساءة الإئتمان ؛

وتختلف عارية الإستعمال عن عارية أو قرض الإستهلاك في أنّ هذه الأخيرة ترد على نقود أو غيرها من المثليات بحيث تنتقل ملكيتها إلى المستعير (المادّة 759 موجبات وعقود) الذي عليه أن يردّ إلى المعير مقداراً يماثلها نوعاً وصفة ؛

وفي هذا النوع من العارية لا يمكن تصوّر قيام اعتداء من قبل المستعير على ما هو ملك له ، وبالتالي لا يمكن له أن يرتكب جرم إساءة الإئتمان ؛

 

النبذة الثانية : العنصر المادّي لجريمة إساءة الإئتمان .

 

لا شكّ في أنّ العنصر المادّي لجريمة إساءة الإئتمان يتمثّل في الفعل الجرمي الذي يسبب ضرراً للمجنى عليه ، وقد عبّر عنه المشترع في المادّة 670 / عقوبات بأنّه كتم الشيىء أو اختلاسه أو تبديده أو إتلافه أو تمزيقه ، كما عبّر عنه في المادّة 671 من القانون عينه بأنّه تصرّف بالمال أو المثليات ؛

وعلى الرغم من تعدّد الأفعال التي ذكرها المشترع إلّا أنّ لها مفهوم واحد وهو قيام  الفاعل بأعمال تهدف إلى تحويل حيازته الناقصة للشيىء إلى حيازة كاملة ، جاحداً بذلك حقّ المجنى عليه في ملكيته لهذا الشيىء وسلطاته عليه ؛  

ومن المعلوم أنّ العنصر المادي للجريمة لا يقوم بالفعل الجرمي لوحده بل يتوجّب أن ينتج عنه ضرر بالمجنى عليه ، أياً كان هذا الضرر مادياً أم معنوياً ، جسيماً أم يسيراً ، حالّاً أم محتملاً ؛

النبذة الثالثة : العنصر المعنوي لجريمة إساءة الإئتمان .

 

  • في جريمة المادّة 670/ عقوبات :

لا شكّ في أنّ هذه الجريمة هي جريمة قصدية ، والقصد العام يتطلّب علم الفاعل بأنّ الشيىء هو في حيازته الناقصة وهو ملك لغيره ويتوجّب عليه إعادته أو تقديمه أو استعماله في أمرٍ معيّن ؛

كما تتطلّب توقّع الفاعل الضرر المحقّق أو حتى المحتمل (المادّة 189/ عقوبات) الذي يترتّب على فعله ، ومن ثمّ اتّجاه إرادته إلى ارتكاب الفعل وتحقيق نتيجته أي إلى هدر حقوق المالك وإنزال الضرر به ؛

  • في جريمة المادّة 671/ عقوبات .

لقد أكّد المشترع أنّ العنصر المعنوي لهذه الجريمة  يتحقّق إذا كان الفاعل " يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم إنّه لا يمكنه إعادة مثلها " أي إنّ المشترع يعتبر إنّ الركن المعنوي في هذه الحالة يتحقّق بالقصد أو الخطأ على السواء ؛

فإذا كانت الجريمة قصدية فلا يختلف العنصر المعنوي فيها عن جريمة المادّة 670/ عقوبات ، أمّا إذا كانت غير قصدية ، فإنّ الإكتفاء بالخطأ إنّما يكون فحسب بالنسبة للنتيجة للجرمية ، بمعنى أنّ الخطأ يُعدّ متوافراً إذا كان في استطاعة الفاعل ومن واجبه – وقت تصرّفه بالمثليات المؤتمن عليها – أن يعلم بأنّه لا يمكنه إعادة مثلها عند إنذاره بذلك ؛    

الفصل الثاني : توصيف وتحليل فعل المدعى عليه  

 

 لمعالجة هذا الموضوع يقتضي في البدء تحديد الطبيعة القانونية لعقد فتح الحساب المصرفي  (البند الأول) ومن ثمّ بحث مدى توافر عناصر جريمة إساءة الإئتمان في فعل المدعى عليه (البند الثاني) .

 

البند الأول : الطبيعة القانونية لعقد فتح الحساب المصرفي أو الوديعة النقدية . 

 

النبذة الأولى : تعريف عقد الوديعة النقدية .

