قرار رقم 15/2025
صادر في 22 تموز سنة 2025
الطعن بالقانون رقم 11 الصادر بتاريخ 12/6/2025 (الإيجارات غير السكنية) المنشور في العدد /26/ من الجريدة الرسمية تاريخ 12/6/2025.
رقم المراجعة: 11/و/2025
ورود: 23/6/2025
المستدعون: النواب: وليد البعريني، أحمد رستم، اللواء أشرف ريفي، محمد سليمان، سجيع عطية، علي خريس، غازي زعيتر، قاسم هاشم، د. حسن الحاج حسن، حسن عز الدين، هاغوب ترزيان، أسامة معروف سعد وملحم محد الحجيري.
إنّ المجلس الدستوري،
الملتئم في مقرّه بتاريخ 22/7/2025، برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب وحضور الأعضاء القضاة: عوني رمضان، أكر بعاصيري، البرت سرحان، رياض أبو غيدا، فوزارت فرحات، ميشال طرزي، الياس مشرقاني وميراي نجم.
وبغياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة لدواعٍ صحّية.
بناء على المادة 19 من الدستور،
بعد الاطلاع على ملف المراجعة وعلى التقرير الوارد في 8/7/2025،
ولدى التدقيق والمذاكرة،
تبين أنّ النواب، الواردة أسماؤهم أعلاه، قدموا بتاريخ 23/6/2025، مراجعة طعن بالقانون رقم 11/و/2025 (الإيجارات غير السكنية) المنشور في العدد 26 من الجريدة الرسمية، تاريخ 12/6/2025، سجلت في قلم المجلس برقم 11/و/2025 بتاريخ ورودها، طالبين تعليق مفعول القانون فوراً لحين صدور القرار النهائي بإبطاله، وقبول المراجعة شكلاً لاستيفائها جميع الشروط الكلية وقبولها أساساً وإعلان عدم دستورية القانون موضوعها وإبطاله برمته وأدلوا بالأسباب التالية:
1- عدم دستورية النشر لتعارضه مع أحكام المادة 57 من الدستور.
2- عدم دستورية النشر لتعارضه مع مبدأ فصل السلطات المنصوص عنه في الفقرة "هـ" من مقدمة الدستور.
3- عدم جواز التشريع في ظل الشغور الرئاسي إلا للضرورة وليس بينها القانون المطعون فيه.
4- عدم جواز التشريع في ظل حكومة مستقيلة إلا للضرورة، وليس بينها القانون المشكو منه.
5- عدم جواز التشريع المفضي إلى تحرير الإيجارات غير السكنية في ظل الظروف الإستثنائية التي كان يمر بها البلد بتاريخ إقرار القانون ولاتي ما زالت قائمة حتى اليوم.
6- واستطراداً عدم جواز التشريع قبل إقرار الموازنة.
7- انتهاك "القانون" لمقدمة الدستور وللمادة 15 من الدستور من حيث حق الملكية.
8- انتهاك "القانون" للحقوق المكتسبة وهو مبدأ ذو قيمة دستورية.
9- انتهاك مقدّمة الدستور فيما خصّ "العدالة الاجتماعية" وفي الإخلال بالإستقرار الاقتصادي.
10- انتهاك مقدّمة الدستور والمادة 7 من الدستور فيما يتعلّق بالمساواة.
11- غموض القانون.
12- عدم مراعاة المصلحة العامة والانتظام العام والمبادرة الفردية.
13- عدم جواز تعديل أو الغاء في قوانين لاحقة، النصوص النافذة السابقة والضامنة لهذه الحقوق الأساسية في حل الملكية والتعويض عند استرداد أملاك خاصة وشرط المنفعة العامة استناداً الى المادة 15 من الدستور وللقانون 11/67.
14- مخالفة المادة 7 والفقرة "ج" من مقدمة الدستور وضرب المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون أيّ تمييز.
15- مخالفات القانون المطعون فيه، موجبات الدولة لجهة الالتزام بالإتفاقيات الدولية ومقدمة الدستور اللبناني والمبادئ الدستورية في المحافظة على حق الملكية وعدم التمييز بين المواطنين استناداً الى المادة 7 وفقرة "ج" و"و".
16- انتهاك مبدأ توازن المالية العامة ومبدأ حسن إدارة المال العام.
17- انتهاك مبدأ التوازن في العقود وحقوق الأطراف.
18- أن القانون المطعون فيه يؤدي الى فوضى كارثية وينتهك مبدأ المساواة أمام القانون (المادة 7 من الدستور) ويخلّ بمبدأ الأمن القانوني والاستقرار التشريعي ويخالف مبدأ الحقوق المكتسبة والثقة المشروعة.
19- مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ حق كل انسان أن يلجأ الى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه، استناداً الى المادة 20 من الدستور اللبناني، وللمادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان.
20- مخالفة الفقرة "و" من مقدّمة الدستور.
21- انتهاك القانون للفقرتين "ب" و"ج" من مقدّمة الدستور والمادة 7 من الدستور.
22- انتهاك القانون للمبادرة الفردية والعدالة الاجتماعية وانطواؤه على مخاطر التوطين.
23- انتهاك القانون للمبادرة الفردية والملكية الخاصة.
24- مخالفة أحكام المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان.
25- الخطأ الاسطع في التقدير والتشريع وانتهاك المصلحة العامة.
26- ضرب الاستقرار التشريعي.
وتبين أنّه بتاريخ 24/6/2025 حضر النائب سجيع عطية الى قلم المجلس وطلب تدوين رجوعه عن الطعن بموجب تصريح خطي ضمّ للملف،
وتبين أنه بتاريخ 8/7/2025 ورد التقرير وضمّ للملف.
