• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

ملاحظات على اعتبار القانون رقم 1

 

           

ملاحظات على اعتبار القانون رقم 1 الصادر بتاريخ 3/4/2025 ( قانون الايجارات غير السكنية ) نافذا حكما وواجب النشر

بقلم عبده جميل غصوب *

 

لا بدء بادىء ذي بدء من استعراض الوقائع المؤدية الى صدور قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024 المتعلق باعادة قانون الايجارات للاماكن غير السكنية الى مجلس النواب ( اولا )، ثم الانتقال الى مبررات اصدار القانون النافذ حكما رقم 1 الصادر بتاريخ 3/4/2025 ( الايجارات للاماكن غير السكنية ) ، كما وردت في حيثيات القانون المذكور ذاته ( ثانيا )، وصولا الى تقييم المبررات المذكورة ومعرفة مصير مراجعة ابطال المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024 المتضمن رد قانون الايجارات في الاماكن السكنية الى مجلس النواب واعتبار قانون الايجارات للاماكن غير السكنية صادرا ونافذا من تاريخ 19/12/2023 ( ثانيا ).

 

اولا: في استعراض الوقائع المؤية الى صدور قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024

 

أ ـ بعد ان أقر مجلس النواب قانون الايجارات للاماكن غير السكنية بتاريخ 14 و15 /12/2023، واحيل بتاريخ 18/12/2023 لعرضه على مجلس الوزراء والموافقة على اصداره وطلب نشره استنادا الى المادتين 56 و62 من الدستور وذلك نظرا لمصادفة اقرار هذا القانون مع خلو سدة الرئاسة، وعملا بمنطوق المادة 62 المذكورة، عُرض القانون المذكور على جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 9/12/2023 وتقرر الموافقة على اصداره وكالة عن رئيس الجمهورية.

 

ب ـ ولكن مجلس الوزراء عاد بتاريخ 12/1/2024 واصدر القرار رقم 8 القاضي بالرجوع عن قرار الاصدار واعادة القانون المذكور الى مجلس النواب لاعادة النظر فيه وذلك للاسباب المحددة في متنه. وبالنتيجة لم يتم توقيع مرسوم الاصدار من قبل رئيس مجلس الوزراء في حينه، وصدر المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024 القاضي باعادة القانون المذكور الوارد الى الحكومة بتاريخ 8/12/2023 الى مجلس النواب لاعادة النظر فيه.

 

ج ـ بتاريخ 20/2/2024 تقدمت " جمعية مالكي الابنية المؤجرة في لبنان" لدى مجلس شورى الدولة بمراجعة سجلّت تحت الرقم 25602 / 2024، طلبت فيها وقف تنفيذ وابطال المرسوم الصادر عن مجلس الوزراء رقم 12835 تاريخ 12/1/2024 اعلاه، المتضمن رد قانون الايجارات في الاماكن غير السكنية الذي أقره مجلس النواب ( عدد 8348 / ص تاريخ 14/12/2023 ) واعتبار قانون الايجارات للاماكن غير السكنية صادرا ونافذا من تاريخ 19/12/2023 وهو تاريخ اصداره من قبل حكومة تصريف الاعمال.

 

د ـ بتاريخ 4/4/2024، اصدر مجلس شورى الدولة قرارا اعداديا ، تحت الرقم 160/2023 – 2024 ، قضى بالاجماع بـ " وقف تنفيذ المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024، المتعلق باعادة قانون الايجارات للاماكن غير السكنية الى مجلس النواب".

