• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

صلاحية هيئات التحكيم بإصدار أوامر بمنع التقاضي

تمهيد:


في حكم حديث لمحكمة استئناف دبي الموقرة[1]  قضت المحكمة بإلغاء قرار صادر عن هيئة تحكيم بمنع أحد طرفي الدعوى التحكيمية من رفع دعاوى قضائية أمام أي محكمة أخرى فيما يتعلق بالمسائل التي تنظمها مذكرة التفاهم موضوع الدعوى التحكيمية. حيث رأت محكمة استئناف دبي الموقرة أن قرار هيئة التحكيم المنوه عنه ينتهك حق ذلك الطرف الدستوري والقانوني في اللجوء إلى القضاء، وأن النصوص القانونية المتعلقة بالإجراءات والتدابير التحفظية قد خلت من تخويل المحاكم أو هيئات التحكيم سلطة إصدار مثل هذا الأمر والمعروف فقهاً باسم "أمر منع من التقاضي" أو "Anti-suit Injunction".

 

والجدير بالذكر أنه طُعن على حكم الاستئناف المشار إليه بالتمييز[2]، وأصدرت محكمة التمييز الموقرة حكماً بنقض الحكم الاستئنافي والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لعدم الاختصاص.

 

وقد بررت محكمة التمييز حكمها بأن قانون التحكيم الاتحادي رقم 6 لسنة 2018م وتعديلاته كان قد نظم آلية إصدار الأوامر الوقتية والتحفظية وحصر نطاق الاختصاص بها بجهتين هما: رئيس محكمة الاستئناف أو الهيئة التحكيمية، فإذا صدر القرار من أحد الجهتين المشار إليهما، فإن التظلم من الأمر الوقتي أو التحفظي لإلغائه أو تعديله لا يستقيم إلا بتقديم طلب إلى ذات الجهة التي أصدرتها فقط (سواء كانت الهيئة التحكيمية أو رئيس محكمة الاستئناف) وهذه الجهة هي التي تملك وحدها تعديل أو إلغاء القرار، وبما أن القرار الوقتي كان قد صدر من هيئة التحكيم، فإن محكمة الاستئناف لا تملك الاختصاص بإلغائه أو تعديله، فأصدرت محكمة التمييز الموقرة حكمها بنقض حكم الاستئناف والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لعدم الاختصاص.

 

بناءً عليه، وعلى هامش هذه الواقعة القانونية الهامة، فإننا نتناول في هذه الورقة، بالتعليق والتحليل القانوني من وجهة نظرنا، الأسانيد القانونية التي يتبناها أصحاب الرأي القائل بعدم جواز إصدار هيئات التحكيم لأوامر المنع من التقاضي (Anti-Suit Injunctions)، كما نعرج أيضاً في هذا الخصوص على التطبيق الدولي والممارسات العملية لمثل هذه القرارات في فقه التحكيم لدى الأنظمة القانونية المختلفة، مع بيان خلاصة رأينا في المسألة محل النظر في ختام هذه الورقة..

 

  1. مدى اعتبار أمر المنع من التقاضي بمثابة إخلال بحق الأطراف في اللجوء إلى القضاء:

 

إن القول باعتبار أمر المنع من التقاضي بمثابة إخلال مطلق بالحق الدستوري في الشكوى واللجوء إلى القضاء[3] هو في رأينا أمرٌ محل نظر يستوجب بعض التأني والمراجعة من أجل نظرة أكثر شمولية، ذلك أن القانون يفرض على المحاكم التزاماً باحترام إرادة الأطراف في الاتفاق على التحكيم. ولذلك، فإنه يوجب على المحاكم القضاء بعدم قبول نظر الدعوى المرفوعة من أحد أطراف الاتفاق التحكيمي بعد استيفاء الشروط والضوابط القانونية ذات الصلة.

 

فلا يمكن القول بأن القضاء بعدم قبول الدعوى لوجود شرط تحكيم – الذي هو في حقيقته قضاء بعدم اختصاص المحاكم ولائياً بنظر الدعوى - يشكل إخلالاً بالحق الدستوري في الشكوى واللجوء إلى الجهات القضائية، وذلك لأسباب عدة، منها: أن مثل هذا القرار يصدر بعد رقابة قضائية للتحقق من صحة شرط التحكيم ونفاذه قانوناً، كما أن الرقابة القضائية تظل قائمة، وإن كانت في صور محددة، في مرحلة ما بعد إصدار القرار التحكيمي في صورة دعوى البطلان للتحقق من مشروعية القرار التحكيمي ذاته.