بناءً عليه
أولاً: في الشكل:
حيث إنّ القانون المطعون فيه نشر في العدد 26 تاريخ 12/6/2025 من الجريدة الرسمية ووردت مراجعة الطعن في 23/6/2025 أي ضمن المهلة القانونية وهي موقعة من ثلاثة عشر نائباً ومستوفية سائر الشروط الشكلية فتقبل شكلاً.
ثانياً: في طلب الرجوع عن الطعن:
حيث إنّ الطاعن النائب سجيع عطية طلب في 24/6/2025 تدوين رجوعه عن الطعن،
وحيث إنّ مراجعة الطعن بدستورية القوانين ليس لها طابع شخصي لأنها تتعلق بالانتظام العام الدستوري، وبمجرد تسجيلها في القل لا يكون لطلب الرجوع أي مفعول ما يؤدي الى عدم قبوله.
ثالثاً: في الأساس:
1- في السببين الأول والثاني:
حيث إنّ الجهة الطاعنة تدلي بأنّ إصدار القانون ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 12/6/2025 جاء في غير محلّه الدستوري باعتبار أنّ مجلس الوزراء، بوكالته عن رئيس الجمهورية خلال فترة الشغور الرئاسي، قرّر رد القانون الى مجلس النواب، وأنّه لم يكن بإمكانه التراجع عن مرسوم الرد كما لم يكن بإمكان رئيس الجمهورية إصداره ما دام سبق وقرر وكيله ردّه، لإنّ رئاسة الجمهورية متى طلبت إعادة النظر بالقانون خرج من يدها ولم يعد بإمكانها إصداره إلّا إذا أصرّ عليه مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة من عدد أعضائه في قراءة ثانية للقانون،
وحيث يتبين أنّه بتاريخ 19 كانون الأول 2023، قرّر مجلس الوزراء وكالة عن رئيس الجمهورية إصدار القانون ولم يصدره بمرسوم، وبتاريخ 12/1/2024 أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 8 الذي قضى بالموافقة على إعادة القانون المطعون فيه الى مجلس النواب، وصدر المرسوم رقم 12835 إنفاذاً لهذا القرار الاخير،
وحيث إنّه بعد أن طُعن بالمرسوم 12835 أمام مجلس شورى الدولة الذي قرّر وقف تنفيذه، وجّه رئيس الحكومة كتاباً لمجلس النواب لاسترجاع نسخة القانون الأصلية الموقعة لنشره، فأعيدت بتاريخ 28/3/2025 أي بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، فاعتبر القانون نافذاً حكماً وصدر برقم 1/2025 بتاريخ 3/4/2025 ونشر في العدد 14 من الجريدة الرسمية بالتاريخ المذكور،
وحيث إنّه بتاريخ 20/5/2025 أصدر المجلس الدستوري، بنتيجة مراجعتي طعن بالقانون المذكور، القرار رقم 5/2025 بإعلان عدم نفاذ القانون لمخالفة نشره أحكام المادة 57 من الدستور، لأن إجراءات إصداره لم تراع أصولاً وبالتالي لا تكون مهلة الشهر قد انقضت،
وحيث إنه، انفاذاً لقرار المجلس الدتسوري رقم 5/2025 صدر القانون ايّاه موقعاً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة برقم 11/2025 بتاريخ 5/6/2025 ونشر في العدد 26 تاريخ 12/6/2025 من الجريدة الرسمية،
وحيث إنّ إصدار رئيس الجمهورية للقانون، برقمه 11 الجديد عملاً بقرار المجلس الدستوري، الملزم لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية وغر القابل لأي طريق من طرق المراجعة، يكون متوافقاً مع الدستور ولا يبقى من موجب للبحث في باقي ما أثير لجهة عدم دستورية النشر.
2- في أسباب الطعن الثالث والرابع والخامس مجتمعة:
حيث إنّ الطاعنين يدلون بعدم جواز التشريع في ظل الشغور الرئاسي ولا في ظل حكومة معتبرة مستقيلة إلا للضرورة، وليس بينها القانون المطلوب إبطاله، الأمر الذي يتعارض مع أحكام المادتين 74 و75 من الدستور والفقرة (هـ) من مقدمته ويخلّ بتوازن السلطات، وبعد جواز التشريع المفضي الى تحرير الإيجارات غير السكنية في ظل الظروف الاستثنائية التي كان يمرّ بها البلد بتاريخ إقرار القانون المطعون فيه والتي ما زالت قائمة حتى اليوم، وبعد جواز التشريع أثناء انعقاد العقد العادي الثاني للمجلس النيابي قبل التصويت على الموازنة عملاً بأحكام المادة 32 من الدستور،
وحيث إنّ الغاية من المادة 75 من الدستور هي إعطاء الأولوية لانتخاب رئيس للجمهورية وحث المجلس على الإسراع في هذا الانتخاب ومنعه من القيام بأي عمل أو مناقشة في الجلسة المخصصة للإنتخاب، أما الشؤون العامة الأخرى الداخلة في اختصاص مجلس النواب، فيمكن عرضها في جلسات أخرى لطرحها ومناقشتها وأخذ القرارات بشأنها.