 

ثانيا: مبررات اصدار القانون النافذ حكما رقم 1 الصادر بتاريخ 3/4/2025 ( ايجارات الاماكن غير السكنية ) كما وردت في حيثيات القانون المذكور ذاته:

 

أ ـ جاء في حيثيات القانون " ان صدور قرار بوقف تنفيذ مرسوم اعادة قانون الايجارات للاماكن غير السكنية الى مجلس النواب يستتبع اعتبار هذا المرسوم كما وقرار مجلس الوزراء رقم 8 تاريخ 12/1/2024 فاقدين لاي أثر دستوري او قانوني". وهذا غير صحيح لان قرار وقف التنفيذ لا يفقد المرسوم، كما قرار مجلس الوزراء أثره القانوني او الدستوري، بل يؤدي فقط الى وقف تنفيذهما مؤقتا، اذ يبقيا معلقي التنفيذ لحين صدور قرار نهائي عن مجلس شورى الدولة بقبول مراجعة الابطال او بردها. فالفرق شاسع بين تعليق التنفيذ لحين صدور القرار النهائي واعتبار المرسوم والقرار المطعون بهما " فاقدي الاثر الدستوري او القانوني" بمجرد وقف تنفيذهما وقبل صدور قرار نهائي مبرم بالابطال، في مراجعة ما زالت عالقة امام مجلس شورى الدولة.

 

لنا عودة الى هذه النقطة في الفقرة الثالثة والاخيرة من هذا البحث.

 

اما في ما خص القانون النافذ حكما رقم 1 الصادر في 3/4/2025 ( ايجارات الاماكن غير السكنية ) ، فيعزو سبب عدم النشر الى سبب تقني محض، خلافا لما أدلت به الدولة اللبنانية في دفاعها ضد طلب ابطال المرسوم والقرار المذكور ، اذ لم تأتِ في دفاعها ، على ذكر هذه النقطة المحض تقنية ، بل أدلت بنقاط قانونية مختلفة تماما.

 

ب ـ والسبب المحض تقني، كما ورد في حيثيات القانون رقم 1 النافذ حكما اعلاه، انه وبعد ان حال وجود القانون المذكور بنسخته الاصلية الموقعة الصالحة للنشر لدى مجلس النواب، دون امكانية نشره وفقا للاصول ، وجّه رئيس مجلس الوزراء في حينه بتاريخ 3/6/2024 وبعد تبلغه قرار مجلس شورى الدولة، كتابا الى رئيس مجلس النواب شرح بموجبه مفاعيل قرار وقف التنفيذ وما يمكن ان يترتب عليه من نتائج، طالبا استرجاع القانون بنسخته الاصلية الموقعة لنشره في الجريدة الرسمية وفقا لما تفرضه الاصول، ونظرا لكون الامانة العامة لمجلس النواب لم تودع المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء النسخة الاصلية الموقعة من القانون الا بتاريخ 28/3/2025، اي بعد اكثر من تسعة اشهر من طلب الاسترجاع ، وجرى خلال هذه الفترة انتخاب رئيس للمجهورية صاحب الصلاحية الاساسية بالاصدار وطلب النشر.

 

ج ـ واستنادا للمادة 56 من الدستور التي نص انه " يصدر رئيس الجمهورية القوانين التي تمت عليها الموافقة النهائية في خلال شهر بعد احالتها الى الحكومة ويطلب نشرها "؛ وتنفيذا للقرار الاعدادي الصادر عن مجلس شورى الدولة الذي قضى بوقف تنفيذ المرسوم رقم 12835 تاريخ 12/1/2024 المتعلق باعادة قانون الايجارات للاماكن غير السكنية الى مجلس النواب، ما جعله فاقدا لاي أثر دستوري او قانوني، اقله لحين صدور قرار مجلس شورى الدولة النهائي بالمراجعة المقدمة امامه، وواجبا نشره بعد اتمام عملية الاصدار وفقا للاصول.

 

وتكرر في حيثيات القانون النافذ حكما رقم 1، انه " ونظرا لكون عملية اصدار القانون وطلب نشره في حينه، كان دونها عقبات، نتيجة عدم وجود النسخة الاصلية الموقعة الصالحة للنشر وذلك بسبب احالتها الى مجلس النواب تنفيذا لقرار مجلس الوزراء باعادة النظر بالقانون من ثم، وبعد صدور القرار القضائي الذي قضى بوقف التنفيذ، بقيت هذه النسخة لدى المجلس ولم يتم ايداعها رئاسة مجلس الوزراء الاّ بتاريخ 28/3/2025، رغم طلب استرجاعها بتاريخ
 3/6/2024 ".