 

إذن فما هو الفارق بين صدور أمر المنع من التقاضي – Anti-suit Injunction - من الهيئة التحكيمية وبين إصدار المحاكم قراراً بعدم قبول الدعوى لوجود شرط تحكيم؟

 

إن الفارق الأساسي، من وجهة نظرنا، أن أمر المنع من التقاضي هو إجراء وقتي صادر عن هيئة التحكيم يستهدف منع الطرف المخل باتفاق التحكيم من رفع، أو مواصلة، الدعوى أمام المحاكم الرسمية وذلك لحين إصدار هيئة التحكيم قرارها التحكيمي النهائي، في حين أن قرار المحاكم بعدم قبول الدعوى لوجود شرط تحكيم يعد في حقيقته قضاءً بعدم اختصاص المحاكم بنظر الدعوى لثبوت اختصاص التحكيم بنظرها، وذلك كله – سواء أمر المنع من التقاضي الصادر عن هيئة التحكيم أو قرار المحاكم بعدم قبول الدعوى - التزاماً واحتراماً لاتفاق التحكيم المبرم بين الطرفين.

 

إذن، فأمر المنع من التقاضي قد يصدر في صورة إجراء احترازي يستهدف منع أحد الأطراف من الوقوع في مخالفة اتفاق التحكيم، كما أنه قد يصدر في صورة تدبير وقتي أو مستعجل يستهدف منع أحد الأطراف من الاستمرار في مخالفة اتفاق التحكيم، وهو ما يتفق في مضمونه مع الهدف النهائي من القرار الذي تصدره المحاكم بعدم قبول الدعوى لوجود شرط تحكيم والذي يتمثل كذلك في منع مخالفة اتفاق التحكيم، بل إن أمر المنع من التقاضي يسعى، في كثير الحالات، إلى وأد هذه المخالفة في مهدها، كما أنه يواجه حالات التعسف والإساءة في استعمال حق اللجوء إلى المحاكم بما يهدر موارد القضاء الرسمي ويستنزف نفقات وجهود أطراف الاتفاق التحكيمي.

 

يبقى أن نواجه احتمالية التعسف من قبل الجهة التحكيمية في إصدار أمر المنع من التقاضي، فلا يجوز أن يكون للتحكيم القول الفصل في أحقية أحد الأطراف في اللجوء إلى المحاكم وإلا كان ذلك إطلاقاً ليد التحكيم في مسألة بالغة الحساسية وتسليطاً لجهة التحكيم على القضاء الرسمي، وهو ما لا يجوز القول به.

 

لذلك، فإن رقابة القضاء على صحة أمر منع التقاضي الصادر عن هيئة التحكيم هو أمر لازم للاستيثاق من مشروعية هذا الأمر، وهذه المشروعية، لا تتحقق في نظرنا إلا بعد ثبوت ما يلي:
 

  • أن أمر المنع من التقاضي هو أمر وقتي تستلزمه ظروف الدعوى التحكيمية ذات الصلة لضمان فعالية العملية التحكيمية وحسن سير العدالة.
  • أن الشرط التحكيمي المبرم بين الطرفين هو شرط صحيح ونافذ، على الأقل من ظاهر الأوراق وبما تسمح به الطبيعة الوقتية لأمر المنع من التقاضي، وذلك من خلال التأكد من خلوه من العيوب الجوهرية التي قد تنال منه.
     

فتكون بذلك هذه الرقابة من جانب المحاكم حصناً من تعسف جهة التحكيم المحتمل في إصدار مثل هذه الأوامر ذات الطبيعة الإجرائية الهامة.

 

وقد نص قانون التحكيم الإماراتي على هذه الرقابة بموجب الفقرة الرابعة من المادة (21) من قانون التحكيم الإماراتي حينما قرر أن الأوامر والتدابير التي تصدرها هيئات التحكيم – مثل أمر المنع من التقاضي من وجهة نظرنا – تظل غير نافذة إلا بعد صدور أمر بتنفيذها من قبل المحكمة المختصة بناءً على طلب من الطرف صاحب المصلحة وبعد إعلان الطرف الآخر لتقديم رده ودفاعه في هذا الخصوص.