يُعرّف عقد فتح الحساب المصرفي بأنّه عقد بموجبه يودع العميل مبلغاً من النقد المُتعامل به  في مصرف مقبول ، وعلى أن يكون للمودع أن يستعيد ما يماثلها نوعاً ومقداراً سواء  كلياً او جزئياً  إمّا لدى الإطّلاع أو بحلول الأجل أو بعد إعلام مسبق حسبما يتّفق الفريقان ؛ 

 ويهدف المودع من عقد فتح الحساب المحافظة على نقوده من جهة والإستفادة من التسهيلات التي يؤمّنها له المصرف لناحية استخدام الأموال المودعة ، أمّا المصرف فيهدف إلى تأمين الأموال اللازمة للقيام بعمليات التسليف التي تحقّق له أرباحاً مرموقة .

    النبذة الثانية : الوديعة النقدية ليست وديعة عادية .

 الوديعة عقد يلتزم به شخص أن يتسلّم شيئاً منقولاً من شخص آخر على أن يتولّى حفظه وردّه عيناً  ، أمّا الوديعة النقدية  فهي لا تلزم المصرف بإعادة النقود عيناً إذ إنّ المصرف يكتسب ملكية النقود المودعة وحقّ التصرّف فيها  كيفما يشاء ولا سيّما في التسليف ، على أن يلتزم برد ما يماثلها نوعاً ومقداراً ، وقد نصّت المادّة 307 من قانون التجارة البرية على :" إنّ المصرف الذي يتلقّى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله " .

   النبذة الثالثة : الوديعة النقدية ليست وديعة شاذّة .

 يعتبر البعض ، ومنهم مصدّرة الحكم موضوع التعليق ، بأنّ الوديعة النقدية هي وديعة شاذّة أو  ناقصة أو استلاكية (Depot irregulier) وهي تلك التي يكتسب فيها الوديع ملكية الوديعة ولا يلتزم  إلّا بردّ مثلها ، ولوكان هذا التفسير صحيحاً :

  • لوجب خضوع الوديعة النقدية لقواعد أحكام الوديعة كافةً - باستثناء ملكية الشيىء المودَع - ، وبالتالي لامتنع إجراء المقاصّة بين موجَب الوديع وبين أي حق لهذا الأخير بذِمّة المودع ، ولكنّ المقاصّة جائزة ؛
  • إنّ الإلتزام بحفظ الوديعة يفرض على الوديع أن يحتفظ دائماً بشيىء مماثل لها حتى يكون على استعداد لردّه عند الطلب ، ولكن لا يمكن أن يُفرَض على المصرف بأن يحتفظ دائماً بمبالغ مساوية للمبالغ المودَعة لديه ، بل يجب أن تكون له حرّية التصرّف فيها واستخدامها في التسليفات وعقود الإئتمان ؛

ولذلك فإنّ الوديعة النقدية ليست وديعة شاذّة خلافاً لما جاء في الحكم موضوع التعليق.

(لطفاً يُراجَع  د.مصطفى كمال طه و د.علي بارودي ، القانون التجاري ، منشورات الحلبي الحقوقية ، طبعة 2001 ، ص637 )

النبذة الرابعة : الوديعة النقدية قرض (عارية استهلاك ) .

  والحقيقة أنّ الوديعة النقدية تُعتبَر قرضاً ، وتحديداً قرض استهلاك ، إذ عرّفته المادّة 754 من قانون الموجبات والعقود بأنّه عقد بموجبه يسلّم أحد الفريقَين إلى الفريق الآخر نقوداً أو غيرها من المثليات بشرط أن يردّ إليه المقترض في الأجل المتّفق عليه مقداراً يماثلها نوعاً وصفة ؛

ففي الوديعة النقدية يقرض المودع المصرف مبلغاً من النقود يستخدمها المصرف في إقراض عملائه ، وهذا هو عمل المصرف بإمتياز إذ إنّه يقترض ويقرض ؛

وإذا كان العمل قديماً قد جرى على وصف الوديعة النقدية بأنّها " عقد وديعة " ، فذلك لإعتبارات تاريخية ترجع إلى القرون الوسطى لدرء الحظر الديني على القرض ذي الفائدة ؛( يراجع د. مصطفى كمال طه و د.علي بارودي ، المرجع نفسه ، ص. 639 ) ؛

وقد أقرّ المشترع اللبناني صراحة هذا المنحى حين نصّ في المادّة 691 من قانون الموجبات والعقود على أنّه : " إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أشياء من المثليات ، وأُذِن للوديع في استعمالها ، عُدّ العقد بمثابة عارية استهلاك " أي قرض استهلاك ؛

