• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

هل يمكن تحقيق مواطنة في لبنان في ظل غياب مؤسسات النظام الديمقراطي؟

هل يمكن تحقيق مواطنة في لبنان في ظل غياب مؤسسات النظام الديمقراطي؟

أعداد الدكتور سمير حسن عاكوم / Samir Hassan AKOUM

 

مقدمة: تُعَدُّ المواطنة حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي فهي تجسد العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة. إنها مفهوم ديناميكي يتطور مع تقدم المجتمعات وهياكلها السياسية. تعبر المواطنة عن قيم المساواة والعدالة والمشاركة، تُحتفى بالمواطنة في الدول الديمقراطية الحديثة كأداة لتحقيق التماسك الاجتماعي ووسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية. غالبًا ما تُخفق وعود المواطنة في الدول النامية كونها تعاني من الطائفية والقبلية السياسية مما يقوض ركائز الديمقراطية.

  1. تعريف الدولة: تُعَدُّ الدولة مفهومًا محوريًا في علم السياسة، وتمثل أرقى أشكال التنظيم السياسي. ويُعَرَّفَها البعض بأنها: "كيان سياسي ذو سيادة مطلقة على إقليم جغرافي محدد، يضمّ سكانًا دائمين، ويُدار عبر حكومة قادرة على فرض القوانين والحفاظ على النظام" (Oppenheim, 1981). ويُبرز هذا التعريف العناصر الأساسية التالية:
  • السيادة: تتمتع الدولة بسلطة عليا داخل حدودها، مستقلة عن أي تدخل خارجي وقادرة على سنّ القوانين وتنفيذها بشكل مستقل.
  • الإقليم: يجب أن تمتلك الدولة حدودًا جغرافية واضحة تُحدد نطاق سلطتها القضائية.
  • السكان: تحتاج الدولة إلى وجود سكان دائمين يتماهَون معها ويعيشون داخل حدودها.
  • الحكومة: هي هيئة تنظيمية تدير شؤون الدولة وتشمل وضع السياسات، تطبيق القوانين وإدارة الشؤون العامة.
  • الاعتراف: في النظام الدولي الحديث، يُعزز الاعتراف من قبل الدول الأخرى والمنظمات الدولية شرعية الدولة ومكانتها (Heywood، 2021).

مكونات الدولة: تتألف الدولة من أربعة مكونات أساسية:

  • الإقليم: هو النطاق الجغرافي الذي تمارس الدولة سلطتها عليه ويشمل اليابسة والمياه والأجواء والموارد الطبيعية.
  • السكان أو الشعب: الأفراد المقيمون ضمن حدود الدولة والذين يشكلون مواطنيها ويخضعون لقوانينها.
  • الحكومة: المؤسسة السياسية المنظمة التي تدير الشؤون العامة للدولة وتنفذ القوانين وتعمل من خلال ثلاث سلطات:
  • السلطة التشريعية: مسؤولة عن سنّ القوانين.
  • السلطة التنفيذية: تتولى تنفيذ القوانين.
  • السلطة القضائية: تختص بتفسير القوانين وتطبيقها.
  • السيادة: قدرة الدولة على الحكم دون تدخل خارجي سواء داخليًا على مواطنيها أو خارجيًا باستقلالها عن الدول الأخرى (Pierson, 2004).

ربط الدولة بالمواطنة: تُعدُّ المواطنة الجسر الذي يربط بين الفرد والدولة ويمكن تعريفها بأنها "العلاقة القانونية والسياسية بين الفرد والدولة التي تمنح الفرد حقوقًا وتُلزمه بواجبات"، أما الجوانب الرئيسية للمواطنة فهي:

  • الحقوق: يتمتع المواطنون بجملة من الحقوق، منها:
  • الحقوق المدنية: مثل حرية التعبير وحق العدالة.
  • الحقوق السياسية: مثل التصويت والترشح للمناصب العامة.
  • الحقوق الاجتماعية: مثل الحصول على التعليم والرعاية الصحية.
  •  الواجبات: بالمقابل، يتحمل المواطنون مسؤوليات تجاه الدولة، مثل:
  • الالتزام بالقوانين.
  • دفع الضرائب.
  • الدفاع عن الوطن عند الحاجة.
  • المشاركة: تركز المواطنة على الانخراط الفعّال في العمليات السياسية والاجتماعية للدولة مما يعزز الديمقراطية والمساءلة (Miller, 2000).