 

ولذلك، فإننا نرى أن إصدار هيئات التحكيم لأوامر المنع من التقاضي لا يخل، بالضرورة، من حق الأطراف الدستوري والقانوني في اللجوء إلى القضاء، طالما أن مثل هذا الأمر – كما هو الحال في قانون التحكيم الإماراتي – لا يكون نافذاً إلا بعد التحقق من مشروعيته من قبل المحكمة المختصة.


 

  1. المادة (21/1/ه) من قانون التحكيم الإماراتي باعتبارها سنداً قانونياً لإصدار هيئات التحكيم أوامر المنع من التقاضي:

 

إن قانون التحكيم الإماراتي، شأنه في ذلك شأن العديد من قوانين التحكيم الحديثة، مستوحى من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (UNCITRAL Model Law)، والذي يمنح هيئات التحكيم سلطة واسعة لإصدار تدابير مؤقتة أو تحفظية. وهذه التدابير تهدف بطبيعتها إلى ضمان فعالية إجراءات التحكيم ومنع أي طرف من عرقلتها.

 

ولا شك، فإن أحد أكثر الصور شيوعاً لعرقلة إجراءات التحكيم هي صور اللجوء إلى المحاكم بالمخالفة لاتفاق التحكيم سواء قبل أو بعد بدء الإجراءات التحكيمية، وهو ما سيؤدي في أغلب الأحيان إلى إرهاق الطرف الآخر وتكبيده العديد من النفقات غير الضرورية.

 

بل إن اللجوء إلى إجراءات قضائية بالتوازي مع الإجراءات التحكيمية وبالمخالفة لاتفاق التحكيم قد يؤدي في بعض الأحيان إلى عرقلة حقيقية لإجراءات التحكيم نتيجة لصدور بعض القرارات أو الأحكام القضائية الابتدائية في موضوع النزاع، وهي القرارات والأحكام التي قد تتعرض للإلغاء لاحقاً من قبل المحاكم العليا بسبب مخالفة قرارات المحاكم الأدني لقواعد الاختصاص وإخلالها باتفاق التحكيم المبرم بين أطراف النزاع.

 

لذلك، فإن إطلاق القول بمنع إصدار أوامر المنع من التقاضي سواء من قبل المحاكم أو هيئات التحكيم، إنما يُغل يد هيئات التحكيم – وكذا المحكمة الإشرافية Supervisory Court من باب أولى – من مواجهة هذا التعسف واللدد في الخصومة الذي قد يمارسه أحد أطراف الاتفاق التحكيمي ضد الآخر.

 

وعليه، فإن تقرير سلطة هيئات التحكيم في إصدار القرارات الوقتية، لاسيما بعض القرارات الصارمة مثل القرار بمنع التقاضي "anti-suit injunction"، إنما يهدف إلى الحفاظ على فعالية اجراءات التحكيم من جهة، ومنع الازدواجية في الإجراءات، وقطع الطريق على تشتيت أواصر النزاع بين المحاكم من جهة وهيئة التحكيم من جهة أخرى.

 

ولذلك فقد خوّلت المادة (21) من قانون التحكيم هيئات التحكيم سلطة إصدار واتخاذ "ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع"، وأوردت – على سبيل المثال لا الحصر – العديد من صور هذه التدابير، وهو ما يؤكد أن المشرع لا يستهدف تقييد سلطة هيئة التحكيم في اتخاذ أية تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع، بل يستهدف بحسب الأصل توسيع هذه السلطة، ضمن نطاق المشروعية، لضمان فعالية العملية التحكيمية. ولا شك أن أوامر المنع من التقاضي تمثل أداة هامة لدى هيئات التحكيم لضمان حسن سير العملية التحكيمية، طالما كان ذلك تدبيراً مؤقتاً خاضعاً لرقابة القضاء كما أسلفنا.

 

يؤكد ذلك أن الفقرة (1/هـ) من المادة (21) المشار إليها نصت على تخويل هيئة التحكيم – كمثال لأحد التدابير المؤقتة الممكن اتخاذها – سلطة "الأمر بالقيام بإجراء لمنع حدوث ضرر حال أو وشيك أو مساس بعملية التحكيم، أو الأمر بالامتناع عن القيام بإجراء يمكن أن يسبب الضرر أو المساس بالتحكيم"، وهو ما يعد – في رأينا – سنداً قانونياً لإصدار أوامر منع التقاضي وفق الضوابط المشار إليها سلفاً.