وكذلك فعل المشترع المصري حين نصّ في المادّة 726 من القانون المدني المصري على أنّه إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود أو أي شيىء آخر مما يهلك بالإستعمال وكان المودع عنده مأذوناً له في استعماله اعتُبِر العقد قرضاً ؛

وقد طبّق الإجتهاد الفرنسي بصورة ثابتة المفهوم المذكور ، رغم عدم صراحة النصوص القانونية  الفرنسية ، معتبراً أنّ الوديعة المصرفية تشكّل عقد قرض استهلاك حقيقي بمفهوم المواد 1892 وما يليها من القانون المدني ، وذلك " لأنّ المصرف ليس ملزماً بإعادة الأموال المودعة بعينها ولكن مبلغاً  معادلاً لها  وبالتالي فهو عقد قرض وليس إيداعاً بمفهوم المادة 1915 من القانون المدني (الفرنسي) ؛ Cass. Com. 28 avril 2015 , n. 13-27.264

وقد أيّد غالبية الفقهاء الفرنسيين هذا الإتّجاه ، ، معتبرين أنّ الإيداع المصرفي ليس إيداعاً بالمعنى الحرفي للكلمة (المادّة 1915 من القانون المدني ) بل قرض استهلاك مقنّع ، أو"  sui generis"   أي ذو طبيعة خاصّة  ولكن يتمّ اعتباره قانوناً عقد قرض (G. Ripert , Droit commercial ) ويصف الفقيه Jean Carbonnier  عقد  الإيداع  المصرفي بأنّه  عقد " إيداع مزيّف ، faux depot " أمّا  Ph. Malaurie & L. Aynes في كتابهما " قانون الموجبات " فيعلّمان بأنّ إيداع النقود في أحد المصارف هو عقد قرض استهلاك بطبيعته ؛

   وهكذا يبدو جلياً إنّ عقد فتح الحساب المتكوّن بين فريقّي الدعوى ، ليس بعقد وديعة - عادية أو ناقصة - بل عقد إعارة أو قرض استهلاك ، وهو بالتالي ليس من بين عقود الإئتمان الواردة على سبيل الحصر في المادّة 670 / عقوبات والتي قد تؤدّي مخالفتها إلى إدانة المدعى عليه بجرم إساءة الإئتمان؛

وحيث إنّ وصف القاضي المنفرد العقد المذكور بالوديعة الإستهلاكية ، كمرحلة أولى ضرورية  لإدانة  المصرف المدعى عليه بجرم المادّة 670 / عقوبات ، مخالف للقانون مما يحتّم فسخه وردّ الدعوى في حال استئناف الحكم المذكور ؛

لم يكتفِ الحكم موضوع التعليق بمخالفة القانون لناحية الوصف القانوني لعقد فتح الحساب المصرفي ، بل خالف القانون أيضاً عندما أدان المدعى عليه بجرم المادّة المذكورة بمجرّد أنّه رفض إجراء تحويل مبلغ مالي من حساب المدّعية لديه إلى حسابها في مصرف آخر خارج لبنان بعد 17/10/2019 تاريخ بدء الأزمة المصرفية ، وبدون أن يبحث في مدى توافر عناصر الجرم المذكور في فعل المدعى عليه ؛

 

البند الثاني : مدى توافر عناصر جرم إساءة الإئتمان في فعل المدعى عليه .

 لجريمة إساءة الإئتمان وجهان هما : جريمة المادة 671  من قانون العقوبات و جريمة المادة 670 من القانون عينه .

النبذة الأولى : مدى توافر عناصر جرم المادّة 671/ عقوبات .

صحيح إنّ الحكم موضوع التعليق أدان المصرف المدعى عليه بجرم المادّة 670/ عقوبات وليس المادّة 671 منه ، ولكنّه اعتبر في إحدى حيثياته إنّ توصيف عقد فتح الحساب المصرفي بعقد وديعة استهلاكية  " يفتح المجال أمام تطبيق أحكام المادّتَين 670 و671 من قانون العقوبات على العلاقة بين المصرف والعميل " وتضيف الحيثية المذكورة بأنّه  " وبمعزل عن ذلك ، فإنّه يبقى بالإمكان اعتبار المصرف مسيئاً للأمانة في حال امتناعه عن إعادة الأموال لعميله بالرغم من إنذاره ، وذلك تفعيلاً لأحكام المادّة 671 من قانون العقوبات "

إنّ هذه الحيثية تخالف أحكام المادّة 671 / عقوبات لناحيتَين :

  • إنّ المادّة 671 لا علاقة لها بعقد الوديعة - رغم عدم صحّة وصف عقد فتح الحساب المصرفي بعقد وديعة – إذ إنّ عقد الوديعة محصور تطبيقه ، عند الإقتضاء ، بجرم المادّة 670/ عقوبات دون غيره .
  • إنّ المادّة 671/ عقوبات تُطبّق في حال جرى تسليم المال للقيام بعمل معيّن ، أي بموجب عقد من عقود المقاولة  أوالنقل  أوالخدمات المجانية .