وحيث إنّ تسيير شؤون المواطنين توجب التشريع في فترة الشغور الرئاسي ولو حصل في ظل حكومة تصريف أعمال، لا سيما أن الفقرة الثالثة من المادة 69 من الدستور نصّت على أن مجلس النواب، عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، يصبح حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، ويكون له بهدف تأمين سير المرفق العام حق التشريع في مختلف المواضيع، والقول بخلاف ذلك يؤدي الى شلل في عمل السلطات وتعطيل المرافق العامة. (قرار المجلس الدستوري رقم 6/2023 تاريخ 30/5/2023)،
وحيث إنّ القانون المطعون فيه يتضمّن حصراً تنظيم علاقة المؤجرين بمستأجري الأماكن غير السكنية لفترة انتقالية معقولة تسبق تحرير تلك الإيجارات من عبء القانون الإستثنائي الإلزامي وإخضاعها لحريّة التعاقد، كما جاء في الأسباب الموجبة للقانون، ولا صلة بين أوضاع البلد الاقتصادية أو المالية التي يصفها الطاعنون بالإستثنائية، وموضوع القانون المطعون فيه، وبالتالي لا يكون لأوضاع البلد الإقتصادية تأثير على مدى دستورية القانون المطعون فيه، فضلاً عن أنّ البحث في ملاءمة القانون للوضع الاقتصادي يخرج عن اختصاص القضاء الدستوري،
وحيث إنّ المادة 32 من الدستور نصت على أنّ العقد الثاني العادي لاجتماعات الملجس النيابي المبتدئ يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من شهر تشرين الأول والذي يدوم الى آخر السنة تخصّص جلساته بالبحث في الموانة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر.
وحيث إنّ الغاية من هذا النص الدستوري هي إيلاء الأولوية للبحث في الموازنة والتصويت عليها نظراً لأهميتها ومكانتها في انتظام مالية الدولة العامة وانتظام مؤسساتها وليس في نص المادة 32 المذكورة ما يشير الى أن نية المشترع ذهبت الى منع المجلس النيابي من التشريع بالمطلق قبل إقرار الموازنة،
وحيث إنّ القول بمثل هذا المنع يصطدم بمبدأ سيادة التشريع الذي يرتكز عليه النظام الديمقراطي البرلماني المنصوص عليه في الفقرتين "ج" و"و" من مقدمة الدستور، والذي يفيد بأن للمشترع سلطة أصلية ومطلقة في سنّ القوانين، والذي يقتضي تطبيقه بشكل يتواءم مع سائر النصوص والمبادئ الدستورية ذات الصلة من أجل إنتاج كامل مفاعيله،
وحيث سنداً لما تقدم يقتضي رد أسباب البطلان المسندة الى مخالفة المواد 32 و74 و75 من الدستور والفقرة "هـ" من مقدمته لعدم صحتها.
3- في أسباب الطعن السابع والثامن والثالث عشر والخامس عشر والثاني والعشرون والثالث والعشرين مجتمعة:
حيث إنّ الطاعنين يدلون تأييداً لهذه الأسباب بأن القانون المطعون فيه خالف أحكام المادة 15 من الدستور الي نصّت على أن الملكية هي في حمى القانون ولا يجوز أن يُنزَع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون بعد تعويضه عنه تعويضاً عادلاً، كما أنّه خالف أحكام الفقرة (و) من مقدمة الدستور التي نصّت على أن النظام الإقتصادي حرّ، يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة، كما أنّه انتهك الحقوق المكتسبة ذات القيمة الدستورية المكرّسة في المرسوم الإشتراعي رقم 11/67 تاريخ 11/7/1967 المتعلق بالمؤسسة التجارية وبقوانين إيجارات الأماكن التجارية المتلاحقة منذ عقود من الزمن، وبأنه لا يستقيم تعديل أو إلغاء النصوص النافذة والضامنة لحق الملكية والتعويض عن استردادها للمنفعة العامة بموجب قوانين لاحقة، الأمر الذي يشكّل مخالفة لأحكام المادة 15 من الدستور ولأحكام المرسوم الإشتراعي رقم 11/67، وبأنّ القانون المطعون فيه خالف موجبات الدولة الإلتزام بالإتفاقيات الدولية ومقدمة الدستور والمبادئ الدستورية في المحافظة على حق الملكية وعدم التمييز بين المواطنين استناداً الى المادة 7 من الدستور والفقرتين (ج) و(و) من مقدمته، كما أنه غيّر في الإتفاقيات المعقودة بحريّة، ما يفضيب الى بطلان تعديل طريقة احتساب الزيادات على بدلات الإيجار،
وحيث إنّ الطاعنين يدلون أيضاً بأن تحرير عقود الإيجار التجارية الذي اعتمده القانون المطعون فيه ينطوي على ضرب للملكية الخاصة التجارية لأن إيجار الأماكن المذكورة يشكل أحد عناصر المؤسسة التجارية التي يملكها المستأجر، وأن إسقاط هذا العنصر يُعَد انتهاكاً صارخاً للملكية التجارية العائدة للمستأجر،
وحيث إنّ الماد الاولى من المرسوم الإشتراعي رقم 11/67 عرّفت المؤسسة التجارية بأنها أداة المشروع التجاري وهي تتألف أصلاً من عناصر غير مادية، وتبعياً من عناصر مادية يرمي جمعها وتنظيمها لممارسة مهنة تجارية لا تتّسم بطابع عام. وتُعتَبر المؤسسة التجارية مشتملة على الإسم التجاري والشعار وحق الإيجار والزبائن والمركز التجاري وغيرها من العناصر،
وحيث إنّ المادة الثانية من المرسوم الإشتراعي إياه نصت على أن حقوق صاحب المؤسسة تحدَّد بالنسبة لكل من عناصرها بالقوانين الخاصة المتعلّقة بهذه العناصر وبالمبادئ القانونية العامة،
وحيث إنّ حق الأيجار الذي يُعتبَر أحد العناصر غير المادية للمؤسسة التجارية يستمد كيانه ووجوده من عقد الإيجار الأساسي الجاري بين مالك العقار- المؤجر- والمستأجر الراغب في إنشاء المؤسسة التجارية في مأجوره لتكون أداة لمشروعه التجاري،
وحيث إنّ حق الإيجار الذي يدخل في تكوين المؤسسة التجارية الى جانب سائر عناصرها يبقى في مطلق الأحوال خاضعاً لشروط وضوابط عقد الإيجار الأساسي الجاري بين المؤجر مالك العقار والمستأجر صاحب المؤسسة التجارية، ولا يستقيم الزعم بأنّ حق الإيجار باعتباره أحد عناصر المؤسسة التجارية "يتفلّت" من ضوابط عقد الإيجار الأساسي ويمسي مستقلاً عنه ويعطي صاحب المؤسسة التجارية حقاً مطلقاً بالتصرّف به تصرّف المالك بملكه بمعزل عمّا نصّت عليه المادة 2 من المرسوم الإشتراعي رقم 11/67،
وحيث إنه يترتّب على ما تقدّم أنّ القانون المطعون فيه الذي حدّد موعداً زمنياً معقولاً لإنهاء التمديد القانوني الإلزامي لعقود الإيجار غير السكنية وفق آلية تنفيذ غير مرهقة لفريقي عقد الإيجار والعودة الى حرّية التعاقد، لم يخالف أحكام الدستور ولا المبادئ والنصوص ذات القيمة الدستورية الأمر الذي يفضي الى رد جميع هذه الأسباب المثارة.