المواطنة كعلاقة متبادلة

  • دور الدولة: يجب على الدولة حماية رفاهية مواطنيها من خلال ضمان الأمن، تحقيق العدالة وتقديم الخدمات العامة.
  • دور المواطن: يُسهم المواطنون في تطور الدولة عبر المشاركة في الحوكمة، الالتزام بالقوانين وتعزيز الوحدة الوطنية.
  • العلاقة بين الدولة والمواطنة: العلاقة بين الدولة ومواطنيها علاقة مترابطة وعميقة. فالدولة الشرعية تعتمد على اعتراف مواطنيها وولائهم، بينما يعتمد المواطنون على الدولة في حماية حقوقهم وضمان رفاههم (Held, Models of democracy (3rd ed.), 2006). مثلًا، في الدول الديمقراطية: تُعد المواطنة قوة تمكين، حيث يؤثر المواطنون بشكل مباشر على سياسات الدولة من خلال الانتخابات والرأي العام. أما في الدول السلطوية: قد يكون دور المواطنة محدودًا حيث تقل الحقوق ويُركز أكثر على الواجبات (Held, Models of democracy (3rd ed.), 2006).

إذًا، يُعد فهم الدولة ومكوناتها أساسيًا لتحليل الأنظمة السياسية، الحوكمة ومفهوم السلطة. أما المواطنة، فهي الوسيلة التي يتصل من خلالها الأفراد بالدولة مُجسدةً حقوقهم ومسؤولياتهم. وبذلك، تُشكِّل الدولة والمواطنة معًا إطارًا للهوية الجماعية، الاستقرار والتقدم في المجتمع.

 

  1. أسس المواطنة: تقوم المواطنة على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تضمن فعاليتها ضمن إطر النظام الديمقراطي العام أي:
  • المساواة أمام القانون: تُبنى المواطنة الديمقراطية على مبدأ "أن جميع الأفراد متساوون أمام القانون" مما يعني أن الحقوق والواجبات والفرص تُوزع دون تمييز بناءً على العرق أو الجنس أو الدين أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
  •  المشاركة الفعّالة: تزدهر المواطنة عندما يُحَفَّز الأفراد على المشاركة في العمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبما يشمل التصويت والانخراط في النقاشات العامة والمساهمة في تنمية المجتمع.
  •  العدالة الاجتماعية: يضمن مبدأ العدالة الاجتماعية توزيع الموارد والفرص والامتيازات بشكل عادل بين أفراد المجتمع. وتقتضي المواطنة الديمقراطية إيجاد آليات لمعالجة التفاوت بين مكونات المجتمع وتعزيز الشمولية.
  • سيادة القانون: إن وجود إطار قانوني قوي يحمي حقوق المواطنين وواجباتهم أمرًا ضروريًا. هذا ما يضمن سيادة القانون، المساءلة، الشفافية، العدالة ويعزز بالتالي الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
  • التعليم والوعي المدني: إن إعداد مواطن مطّلع ومتعلم أمر بالغ الأهمية لنجاح الديمقراطية، فالتعليم المدني يُمَكِّن الأفراد من فهم حقوقهم وواجباتهم وهذا ما يعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية (Dahl, On Democracy, 1998).

إن أسس المواطنة تمثل القاعدة الصلبة لبناء الأنظمة والمؤسسات الديمقراطية، هي متجذرة في مبادئ تعزز المساواة والمشاركة والمساءلة داخل المجتمع من خلال الإعتراف بالحقوق الفردية والواجبات المشتركة. يتمتع كل فرد في المجتمع الديمقراطي بالحماية القانونية وتكافؤ الفرص للمساهمة في اتخاذ القرارات. كما يشكل احترام سيادة القانون ضمانة للعدالة والنزاهة، تُحفز المشاركة المدنية النشطة المواطنين على المساهمة في الانتخابات والنقاشات العامة والمبادرات المجتمعية. علاوة على ذلك، تكفل مبادئ الشمولية والتماسك الاجتماعي تمثيل وتقدير الأصوات المتنوعة بغض النظر عن الجنس أو الدين أو الوضع الاجتماعي والاقتصادي. وبإرساء هذه القواعد، تستطيع المؤسسات الديمقراطية تحقيق الشفافية، وصون الحريات وبناء ثقافة قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون، مما يخلق مجتمعًا يُمكّن فيه للمواطنين التمتع بحقوقهم وأداء واجباتهم من أجل الخير العام.