والجدير ذكره أنّ المال التي طلبت المدّعية تحويله إلى حسابها المصرفي خارج لبنان لم يسلّم للمدعى عليه من أجل هذا العمل (التحويل) وإنّما كان موجوداً في حسابها المصرفي من قبل بموجب عقد قرض أو عارية استهلاك على ما صار بيانه أعلاه .

النبذة الثانية : مدى توافر عناصر جرم المادّة 670 / عقوبات .

لقد اعتبر الحكم  إنّ  " مجرّد الامتناع  غير المبرّر للمصرف المدعى عليه عن إجابة طلب المدّعية بتحويل أموالها إلى الخارج ، يؤدّي إلى اكتمال جرم إساءة الأمانة في وضعه " ، هكذا وببساطة مطلقة وبدون بحث مدى توافر عناصر الجرم المذكور في فعل المدعى عليه ؛

  • بالنسبة للعنصر القانوني ، فإنّ أياً من المادّتَين 670 أو 671/ عقوبات  لم تعتبر إنّ عقد القرض أو عارية الإستهلاك  هو من عداد عقود الإئتمان  ، وبالتالي لا يمكن  ارتكاب جريمة إساءة الإئتمان في معرض تنفيذ هذا العقد ، وعلى كل حال وإذا ما تجاوزنا مسألة الخطأ الحاصل في توصيف العقد التي جرى بحثها آنفاً ، يبقى إنّه كان على الحكم بحث مدى توافر العنصرين الآخرَين أي العنصر المادّي والعنصر المعنوي لأنّ تخلّف أي منهما يؤدّي إلى انتفاء تحقق الجرم موضوع البحث .
  • العنصر المادّي : وهو أي تصرّف يقوم به مستلم المال بهدف تحويل حيازته له من حيازة (ناقصة) لحساب ومصلحة من سلّمه إيّاه ، إلى حيازة كاملة مدّعياً ملكيته للمال  وجاحداً حقّ مالكه الحقيقي ، وهذا التصرّف عبّر عنه المشترع بالكتم او الإختلاس أو التبديد أو الإتلاف أو التمزيق ؛

فهل تصرّف المصرف المدعى عليه على النحو المذكور ؟ لم يبحث الحكم هذا الأمر ولكن مما لا شكّ فيه أنّ المصرف  المدعى عليه لمّ يدّعِ ملكيته لمال المدّعية ولم ينكره عليها وهو قد أبرز نسخة عن قيوده المحاسبية تظهر المبلغ المطلوب تحويله خارج لبنان رصيداً دائناً في حساب المدّعية ، فكيف يكون إذاً قد ارتكب جرم إساءة الإئتمان وهو ما يزال يقرّ ويعترف بحق المدّعية بما يماثل المال الذي سلمته له ؟

بل وأكثر من ذلك فالحكم لم يأخذ أيضاً بعين الإعتبار الشيكات المصرفية الصادرة عن المصرف المدعى عليه والتي تمثّل قيمة حساب المدّعية لديه والتي طلب إيداعها في صندوق المحكمة بعد إقفاله حساب المدّعية " لأنّ جرم إساءة الأمانة قد اكتمل في وضعه قبل قيامه بإقفال الحساب وعرض الشيكات " حسبما جاء في الحكم موضوع التعليق ؛

                 وإذا كان من الصحيح أن الشيك لا يبرىء ذِمّة المدين ما لم يقبض الدائن كامل قيمته                                                                                                       من المصرف المسحوب عليه ، على ما أشار الحكم موضوع التعليق ، إلّا أنّه من             الأكيد أنّ إصدار المصرف المدين للشيكات لمصلحة المدّعية  وعرضها عليها  ينفي عنه ارتكابه العنصر المادي لجريمة إساءة الإئتمان بحيث إنّه ينفى عنه كتم أو اختلاس أو تبديد أو إتلاف أو ....المال الذي سُلّم إليه ؛