 

د ـ وختمت حيثيات القانون النافذ حكما رقم 1 اعلاه مبرراتها لاعتبار القانون المذكور نافذا حكما " انه والحال ما تقدم، لا يمكن توقيع تلك القوانين من قبل رئيس مجلس وزراء سابق ( بصفته ممثلا لمجلس الوزراء الذي كان يمارس وقتها صلاحية رئيس الجمهورية وكالة ) ، لا يملك راهنا اي صلاحية دستورية بهذا الشأن بعد تشكيل حكومة جديدة، كما لا يمكن توقيعها من قبل رئيس الحكومة الحالي في ظل وجود رئيس جمهورية تنحصر فيه وحده، دستوريا ، عملية اصدار القوانين وطلب نشرها في حال لم يتم تجاوز المهلة الدستورية المنصوص عنها في المادة 56 من الدستور، وكون المادة 57 من الدستور تنص عن انه  وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته، يعتبر القانون نافذا حكما ووجب نشره، ما يوجب، تنفيذا لاحكامها، اعتبار هذا القانون الذي أقره مجلس النواب نافذا حكما ووجب نشره بصيغته الاصلية الموقعّة وكما وردت من الامانة العامة لمجلس النواب بتاريخ 28/3/2025، خاصة وانه لم يتبيّن ان مجلس النواب، وبهيئته العامة، وخلال وطيلة فترة وجود القانون لديه، قد ناقش او ادخل اي تعديل الى صيغته الاصلية التي أعيدت الى المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 28/3/2025، بناء لطلب الاسترجاع تاريخ 3/6/2024 ".

 

ثالثا: تقييم مبررات القانون النافذ حكما رقم 1 الصادر في 3/4/2025 ( الايجارات للاماكن غير السكية ) ومراجعة الابطال العالقة امام مجلس شورى الدولة:

 

أ ـ مدى جواز استرجاع الحكومة للقانون الذي اعادته لمجلس النواب لاعادة النظر به:

 

لا نرى انه يحق للحكومة بعدما اعادت قانون ايجارات الاماكن غير السكنية للمجلس النيابي طلب استرجاعه، لانه ، وبمجرد ان المجلس وضع يده عليه من جديد، فانه يعود له تعديله جزئيا او نهائيا، اي استبداله بقانون آخر مختلف كليا عنه، ولكن المجلس النيابي بعد مضي حوالي تسعة اشهر على طلب الحكومة استرجاع القانون اعاده بصيغته الاصلية للحكومة بدون ان يدخل عليه اي تعديل.

 

وان المجلس النيابي ـ وبعد تردد ـ لم يعارض في اعادة طلب الحكومة باسترجاع القانون، فاعاده اليها كما هو وبدون اي تعديل، علما بأنه كان يعود له، وبمجرد وضع يده عليه ان يرفض اعادته الى الحكومة وان يعيد النظر به جزئيا او كليا.

 

 وفي كل الاحوال،فانه يعود للمجلس النيابي، وفي اي وقت يشاء، تعديل القانون الذي استعادته الحكومة؛ فالمجلس " سيد نفسه "، ولا سلطة تعلو عليه في التشريع.

 

ولكن بعد موافقة المجلس على طلب الحكومة باسترجاع القانون، ولو متاخرا ( او مترددا ! ) لم تعد هناك اي مشكلة، طالما ان المجلس راضٍ على ذلك.