 

  1. نجاح المواطنة في الدول الديمقراطية الحديثة

أظهرت دول ديمقراطية حديثة مثل الدول الإسكندنافية، أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية كيف يمكن للمواطنة أن تكون محركًا للعدالة الاجتماعية وازدهار الأمم، ويعزى نجاح هذه الدول إلى عدة عوامل رئيسيّة أهمها:

  • نزاهة المؤسسات: إن وجود مؤسسات قوية ومستقلة تحترم القيم الديمقراطية وتحمي حقوق المواطنين يَخلق بيئة من الثقة والاستقرار.
  • التركيز على الرفاه الاجتماعي: تساهم الديمقراطيات التي تعطي الأولوية للرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي في تعزيز الشعور بالمساواة والإنتماء بين المواطنين.
  •  السياسات الشاملة: إن السياسات التي تحتضن التنوع وتضمن تمثيل الفئات المهمشة تقوي التماسك الإجتماعي وتقلل من الانقسامات المجتمعية.
  • الحوكمة الشفافة: تعزز الحوكمة المفتوحة والقابلة للمساءلة شرعية الأنظمة الديمقراطية، مما يضمن أن يشعر المواطنون بأن صوتهم مسموع وبأنهم مُقَدَّرون.
  • مجتمع قائم على الجدارة بدلاً من الإمتيازات الطائفيّة والعرقيّة: تعتمد الفرص في المجتمعات الديمقراطية على الجدارة والكفاءة بدلاً من الامتياز الوراثي، مما يعزز العدالة والابتكار (Held, Models of Democracy (3rd ed.), 20006).

إذًا، يعطي نجاح المواطنة في الدول الديمقراطية الحديثة الأولوية لمنطق العدالة الاجتماعية، ينبع ذلك من إنشاء أطر شاملة وعادلة تُمَكِّن الأفراد والمجتمعات على حد سواء. يَكمُن جوهر هذا النجاح في الالتزام بالمبادئ العالمية للمساواة، حيث يُمنح جميع المواطنين حقوقًا وفرصًا وواجبات متساوية بغض النظر عن وضعهم الإجتماعي والإقتصادي أو عرقهم أو جنسهم. تضمن المؤسسات الديمقراطية التي تركز على الحوكمة التشاركية وسيادة القانون والمساءلة أن يكون للمواطنين صوت في تشكيل السياسات التي تؤثر مباشرة في حياتهم.

يعزز دمج العدالة الاجتماعية في السياسات العامة الثقة بين المواطنين والدولة، تعمل الحكومات بنشاط على تقليص التفاوت من خلال معالجة الفوارق الهيكلية في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والموارد الاقتصادية. كذلك يلعب التعليم المدني وتطوير مستواه دورًا محوريًا، يزرع في المواطنين شعورًا بالمسؤولية والتضامن والاحترام المتبادل، هذا ما يشجع على المشاركة الفعالة في تنمية المجتمع.

يزداد نجاح هذا النموذج قوة من خلال تعزيز نظام الكفاءة، حيث يعتمد تكافؤ الفرص على القدرات الفردية والجهد بما يضمن العدالة ويقلل من حجم التوترات الاجتماعية. تخلق هذه الدول من خلال دمج العدالة الاجتماعية في جوهر الحوكمة الديمقراطية أساسًا قويًا للتماسك الاجتماعي، الاستقرار الاقتصادي وازدهار الإمكانات البشرية وبما يعزز في نهاية المطاف الثقة والولاء من مواطنيها لدولتهم بالعملية الديمقراطية.

 

  1. دور المؤسسات الدينية والثقافية التي أنشأتها القوى الاستعمارية في تقويض مؤسسات الدول الناميّة وإضعاف سلطتها

اتبعت القوى الاستعمارية استراتيجيات متعددة لبسط هيمنتها والسيطرة على المناطق التي استعمرتها. ومن بين هذه الاستراتيجيات ما هو متعلق بلعب إنشاء المؤسسات الدينية والثقافية دورًا حاسمًا في إضعاف سلطة الدولة وتقويض الوحدة الوطنية في الدول النامية، من ضمن هذه السياسات:

  • سياسات "فرّق تسد" الاستعمارية: استراتيجية "فرّق تسد" من أكثر الأساليب التي اعتمدتها القوى الاستعمارية فاعلية. قامت القوى الاستعمارية من خلال إنشاء المؤسسات الدينية والثقافية بتأجيج الانقسامات القائمة أو خلق انقسامات جديدة داخل المجتمعات. وقد صُممت هذه المؤسسات لتحقيق الأهداف التالية:
  1.  تعزيز الطائفية: غالبًا ما تم تصميم المؤسسات الدينية لتلبية احتياجات مجموعات محددة من المواطنين داخل المجتمع، مما أدى إلى تأجيج الانقسامات الطائفية والعرقية والثقافية. فعلى سبيل المثال، قد يتم تفضيل جماعة دينية معينة على حساب أخرى، مما يضمن استمرار الصراعات الداخلية ويمنع توحيد المعارضة ضد الحكم الاستعماري.
  2.  تفتيت الهوية الاجتماعية: ركزت المؤسسات الثقافية على تعزيز الهويات الإقليمية أو العرقية أو الطائفيّة على حساب الهوية الوطنية. هذا التفتيت أدى إلى إضعاف أي شعور بالانتماء الجماعي والولاء لدولة موحدة (Mamdani, 1996).
  •  تقويض المؤسسات التقليدية للدولة: كانت العديد من المجتمعات في الدول النامية قبل الحقبة الاستعمارية تمتلك أنظمة حُكم مستقرة، مثل ممالك، مجالس قبلية أو هياكل دينية قيادية. ومع ذلك عمدت القوى الاستعمارية إلى تقويض هذه الأنظمة بشكل منهجي من خلال:
  1.  إضعاف الشرعية: قامت القوى الاستعمارية باستبدال القيادات المحلية أو استيعابها، وغالبًا ما نصبت زعماء موالين للمستعمر بدلاً من قيادات الشعوب.
  2. إدخال مؤسسات موازية: أنشأت مدارس دينية ومنظمات ثقافية وحركات تبشيرية عملت بمعزل عن الحكم المحلي وتنافست مع المؤسسات التقليدية. هذا لم يؤدِ فقط إلى إضعاف سلطة الحكام الأصليين بل أيضًا إلى تقويض شرعية دورهم داخل المجتمع (Said, 1978).
  •  تغريب الهوية الوطنية: غالبًا ما روجت المؤسسات الثقافية والدينية التي أنشأتها القوى الاستعمارية لأيديولوجيات أجنبية غريبة عن السكان المحليين، مما أدى إلى تغريبهم عن تراثهم وإضعاف انتمائهم الوطني، وقد حدث هذا التغريب من خلال:
  1.  تفوق الثقافة الاستعمارية: عززت هذه المؤسسات التفوق المفترض للغة المستعمرين ودينهم وعاداتهم مما أدى إلى تقويض الثقافات المحلية. فعلى سبيل المثال، قللت أنظمة التعليم الإستعمارية من قيمة المعارف واللغات الأصلية، مما خلق طبقة من النخب ولاءها للمستعمر أكثر من ولائها لشعوبها.
  2.  التبشير الديني: استهدفت الجهود التبشيرية تحويل السكان المحليين إلى دين المستعمرين، مما تسبب في انقسامات داخل المجتمعات وأضعف النظم العقائدية التقليدية التي كانت تمثل جزءًا جوهريًا من الهوية الوطنية (Chatterjee, 1993).
  • إضعاف المواطنة والانتماء الوطني: من خلال خلق الانقسامات وفرض الأيديولوجيات الأجنبية، أسهمت المؤسسات الاستعمارية في إضعاف مفاهيم المواطنة والانتماء الوطني، ومن أبرز الآثار:
  1.  غياب التماسك الوطني: جعلت الانقسامات التي أوجدتها السياسات الاستعمارية من الصعب على حكومات ما بعد الاستقلال بناء هوية وطنية موحدة.
  2.  انعدام الثقة في مؤسسات الدولة: نظرًا لأن العديد من مؤسسات الدولة كانت إما بقايا للإدارة الاستعمارية أو مستنسخة من هياكلها، فقد كان السكان ينظرون إليها بريبة، هذا الشك زاد من ضعف سلطة الدولة.
  3.  تقويض السيادة الوطنية: استمرت تأثيرات المؤسسات الدينية والثقافية التي أنشأتها القوى الاستعمارية في فترة ما بعد الاستقلال، مما أعاق الجهود المبذولة لبناء دول قوية ومستقلة (Anderson, 1991).
  • تأثير طويل الأمد على دول ما بعد الاستعمار: لا تزال الآثار السلبية للمؤسسات الاستعمارية قائمة في العديد من الدول النامية حتى اليوم:
  1.  الصراعات العرقية والطائفية: غالبًا ما تتحول الانقسامات التي أنشأها الاستعمار إلى توترات عرقية أو دينية مستمرة.
  2. هياكل دولة ضعيفة: أدى تفكك السلطة إلى معاناة دول في فرض السيطرة على سكان متنوعين ومقسمين.
  3. تحديات للوحدة الوطنية: إن تقويض الانتماء الوطني جعل من الصعب تعزيز هوية مشتركة وغاية جماعية موحدة (Young, 1994).
  • أمثلة عن الدول التي نجحت المؤسسات الاستعمارية في تقويض مؤسساتها وأضعفت سلطتها:
  1. أفريقيا: في العديد من الدول الأفريقية رسمت القوى الاستعمارية حدودًا عشوائية جمعت مجموعات عرقية وثقافية متباينة، بينما فرقت مجموعات أخرى. غالبًا ما قامت المدارس التبشيرية بتعليم نخب معزولة عن الجماهير الريفية، مما خلق فجوة بين القيادة والشعب بعد الاستقلال (Young, 1994).
  2. جنوب آسيا: استغل الاستعمار البريطاني في الهند البريطانية الاختلافات الدينية بين الهندوس والمسلمين لتعميق الانقسامات مما أدى في النهاية إلى تقسيم الهند وباكستان (Fukuyama, 2011).
  3. الشرق الأوسط: فاقمت الانتدابات الاستعمارية في الشرق الأوسط الانقسامات الطائفية، كما هو الحال في لبنان، حيث فضّلت السياسات الفرنسية طوائف على غيرها هذا ما ساهم في عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل (Fukuyama, 2011).