                 والغريب في الأمر اعتبار الحكم أنّه بمجرّد رفض المصرف إجراء التحويل الخالمطلوب منه ، يكون قد ارتكب جرم إساءة الإئتمان ، حتى ولو لم ينكر المصرف أو يبدّد أو يختلس أو يكتم أو ... حقّ المدّعية بملكية ما يماثل المبلغ نوعاً ومقداراً ، فكيف يكون المصرف المدعى عليه قد ارتكب جرم إساءة الإئتمان دون أن يرتكب عنصره المادّي ؟

  • أمّا العنصر المعنوي لجرم المادّة 670/ عقوبات ، فيتمثّل بالقصد الجرمي العام من علم ومعرفة المدعى عليه بما يقوم به واتّجاه إرادته إلى تحقيق نتيجة فعله أي إلحاق الضرر بالمدّعي ، وضرر خاص يتمثّل بالإثراء غير المشروع على حساب المدّعي ، فكل هذه الأمور لم ييحثها الحكم المستأنف وقد أدان المصرف بالجرم المذكور دون التأكّد من أنّه يتوافر لديه العنصر المعنوي للجريمة المُدان بها ؛

وفي الحقيقة ، لم يقصد المصرف المدعى عليه إلحاق الضرر بالمدّعية ولا الإثراء على حسابها ، وما تصرّفه الموآخَذ عليه سوى نتيجة الأزمة المصرفية – النقدية التي عصفت بلبنان اعتباراً من 17/10/2019 حيث ابتدأت المصارف جميع المصارف وبتوجيه من مصرف لبنان من وضع قيود على عملية تحريك الأموال عبر سحبها أو تحويلها خارج لبنان ، ولولا ذلك لما بقي في المصارف اللبنانية أي عملة أجنبية وبالتالي لانهارت العملة اللبنانية إلى درجات أكثر بكثير مما وصلت إليه ولتعذّر استيراد الحاجات الضرورية للمجتمع اللبناني ؛ 

 ولا بدّ في هذا المجال من أن نشير إلى قرار المدّعي العام المالي الصادر مؤخرّاً في شهر تموز 2025 والذي طلب ممن حوّل أمواله إلى خارج لبنان بعد 17/10/2019 أن يعيد ما يماثلها قيمةّ إلى حسابه المصرفي الذي حُوِّلت منه ؛

في الخلاصة ، لم يكن الحكم في موفّقاً أو صائباً في  أي نقطة من نقاطه ، فقد أخطأ في الوصف القانوني لعقد فتح الحساب المصرفي فاعتبره وديعة استهلاكية وهو عارية إستهلاك (قرض) ، كما أخطأ في فهم موضوع جريمة إساءة الإئتمان فاعتبر الجريمة متوافرة لمجرّد أي مخالفة لبنود عقد إئتماني بينما الصحيح إنّ المخالفة يجب أن تنحصر فقط في قيام المدعى عليه بإنكار حقّ المدّعي  في ملكية الشيىء الذي استلمه منه ، كما خلط الحكم موضوع التعليق بين عناصر جرمَي المادّتَين 670 و 671/ عقوبات ولا سيّما لناحية صفات المال الواقعة عليه الجريمة ، كما تجاهل كليّاً العنصرَين المادّي والمعنوي للجريمة واستنكف عن بحث مدى توافرهما في فعل المدعى عليه ، ولو ألقى نظرة بسيطة على الموضوعَين المذكورَين لتبيّن له دون جهدٍ يُذكَر أنّ المصرف المدعى عليه يحوز المال حيازة كاملة وعلى سبيل الملكية وبالتالي لا يمكن له أن يرتكب جرم إساءة الإئتمان التي  فقط بإمكان من يحوز الشيىء حيازة ناقصة أن يرتكبها ، ولتبيّن له أيضاً إنّ المصرف لم يقصد الإثراء على حساب المدّعية وإلحاق الضرر بها ، بل جُلّ ما قام به كان ناتجاً عن الأزمة المصرفية - النقدية التي عصفت بلبنان اعتباراً من 17/10/2019 وما تزال مستمرّة حتى تاريخه . 

    رئيس قسم الدراسات والأبحاث في مكتب المحامي عزيز طربيه (EPTALEX)

د . الياس الشيخاني                                                                                                                                                                              أستاذ جامعي وقاضٍ سابق

 

                                                             

 

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 315 ك.بتحميل ↓