4- في أسباب الطعن التاسع والثاني عشر والسادس عشر مجتمعة:
حيث إنّ الطاعنين يعيبون على القانون المطعون فيه انتهاكه الفقرة (ج) من مقدمة الدستور في ما خص العدالة الإجتماعية وإخلاله بالإستقرار الإقتصادي باعتباره ضرب فئة إجتماعية كاملة متمثلة بقدامى المستأجرين التجار الذي يفتقدون أي ضمانات إجتماعية أو تعويضات نهاية خدمة، ما يشكّل ظلامة كبرى وانتهاكاً للحق الدستوري في العدالة الاجتماعية، وإن الزيادة الخيالية في بدلات الإيجار بنسبة 8% من القيمة البيعية للمأجور تُعتَبر ظالمة وستقود الى إقفال الكثير من المؤسسات وكذلك الأمر بالنسبة لمضاعفة بدلات الإيجار المنصوص عليها في المادة 12 من القانون المطعون فيه، فضلاً عن أنّه لم يراعِ المصلحة العامة والإنتظام العام والمبادرة الفردية وينبغي في الظروف الإستثنائية الراهنة الناجمة عن أوضاع اقتصادية ومعيشية مأزومة إيجاد توازن في العلاقة بين حق الملكية الخاصة من جهة أولى وضرورة الحفاظ على الإنتظام العام ذي القيمة الدستورية من جهة ثانية والمبادرة الفردية من جهة ثالثة،
وحيث إنّ القانون المطعون فيه حدّد مهلة زمنية معقولة وآلية تنفيذ لوضع حدّ نهائي للتمديد القانوني الجبري لجميع عقود الإيجار غير السكنية السائد منذ عشرات السنوات خلافاً لمشيئة المتعاقدين بهدف إعادتها الى كنف التعاقد الحر وقاعدة العرض والطلب المعمول بها في النظام الإقتصادي الحر الضامن للمبادرة الفردية وللملكية الخاصة والمكرّس في الفقرة (و) من مقدمة الدستور، كما جاء في الأسباب الموجبة للقانون، ولم ينهض فيه أي مسٍّ ظاهر بالعدالة الإجتماعية وبالإستقرار الإقتصادي وبفقدان التوازن في العلاقة بين حق الملكية الخاصة والمبادرة الفردية والحفاظ على الإنتظام العام، مع التنويه بأن نِسَب الزيادات القانونية على البدلات لا تخضع لرقابة المجلس الدستوري طالما أنها غير فاحشة وتبقى خاضعة لتقدير المجلس النيابي في ضوء المعطيات الإقتصادية والمالية والإجتماعية الراهنة، الأمر الذي يوجب رد هذين السببين لعدم صحتهما.
5- في أسباب الطعن العاشر والرابع عشر والسابع عشر والثامن عشر والواحد والعشرين مجتمعة:
حيث إنّ الطاعنين يعيبون على القانون المطعون فيه انتهاكه الفقرتين (ب) و(ج) من مقدّمة الدستور ومادته السابعة في ما يتعلّق بالمساواة التي تعني أن لا تستفيد جماعة من منفعة مبالغ فيها وأن تتعرّض جماعة أخرى لضرر مبالغ فيه من قانون عام، كما أنّ المادة 3 من القانون المطعون فيه أعطت الحق للمالك منفرداً بممارسة خياره بإبقاء صاحب المؤسسة في مؤسسته سنتين أو أربع سنوات دون إعطاء حق الخيار ذاته للمستأجر، كما أنه انتهك مبدأ التوازن في العقود وحقوق الأطراف وأخلّ بمبدأ الأمن القانوني والإستقرار التشريعي وخالف مبدأ الحقوق المكتسبة والثقة المشروعة باعتبار أنه لم يتضمّن في بنوده معالجة سدّ الفراغ القانوني عن الفترة الممتدّة من 30/6/2022 التاريخ الذي ينتهي معه آخر تمديد وحتى تاريخ نفاذ القانون الجديد،
وحيث إنّ القانون المطعون فيه، يرمي الى تنظيم العلاقة التعاقدية خلال مرحلة وجيزة، بإعادتها الى طبيعتها الحرة التي تتوافق مع النظام الإقتصادي الحرّ المسند الى المبادرة الفردية وحرّية التعاقد وضمان الملكية الخاصة والمكرّس في الفقرة (و) من مقدمة الدستور ولا يكون قد انتهك مبدأ المساواة في الحقوق والموجبات بين المواطنين المنصوص عليه في الفقرة (ج) من مقدمة الدستور والمادة السابعة منه،
وحيث بالنسبة للمادة الثالثة من القانون فإن الفقرة "أ" منها تنصّ على ما يلي:
أ- "تمدّد الإجارة في الأماكن غير السكنية لمدة أقصاها أربع سنوات من تاريخ نفاذ هذا القانون في حال طالب المؤجر بالزيادات التدريجية على بدل الايجار المحددة في المادة السادسة من هذا القانون، وبعدها تصبح الاجارة حرّة وخاضعة لإرادة المتعاقدين".