 

ب ـ مدى جواز اعتبار القانون نافذا بوجود مراجعة لم يبت فيها مجلس شورى الدولة بصورة نهائية:

 

لا نرى انه يحق للحكومة اعتبار القانون نافذا ، بوجود مراجعة ترمي الى ابطال الاحالة مقدمة من طرف ثالث هو "جمعية مالكي الابنية المؤجرة في لبنان"، التي طلبت ابطال قرار الاحالة ووقفت تنفيذه. ولكـــن، " وقف التنفيذ " ، كما اسلفنا، لا يعني ابطال الاحالة واعتبارها بدون اي أثر قانوني او دستوري، كما ذهبت اليه الحكومة عندما اعتبرت القانون نافذا حكما، بل ان قرار وقف التنفيذ يؤدي فقط الى تعليق مفعول قرار الاعادة لحين البت بها بصورة نهائية من قبل مجلس شورى الدولة، بقرار يؤدي اما الى ابطال الاحالة وعندها يصح اعتبار القانون نافذا حكما واما الى اعتبارها الاحالة صحيحة، فتصبح " الكرة في ملعب " المجلس النيابي الذي يعود له مطلق الصلاحية، حينذاك بتعديل القانون كليا او جزئيا او بالاصرار على ابقائه في حالته الراهنة.

 

اما تعليل اعتبار القانون نافذا حكما بالاستناد الى المادة 57 من الدستور، فلا يستقيم اطلاقا لانه لتطبيق المادة المذكورة، ينبغي ان تكون المهلة قد انقضت دون اصدار القانون او اعادته. والحقيقة ان القانون اعيد للمجلس النيابي ثم جرى استعادته من قبل الححكومة، وتوجد مراجعة ترمي الى ابطال مرسوم الاعادة وقرار مجلس الوزراء بالاعادة وهي ما زالت عالقة امام مجلس شورى الدولة، فلا يصح اطلاقا اعتباره نافذا حكما لعدم توافر شروط إعمال المادة 57 من الدستور.

 

هذا فضلا عن ان مبدأ فصل السلطات يمنع على الحكومة اعتبار اي قانون، ما زال الطعن باعادته الى المجلس النيابي عالقا، نافذا بحكم المادة 57 من الدستور، لانه يمنع منعا باتا على الحكومة التدخل باعمال السلطة القضائية؛ وان ما حصل فعلا يمكن توصيفه بانه تدخل سافر من الحكومة في اعمال السلطة القضائية، لان قرار اعتبار قانون ايجارات الاماكن غير السكنية، نافذا سندا للمادة 57 من الدستور، هو في حقيقته رفعاً ليد القضاء عن ملف عالق امامه، بقرار حكومي. وهذا أمر مرفوض قانونيا ودستوريا، لان حقيقة ما حصل ان الحكومة انتزعت الملف من يد القضاء، لتعتبر القانون نافذا ، وبدون انتظار نتيجة الطعن، مستندة في ذلك للمادة 57 من الدستور.

 

ثم ان اعتبار القانون نافذا سندا للمادة 57 اعلاه، قد اسقط موضوع مراجعة الابطال التي ما زالت عالقة امام مجلس شورى الدولة !

 

وهذا ما يتطلب فورا رجوعا من قبل " جمعية مالكي الابنية المؤجرة في لبنان" عن مراجعة الابطال، عندها يتم " انقاذ " قرار الحكومة باعتبار قانون  ايجار الاماكن غير السكنية  نافذا. اما بغياب هذا التراجع تبقى الاشكالية الدستورية قائمة. والحل الانسب وسط هذه " المعمعة " الدستورية،  كان تراجع " جمعية مالكي الابنية المؤجرة في لبنان " عن المراجعة المقدمة منها وتزامن ذلك مع اصدار القانون ونشره من قبل رئيس الجمهورية، صاحب الصلاحية في ذلك، بدون هذه " البرمة " غير الموفقة لاعتبار القانون نافذا.

 

مخالفة دستورية أولى نسجلها على العهد والحكومة ، عساها لا تتكرر وتكون الاخيرة خصوصا وان رئيس الجمهورية حرص على تأليف لجنة استشارية تكون الى جانبه لتفادي الوقوع في الاخطاء الدستورية. وبالانتظار يبقى الطعن بقرار اعتبار القانون نافذا مطروحا.

 

 اما معرفة الجهة المختصة للطعن: أهو المجلس الدستوري أم مجلس شورى الدولة، فهذا يتطلب بحثا آخر.

 

في 6/4/2025

عبده جميل غصوب      

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  * دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.

PDFالملف المرفقملف PDF · 177 ك.بتحميل ↓