 

  1. تجنب إطالة أمد النزاع ومنع المماطلة:
     

إن الغرض من أمر المنع من التقاضي الذي قد تصدره هيئة التحكيم هو بالأساس منع التأخير في حل النزاع التحكيمي ومنع المماطلة في إجراءات التحكيم الجارية أمام هيئة التحكيم، وهذا الهدف، إذا ما استوفى أمر المنع من التقاضي شروط المشروعية الإجرائية، ينسجم تمامًا مع مبادئ التحكيم الرامية إلى تسوية المنازعات بكفاءة وسرعة. فالسماح بطرح ذات النزاع أو جزء منه أمام القضاء أثناء سريان اجراءات التحكيم في نفس الموضوع من شأنه أن يؤدي أحياناً إلى تضارب الأحكام وإطالة أمد النزاع، وهو ما يتعارض مع الغرض الأساسي من اتفاق الأطراف على التحكيم.

 

  1. احترام مبدأ "الاختصاص بالاختصاص: "

 

من وجهة نظرنا، فإن أمر المنع من التقاضي يضمن تطبيقاً سليماً لمبدأ "الاختصاص بالاختصاص" ((competence de competence في مجال التحكيم الدولي. إذ أن هذا المبدأ يعني أن هيئة التحكيم هي التي تملك السلطة الأولية لتحديد ما إذا كانت مختصة بنظر النزاع أم لا. لذا، فإن السماح لأحد الأطراف برفع نفس النزاع أمام القضاء – بعد اللجوء إلى التحكيم أولاً - فيه تجاهل لهذا المبدأ وهو أمر يُحَجِّم من سلطة هيئة التحكيم بغير مبرر.

 

بناءً على ما تقدم، يمكن القول بأن قرار هيئة التحكيم بمنع أحد أطراف الاتفاق التحكيمي من اللجوء إلى المحاكم بخصوص ذات المسائل محل التحكيم وموضوع الاتفاق التحكيمي أمام محاكم أخرى إجراءً مشروعًا وضروريًا له سنده القانوني إذا ما تم تفسير المادة (21/1/ه) تفسيراً يُسعُ مثل هذا الإجراء وذلك لضمان فعالية عملية التحكيم ومنع إطالة أمد النزاع، بل وبما يتسق مع الممارسات الدولية في مجال التحكيم، حتى وإن لم ينص عليه القانون الإماراتي صراحةً كإجراء محدد، ولكن يمكن استنتاجه من السلطة الواسعة الممنوحة لهيئات التحكيم لإصدار تدابير مؤقتة، لاسيما إذا ما تم تفسير الفقرة (ه) على النحو الذي ذكرناه آنفاً.

 

 

 

  1.  التطبيق الدولي لإجراء"Anti-Suit Injunctions"

 

الجدير بالذكر أن المحاكم في العديد من دول القانون العام (Common Law jurisdictions) تعترف – بحسب الأصل وفي حالات وشروط محددة - بسلطة هيئات التحكيم في إصدار أوامر «منع التقاضي» (anti-suit injunction)، كأثر من الآثار الرئيسية لاتفاقيات التحكيم، حيث يُنظر إلى هذه الأوامر على أنها تعزيز لفعالية اتفاقات التحكيم، وبما ينسجم مع اتفاقية نيويورك لعام 1958[4] ، حيث تضمن تلك الأوامر فعالية اتفاق التحكيم وتجنب مخاطر التضارب في أحكام القضاء.

 

  1. الموقف التقليدي (دول القانون المدني):
     

لا يعترف القانون الفرنسي ولا القانون المصري – بحسب ما هو شائع فقهاً - بنظام أوامر منع التقاضي "anti-suit injunctions" الصادرة عن المحاكم أو هيئات التحكيم بالمعنى الواسع الذي يمنع التقاضي أمام المحاكم الوطنية.

 

ويعتمد الموقف الرافض لسلطة هيئة التحكيم في إصدار أوامر منع التقاضي على مبدأ سيادة المحاكم الوطنية، وأن المحاكم هي الجهة الوحيدة المختصة بالنظر في الدعاوى المعروضة عليها، وأن اتفاق التحكيم لا ينزع اختصاص المحكمة إطلاقاً إلا إذا دُفع أمام المحكمة قبل الخوض في موضوع الدعوى بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق تحكيم قائم وملزم. 