بالمختصر، لم تكن المؤسسات الدينية والثقافية التي أنشأتها القوى الاستعمارية كيانات محايدة، بل كانت أدوات سيطرة صُممت لتفكيك المجتمعات، وتقويض الهياكل السياسية المحلية، وإضعاف التماسك الوطني. ولا بزال إرث هذه المؤسسات يشكل تحديات جسيمة للعديد من الدول النامية، مما يعقد الجهود الرامية إلى بناء دول قوية وموحدة ويعزز الانقسامات التي تعيق التقدم. إن فهم هذا السياق التاريخي يُعد أمرًا جوهريًا لمعالجة هذه القضايا المتبقية وتعزيز الوحدة الوطنية والمواطنة في العصر الحديث.

 

  1. المواطنة والبلدان النامية: على النقيض من النجاح الذي حققته الدول الديمقراطية الحديثة، تواجه العديد من البلدان النامية صعوبة في تحقيق المواطنة بسبب التحديات الهيكلية الجذرية المرتبطة بالتحزبات الطائفية والسياسية، يمكن إرجاع فشل المواطنة في هذه السياقات إلى العوامل التالية:
  • الامتيازات الطائفية والقبلية: عندما تعطي الأنظمة السياسية والاجتماعية الأولوية لمصالح طائفة أو قبيلة أو مجموعة عرقية معينة، فإن مبدأ المساواة يتعرض للإضعاف. وهذا يؤدي إلى خلق الانقسامات ويغذي مشاعر الاستياء بين الفئات المهمشة.
  •  ضعف المؤسسات: يقوض الفساد وعدم الكفاءة في الحوكمة الثقة في المؤسسات، مما يترك المواطنين محبطين وغير متفاعلين مع قيادة الدولة (Ndlovu-Gatsheni, 2013).
  •  غياب العدالة الاجتماعية: تتسع الفجوات في المجتمعات التي يحتكر فيها قلة من المتميزين الموارد والفرص مما يفاقم الفقر والاضطرابات الاجتماعية.
  • غياب سيادة القانون: في العديد من البلدان النامية يتم تطبيق القوانين بشكل انتقائي، وغالبًا ما تكون في صالح النخبة، هذا الغياب عن المساءلة يولد التشاؤم ويضعف نسيج المواطنة.
  • التعليم المدني المحدود: غالبًا ما يكون المواطنون غير مدركين لحقوقهم وواجباتهم نتيجة غياب الوصول إلى تعليم جيد وبرامج توعية مدنية، مما يجعلهم عرضة للتلاعب من قبل القادة الطائفيين والقبليين (Ndlovu-Gatsheni, 2013).