وحيث إن تحديد المؤجر للإجارة لمدة سنتين فقط في الفقرة "ب" يعوضه تنازله عن حقه بالزيادة المنصوص عليها في المادة "6" من القانون، فتكون الفقرة "أ" أوجدت توازناً بين حقوق الفريقين في عقود الايجار الممدة بموجب القانون المطعون فيه،
وحيث تبعاً لما تقدم لا يكون القانون المطعون فيه قد انتهك مبدأ التوازن في العقود أو حقوق أطرافها أو مبدأ المساواة،
وحيث إنّه، وإن وُجد فرَضاً فراغ تشريعي بين تاريخ انقضاء مفعول قانون الإيجارات الإستثنائي الأخير والقانون الحاضر المطعون فيه، فإنّ هذا الفرغ يبقى بدون تأثير على مدى دستورية القانون الحاضر الذي يُعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية في 12/6/2025 وبمعزل عمّا سبقه، ويعود للمجلس النيابي أن يسدّ هذا الفراغ القانوني بالتشريع الملائم عند الإقتضاء، الأمر الذي يقتضي معه رد الأسباب المدلى بها لعدم صحتها.
6- في سبب الطعن الحادي عشر:
حيث إنّ الطاعنين يدلون بأن القانون المطعون فيه يشوبه الغموض، ما يجعله غير واضح وغير مفقوه ويفسح المجال لتطبيقه بشكل استنسابي لا سيما في ضوء تشعّب بعض مواده التي احتوت على العديد من الفقرات، وأن المادة 12 غير واضحة على الإطلاق وقد تجعل بدل الإيجار مضاعفاً الى 16% بدلاً من 8% للأماكن المؤجرة من الدولة، كما أنّ الغموض يكتنف الفقرة (د) من المادة 10 لجهة تحديد نسبة التناقص في تعويض الاسترداد، ما يجعلها قابلة لتأويلات متضاربة وتفسيرات متناقضة تؤدي الى تطبيقها بطريقة تعسّفية تميّز بين المواطنين، الأمر الذي يؤول الى اعتبار القانون غير دستوري لتعارضه مع مبدأ المساواة أمام القانون وحق الأفراد في معرفة الحقوق والواجبات المترتبة عليهم بنصوص قانونية واضحة،
وحيث إن المادة 12 من القانون المطعون فيه جاءت في سياق ما يُعرَف بنظام "البدل العادل" المكرّس في قوانين الإيجارات الإستثنائية المتعاقبة،
وحيث إنّه، وبالرجوع الى أحكام المادة 12 من القانون المطعون فيه، لم يتبين أن هناك التباساً أو غموضاً في صياتها التي جاءت في سياق تكريس "نظام البدل العادل" المعمول به في جميع قوانين الإيجارات الإستثنائية المتعاقبة ولغاية القانون الراهن المطعون فيه، كما أنّ ليس ثمّة التباساً أو غموضاً عند تطبيق أحكام المادة 12 وعطفها على أحكام المادة 6 من القانون إياه التي حدّدت نسبة الزيادات القانونية على سائر عقود الإيجار غير السكنية، طالما أنّ "حالات مضاعفة بدلات الإيجارات" جاءت بصورة مستقلة عن الزيادات القانونية المنصوص عليها في المادة "6" ما يجعل طلب ابطالها في غير محله ومستوجب الرد،
وحيث إنّه من جهة أخرى، وفي ما يتعلّق بالطعن المساق ضد الفقرة (د) من المادة 10 من القانون المطعون فيه، يتبدّى بالرجوع الى نص هذه الفقرة أنها قصدت عقود الإيجار الممددة لأربع سنوات بموجب الفقرة (أ) من المادة 3 من القانون ذاته دون تلك الممددة لسنتين بموجب الفقرة (ب) من المادة 3 المذكورة، بحيث ذكرت أنّ التعويض الذي يستحق للمستأجر يتناقص نسبياً مع المدة المتبقية من المهلة التمديدية "أي بمعدّل الربع عن كل سنة انقضت من الفترة التمديدية"،
وحيث إنّ صياغة الفقرة (د) من المادة 10 المذكورة جاءت ملتبسة وغير واضحة إذ أنها تستبعد من أحكامها عقود الإيجار الممددة لسنتين وذلك بدون مبرّر منطقي أو قانوني، الأمر الذي يؤول الى خلق التباس واضح وعدم فقه وغموض حول تحديد نسبة التناقص التي تصيب تعويض الإسترداد بالنسبة للإيجارات الممدّدة لسنتين،
وحيث إنّ صياغة الفقرة (د) المذكورة جاءت غامضة وملتبسة وغير قابلة للتطبيق بشكل واضح وعادل وثابت على فئة المستأجرين الممدّدة عقودهم لسنتين بموجب المادة 3 من القانون المطعون فيه، الأمر الذي يوجب إبطالها لمخالفتها مبدأ وجوب أن يكون النص التشريعي قابلاً للفقه وواضحاً. (يراجع قرار المجلس الدستوري رقم 3/2002 تاريخ 15/7/2002 والقرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005).