 

وعلى الرغم من مبررات الموقف التقليدي، غير أن هناك نقاشات أكاديمية وقضائية واسعة حول مدى المرونة في قبول مبدأ أوامر منع التقاضي، خاصة مع تزايد تعقيدات دعاوى التحكيم الدولي والحاجة إلى حماية فعالية اجراءاتها.

 

وبغض النظر عن صحة إطلاق القول بأن القانون الفرنسي والقانون المصري لا يعترفان مطلقاً بنظام أوامر منع التقاضي، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أنه لا يمكن الاعتراف بأوامر المنع من التقاضي في أنظمة قانونية متنوعة مثل النظام القانوني لدولة الإمارات العربية المتحدة، خاصة وأن قانون التحكيم الإماراتي، وفق ما سبق بيانه، يسعى إلى مواكبة أفضل الممارسات الدولية في مجال التحكيم. وفيه من السعة ما يكفي لاحتواء مسألة قانونية مثل منع إجراءات التقاضي التعسفية.

 

الخلاصة:
الموازنة بين الحق في التقاضي وفعالية التحكيم:

 

وإنا نأمل، في هذه الورقة الموجزة، أن نكون قد سلطنا الضوء على جدل فكري وقانوني بين مدرستين في شأن مدى مشروعية ما صار معروفاً بأوامر المنع من التقاضي، حيث تستند واحدة، من ضمن أسانيد أخرى، على عدم جواز المساس بالحق الدستوري في اللجوء إلى المحاكم الرسمية كمبرر لرفض أوامر المنع من التقاضي، بينما ترى المدرسة الأخرى ضرورة ضمان فعالية اتفاقيات التحكيم والإجراءات التحكيمية بمنح هيئات التحكيم صلاحيات واسعة لإدارة إجراءات التحكيم بكفاءة وفعالية وبما يشمل صلاحية إصدار أوامر المنع من التقاضي وفق ضوابط وشروط محددة.

 

فالأنظمة القانونية التي تتبنى تأييد إصدار أوامر منع التقاضي ترى أن هذا لا يحرم الطرف من حقه في التقاضي بشكل مطلق، بل يوجهه إلى احترام التزاماته التعاقدية لاسيما اتفاق التحكيم، ومن ناحية أخرى، يُسمح للمحاكم الوطنية بالتدخل فقط في نطاق محدد للحفاظ على مبادئ المشروعية ومنع التعسف في استعمال سلطة إصدار أوامر منع التقاضي، أما أنظمة القانون المدني، فإنها في الغالب تميل إلى عدم الاعتراف بإمكانية إصدار أوامر منع التقاضي.

 

وفي سياق القانون الإماراتي، الذي يجمع بين عناصر من كلا النظامين (المدني والعام)، فإن هناك مجالًا للنقاش حول مدى سلطة هيئات التحكيم في إصدار مثل هذه الأوامر، وفق ما أسلفنا أعلاه، خاصة إذا كانت ضرورية لضمان فعالية اتفاق التحكيم واجراءاته ومنع سوء استغلال إجراءات التقاضي أمام المحاكم كوسيلة للمماطلة والتسويف.

 

بل إننا نرى أن نصوص قانون التحكيم الإماراتي بها من المرونة والفعالية ما يضمن لهيئات التحكيم سلطة إصدار أوامر منع التقاضي ويحقق في ذات الوقت الرقابة القضائية اللازمة لمنع التعسف في إصدار مثل هذه الأوامر والتأكيد من مشروعيتها قبل أن تكون نافذة في مواجهة الأطراف ذوي الصلة.
 

المؤلفون

 

 

 

د. حسن عرب
شريك والرئيس الإقليمي لقسم تسوية المنازعات
التميمي ومشاركوه

A person in a white shirt and white shirt

AI-generated content may be incorrect.

 

 

 

 

مصعب علي

مستشار أول

قسم تسوية المنازعات

التميمي ومشاركوه

هند المهيري

محام

قسم تسوية المنازعات

التميمي ومشاركوه

 

       
   
 
     

 

 

[1] الاستئناف رقم 8 لسنة 2025 بطلان حكم تحكيم بتاريخ 28/4/2025م

[2] الطعن رقم 657/2025 تجاري بتاريخ 3/7/2025م

[3] المادة 41 من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة

[4] اتفاقية نيويورك للاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لسنة 1958م

PDFالملف المرفقملف PDF · 484 ك.بتحميل ↓