7- في سبب الطعن التاسع عشر:
حيث إنّ الطاعنين يدلون تحت هذا السبب بأن المادة 20 من الدستور والمادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فرضتا أن تكون المحاكمة علنية ووجاهية وأن تنظر بها محكمة الأساس على درجتين ليتمكّن المواطن من الدفاع عن نفسه وعن أمواله، وبأن المادة 5 من القانون المطعون فيه نصّت بأن المحاكمات تتمّ بطريقة غير وجاهية في مرحلة تعيين الخبراء لتحديد بدل المثل بحيث يصدر القرار في غرفة المذاكرة بدون مراعاة مبدأ العلنية والوجاهية في المحاكمة وهي أخطر مرحلة في دفاع مالكي المؤسسات التجارية عن حقوقهم وتناقض أصول المحاكمات المدنية وقانون التجارة، وبأنّ المادة 8 من القانون المطعون فيه نصّت على طرد المستأجر بعد انقضاء فترة الإيجار عبر قضاء الأمور المستعجلة بأمر على عريضة دون دعوة الطرفين وعلى درجة واحدة خلافاً لما أوجبته المادة 20 من الدستور والمادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،
وحيث إنّ المادة 20 من الدستور والمادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصّتا على حق كل شخص في اللجوء الى المحاكم لإنصافه من أية أعمال تنتهك حقوقه وفقاً لنظام قانوني يحفظ له الضمانات اللازمة،
وحيث إنّه بالعودة الى البند ثانياً من المادة 5 من القانون المطعون فيه، يتبين أنها نصّت على آلية قضائية وجاهية وعلنية متكاملة من أجل تحديد بدل المثل، في حال عدم توصّل المؤجر والمستأجر الى اتفاق رضائي على تحديده، بحيث يكون لأي من الفريقين أن يستحضر الآخر أمام القاضي المنفرد المختص مكانياً الناظر بقضايا الإيجارات الذي يقوم بتعيين خبير وتكليفه بتحديد بدل المثل، وعلى أن تخضع الخبرة للأصول الوجاهية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية، وعلى أن يبلَّغ التقرير فور وروده من الفريقين للتعليق عليه، وبعد اختتام المحاكمة للقاضي أن يصدر حكمه ضمن مهلة شهر واحد وهو قابل للإستئناف،
وحيث إنّ الفقرة الأخيرة من المادة 8 من القانون المطعون فيه التي نصّت على طرد المستأجر الذي يبقى شاغلاً المأجور بدون مسوّغ شرعي بواسطة قاضي الأمور المستعجلة بموجب أمر على عريضة لم تلغِ حق الدفاع الذي كرّسه قانون أصول المحاكمات المدنية للمتضرّر من أمر على عريضة الصادر بحقّه وذلك بسلوكه طريق الإعتراض على هذا الأمر بوجه المستفيد منه وفقاً للأصول النزاعية التي تضمن له سلوك سائر طرق المراجعة المتاحة قانوناً،
وحيث إن القانون المطعون فيه لم يخالف بشيء المادة 20 من الدستور ولا المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يؤول الى رد هذا السبب لعدم قانونيته.
8- في أسباب الطعن الرابع والعشرين والخامس والعشرين والسادس والعشرين مجتمعة:
حيث إنّ الطاعنين يدلون ببطلان القانون المطعون فيه لمخالفته أحكام المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولأنه صدر بنتيجة خطأ ساطع في تقدير انعكاساته السلبية على الإقتصاد والمجتمع، أو بالإستناد الى معلومات ومعطيات مغلوطة أو ابتغت مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة، ولأنه ضرب الإستقرار التشريعي،
وحيث إنّ المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصّت على حق كل شخص في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ويتضمّن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبّية وكذلك الخدمات الإجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمّل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته،
وحيث إن القانون المطعون فيه اقتصر على تنظيم علاقة المؤجر بالمستأجر في ما يعود للأماكن غير السكنية ولم يتطرّق في أي من فقراته الى وسائل عيش المستأجر ورفاهيته أو الى آلية المحافظة على صحّته الجسدية أو النفسية، فيكون الطعن لهذه الجهة في غير محلّه ومستوجب الرد،
وحيث إن الأخذ على القانون صدوره نتيجة خطأ فادح في تقدير نتائجه السلبية على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي أو بالإستناد الى معطيات ابتغت مصالح خاصة يستوجب ايضاً الرد إذ من المفترض أنّ يكون المشترع قد أقرّ القانون وفق الآلية العادية بعد مناقشته في اللجان البرلمانية المختصة في ضوء الأوضاع المالية والإقتصادية والإجتماعية السائدة، علماً أن مسألة البحث في مدى ملاءمة التشريع تخرج عن اختصاص المجلس الدستوري.
وحيث إنّ الادلاء بضرب القانون المطعون فيه الإستقرار التشريعي لا يقع في موقعه الصحيح باعتبار أنّ القانون المذكور تناول تنظيم المرحلة الإنتقالية الممهّدة لتحرير عقود الإيجار غير السكنية من عبء القوانين الإستثنائية السابقة ليصار ضمن مهل معقولة الى إخضاعها لحرية التعاقد ومشيئة المتعاقدين إنفاذاً للفقرة (و) من مقدمة الدستور التي كرّست النظام الإقتصادي الحر وكفلت المبادرة الفردية والملكية الخاصة، الأمر الذي يقتضي معه رد هذا السبب الأخير لعدم صحته.
لهذه الأسباب
يقرّر بالأكثرية:
أولاً: في الشكل
1- عدم قبول طلب الرجوع عن الطعن المقدم من النائب سجيع عطية.
ثانياً: في الأساس
1- إبطال الفقرة (د) من المادة 10 من القانون المطعون فيه.
2- رد سائر الأسباب المثارة في مراجعة الطعن.
3- ابلاغ هذا القرار من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية.
قراراً صدر في الحدث بتاريخ 22/7/2025
ميراي نجم
الياس مشرقاني
(مخالف)
فوزات فرحات
ميشال طرزي
رياض أبو غيدا
ألبرت سرحان
أحمد أكرم بعاصيري
نائب الرئيس
عمر حمزة
أمين السرّ
عوني رمضان
الرئيس
طنوس مشلب
نشر هذا القرار في عدد الجريدة الرسمية رقم ... تاريخ ../../2025.
مخالفة عضو المجلس الدستوري
القاضي الياس مشرقاني
رقم المراجعة: 11/و/2025
القانون المطعون فيه: رقم 11، تاريخ 12/6/2025 (الإيجارات للأماكن غير السكنية)
موضوع المخالفة: القرار رقم 15/2025 تاريخ 22/7/2025.
لما كانت طبيعة المراجعات أمام المجلس الدستوري تفرض عدم التقيّد في النظر بالنصوص القانونية المطعون في دستوريتها وحسب، إنما التصدي للقانون برمته، وبالتالي ممارسة الرقابة الدستورية الشاملة عليه،
ولما كانت مراجعة الطعن بدستورية القانون ليست مراجعة شخصية بل تتعلق بالإنتظام العام الدستوري المرتبط بكل قانون يصار إلى إقراره وإصداره، فيكون من واجب المجلس الدستوري أن يضع يده عفواً على كل مخالفة لأحكام الدستور بدون أن يتقيّد بمطالب المستدعين حصراً،
(قرار المجلس الدستوري رقم 23/2019)
ولما كان المقصود بالدستور هو معناه الواسع أي ليس النص المكتوب حصراً بل أيضاً مجموعة القواعد والمبادئ التي لها قيمة دستورية والتي تشكّل مجتمعة ما يعرف بالكتلة الدستورية Bloc de constitutionnalité،
ولما كان انطلاقاً من هذه المسلّمات يقتضي مخالفة رأي الأكثرية في ما ذهبت إليه في قرارها وفي النتيجة التي توصلت إليها، وذلك بالإستناد إلى ما يلي:
لما كان، تحت عنوان "الأسباب الموجبة" للقانون المطعون فيه، وصف المشرّع الواقع بما حرفيته:
"بعد أكثر من خمسين عاماً على إصدار قوانين إيجارات إستثنائية شكّلت إنتهاكاً فاضحاً لحق الملكية المقدس المصون بأحكام الدستور والمواثيق الدولية".
ولما كان قرار المجلس الدستوري رقم 6/2014 قد تناول قانون الإيجارات للأماكن السكنية بتأكيد التالي:
"وما حصل طيلة أكثر من سبعين سنة هو تعسّف مستمر في الحد من حق الملكية من خلال قوانين استثنائية متمادية التعرّض لحرية التعاقد...
وبما أنّ ما يحد من حق الملكية هو المصلحة العامة التي تشمل حصراً، في ما يتعلق بالملكية: القواعد العقارية والهندسية في الفرز والضم والبناء، والإستملاك لقاء تعويض عادل ولصالح إنشاءات عامة، وقواعد التنظيم المدني، والسلامة العامة، وحماية الإرث المعماري والثقافي، والتقيّد بالانظمة البلدية في الصيانة والترميم، وبالتالي ليس الحدّ من المبادئ التعاقدية العامة وحرية التعاقد والتوازن في النظرية العامة للعقد،
وبما أنّ قوانين الإيجارات الإستثنائية المتعاقبة في لبنان منذ حوالي سبعين سنة، تشكل حالة معبّرة عن واقع غير سليم حول المعايير الحقوقية وهدفية القانون الناظم للعلاقات الإجتماعية، وضمانة وحماية لحقوق وتطبيقاً لقواعد الشرعات الدولية لحقوق الإنسان".
ولما كان قانون الموجبات والعقود ينظّم المبادئ التعاقدية العامة وحرية التعاقد والتوازن في النظرية العامة للعقد،
ولما كان القانون إياه يرعى أحكام الإجارة وخصوصاً في الكتاب الرابع منه بعنوان "عقد الإيجار" الذي يبدأ من المادة /533/ إلى المادة /623/ أي تسعون مادة لتنظيم إيجار الاشياء المنقولة وغير المنقولة على اختلافها.
ولما كانت الأسباب الموجبة للقانون المطعون فيه لم تنطوِ على ما يبرّر الخروج على القواعد التعاقدية العامة، لا سيّما أنها برّرت سنّ هذا القانون فقط لمجرد صدور قانونٍ سابق للإيجارات السكنية، بمعزل عن أي ظرف خاص يحتم اللجوء إلى الإستثناء.
ولما كان يحق للمشرّع في أي وقت سنّ القوانين وتعديلها إلّا أنه محكوم بالمبادئ الدستورية العامة ومقيّد بأحكام الدستور والمواثيق الدولية التي اعتمدها لبنان وضمّنها مقدّمة دستوره.
ولما كانت قدسية الملكية مصانة في الدستور اللبناني الذي ينص في مقدمته في الفقرة /و/ على انّ "النظام الإقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة"، كما ينص في المادة /15/ منه على انّ "الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلّا لاسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً"،
ولما كانت قدسية الملكية مكرّسة في المادة /17/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لكل شخص حق التملك بمفرده أو بالإشتراك مع غيره. لا يجوز تدريد أحد من ملكه تعسّفاً، وتضيف المادة /30/ من الإعلان المذكور: "ليس في هذا الإعلان نصّ يجوز تأويله على انّه يخوّل لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه"،
ولما كان تمديد عقود الإيجار على غرار ما ورد في القانون المطعون فيه خلافاً لإرادة أحد المتعاقدين ألا وهو المالك المؤجر يتناقض مع الكفالة الدستورية لحق الملكية بحيث ينزع القانون المُحدث، ولفترة محدّدة، عناصر الملكية عنوة وأهمها حقوق الإستعمال والإستغلال والتصرّف، هذه العناصر التي تمنح المالك سيادة واسعة على عقاره،
ولما كانت إيجارات الأماكن غير السكنية المؤجرة لممارسة التجارة أو الصناعة أو أي مهنة حرّة منظمة بقانون أو مهنة حرفية أو أي نشاط غير سكني، تختلف بطبيعتها وغايتها عن الإجارة السكنية، ويحكمها ميزان العرض والطلب وقواعد النظام الإقتصادي الحرّ المرعي في الدستور اللبناني، خلافاً لما هو عليه الأمر في النظام الإقتصادي الموجّه الذي تحكمه اليد الطولى للدولة ومؤسساتها،
ولما كانت الفقرة /ج/ من مقدّمة الدستور تنص على كون "لبنان جمهورةي ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرّيبة الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل"،
ولما كان القانون المطعون فيه يضرب بمبدأ المساواة عرض الحائط، ولا يجوز تبريره بما جاء في القرار موضوع المخالفة الراهنة،
ولما كانت الفئة التي انتهك القانون المطعون فيه مبدأ المساواة في ما بين أفرادها هي "فئة المالكين المؤجرين" الذين ينتمون إلى وضع قانوني واحد ويتمتعون بكامل حقوق الملكية على عقاراتهم، بحيث جعل هذا القانوني قسماً منهم بمنأى عن القيود التي وضعها على الملكية والقسم الآخر أخضعه لمسلسل تقويض حق الملكية منذ ما يقارب الثمانين عاماً، فتشتت المالكون بين مؤجّر قديم ومؤجّر حديث، علماً بأنّ كليهما يؤديان الموجبات نفسها ومن المفترض أن يتمتعا بحقوق الملكية ذاتها لا سيما لناحية حرية التأجير وتحديد البدل وختيار المدّة التأجيرية وفقاً لقواعد العرض والطلب، في ظل النظام الإقتصادي الحرّ المكفول دستوراً،
ولما كان القانون المطعون فيه قد انتهك مبدأ المساواة بين هؤلاء أمام القانون باخضاع جزء منهم لقانون الموجبات والعقود والجزء الآخر لقانون استثنائي خاص،
ولما كان أحد أوجه انتهاك مبدأ المساواة يتجلّى بكون قوانين الإيجارات الخاصة والإستثنائية المتعاقبة منذ سنة 1945 شكّلت وتشكّل استملاكاً مبطناً لغير المنفعة العامة بل لصالح قلّة من المواطنين، وخصوصاً في التشريعات التي تناولت الإيجارات للأماكن غير السكنية، كل ذلك بافتئات مطلق على مبدأ حرية التعاقد وعلى مشيئة أحد أطراف عقد الإيجار،
ولما كان مبدأ المساواة ركيزة أساسية من ركائز النظام الديمقراطي القائم على إحترام الحريات العامة والعدالة الإجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع اللبنانيين دون تمايز أو تفضيل،
ولما كانت المساواة المنصوص عليها في الدستور اللبناني تتطلب أن يخضع جميع الأشخاص الموجودين في أوضاع مماثلة للنظام القانوني عينه، وأن يعاملوا بالطريقة ذاتها بدون إمتياز أو تمييز،
“L’égalité exige que toutes les personnes placées dans des situations identiques soient soumises au meme régime juridique, soient traitées de la meme façon, sans privilege et sans discrimination”.
Raymond Odent, contentieux administrative, Dalloz, T.II, page 353.
ولما كان مبدا المساواة، وإن كان حقاً أساسياً، إلّا أنه يعود للمشترع أن يميّز في المعاملة بين المواطنين إذا كان هذا التمييز ناشئاً عن الدستور أو إذا وجِدوا في أوضاع قانونية مختلفة، علماً أنَّ المجلس الدستوري يتشدد في حالات التمييز المبنية على المحظورات المحددة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تحيل إليه مقدمة الدستور،
(قرار المجلس الدستوري رقم 19/2022)
ولما كانت الظروف الإستثنائية و/أو الخاصة التي شكلت ذريعةً للتمادي في اجتراح الحلول المسكّنة والمؤقتة لمعضلة الإيجارات من المستحيل أن تكون مستمرّة طيلة ثمانين سنة، ولا يمكن الأخذ بها راهناً في ظل وجود قانون عام هو قانون الموجبات والعقود كما أسلفنا في التوطئة أعلاه،
ولما كان استنباط الظروف واصطناع الحالات الخاصة لإصدار قوانين مخالفة للدستور في الأوضاع العادية يقع تحت مراقبة المجلس الدستوري،
ولما كان لا يعود للمجلس الدستوري أن يحلّ محل المشرّع في تقدير ملاءمة التشريع والغاية المتوخاة منه، غير أنه في حال تأتّى عنه قيود وضوابط على الحريات والحقوق الأساسية، فإنه يعود للمجلس إعمال رقابته للتأكد من أن هذه القيود والضوابط ضرورية لتحقيق الأهداف المشروعة التي تتطلبها المصلحة العامة، وتؤمّن التوازن بينها وبين صون الحقوق والحريات الأساسية، بما يسبب الضرر الأقل للأفراد وللمجتمع.
(قرار المجلس الدستوري رقم 6/2023)
لذلك،
أخالف رأي الأكثرية في ما ذهبت اليه تعليلاً ونتيجةً وأرى وجوب إبطال القانون برمته لمخالفته الدستور والإعلان العاليم لحقوق الإنسان والمبادئ ذات القيمة الدستورية.
العضو المخالف
القاضي الياس مشرقاني