من هنا يتبين لنا انه غالبًا ما يكون فشل المواطنة في البلدان النامية ناتجًا عن مزيج من تحديات هيكلية مؤسساتيّة وإجتماعية وسياسية تقوض العلاقة بين المواطنين والدولة. أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو ضعف المؤسسات الديمقراطية التي كثيرًا ما تعاني من الفساد وعدم الكفاءة وغياب الشفافية. تفشل هذه المؤسسات في تطبيق سيادة القانون أو ضمان الحقوق والفرص المتساوية، مما يؤدي إلى شعور عام بالإحباط وفقدان الثقة بين المواطنين. علاوة على ذلك، فإن الفوارق الاقتصادية والفقر يعمقان تهميش قطاعات كبيرة من المواطنين، مما يجعلهم مستبعدين عن المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. كما أن أنظمة التعليم في العديد من البلدان النامية تفتقر إلى تعزيز التفكير النقدي والتوعية المدنية والشعور بالمسؤولية الجماعية مما يؤدي إلى فهم محدود لحقوق وواجبات المواطنة. إضافة إلى ذلك، غالبًا ما يتم استغلال الانقسامات العرقية أو الدينية أو الإقليمية من قبل النخب السياسية، مما يغذي الاستقطاب ويفتت الهوية الوطنية. في غياب رؤية مشتركة للحكم الشامل وتكافؤ الفرص يصبح مفهوم المواطنة ضعيفًا، ويقتصر على الوضع القانوني بدلاً من أن يكون له دورًا نشطًا ومشاركًا في تشكيل المجتمع. يتطلب معالجة هذه القضايا إصلاحات هيكلية، استثمارًا في التعليم وتعزيز ثقافة المساءلة والشمولية والمشاركة المدنية لبناء أنظمة ديمقراطية قوية تزدهر فيها المواطنة.

 

  1. تقاطع فيما بين السيادة الوطنية والمواطنة: لكل من السيادة الوطنية والمواطنة مفاهيم مترابطة وبعمق في النظم الديمقراطية. تشير السيادة إلى السلطة العليا للدولة في إدارة شؤونها دون تدخل خارجي، بينما تمثل المواطنة العلاقة القانونية والسياسية بين الأفراد والدولة. مُعَرّفة بالحقوق والواجبات والشعور بالانتماء، تعمل السيادة الوطنية في البلدان الديمقراطية كإطار يعزز حقوق المواطنين ومسؤولياتهم، وذلك من خلال الحفاظ على الاستقلال والسيطرة على عملية صنع القرار، تهيئ الدولة الظروف اللازمة لمواطنة فاعلة ومُتمكنة (Sen, Development as freedom, 1999).
  • السيادة الوطنية: هي عمود النزاهة الديمقراطية، تضمن السيادة الوطنية للدولة على سلطتها:
  1.  صياغة القوانين وتنفيذها.
  2.  حماية سلامتها الإقليمية.
  3.  تمثيل شعبها في الساحة الدولية.
  4.  وضع سياسات تعكس هويتها الثقافية والاجتماعية والسياسية الخاصة.

وبذلك تعمل هذه السيادة على صون النظم الديمقراطية من خلال ضمان أنبثاق الحكم عن إرادة الشعب لا عن قوى خارجية أو كيانات غير ديمقراطية. مثلًا، يقدم الاتحاد الأوروبي نموذجاً جديراً بالدراسة، حيث تحافظ الدول الأعضاء على قدر من السيادة مع تقاسم بعض الصلاحيات لصنع قرارات جماعية، يعزز هذا التوازن المبدأ الديمقراطي للحكم المشترك مع الحفاظ على الهوية الوطنية (Diamond, 2008).

  •  المواطنة في قلب الديمقراطية: في النظم الديمقراطية لا تقتصر المواطنة على كونها وضعاً قانونياً بل يتعدى ذلك لتلعب دوراً فاعلاً بحيث يقوم المواطنون بـ:
  1.  انتخاب ممثليهم.
  2.  المساهمة في النقاشات السياسية.
  3.  محاسبة الحكومات.

تحتاج المواطنة لكي تزدهر إلى دولة ذات سيادة تضمن الحقوق الأساسية مثل حرية التعبير والمساواة والعدالة. الدولة التي تضعف سيادتها، سواء بسبب هيمنة خارجية أو ضعف المؤسسات أو الفساد تفقد قدرتها على حماية هذه الحقوق. وعلى النقيض من ذلك، تُهيئ الدولة القوية ذات السيادة بيئة يتمكن فيها المواطنون من الانخراط بحرية وفعالية في العملية الديمقراطية (Fukuyama, The origins of political order: From prehuman times to the French Revolution, 2011).

  •  السيادة وحماية الحقوق: تُمَكّن السيادة الوطنية الدول من سن القوانين وتوضيح الإطار التنظيمي الذي يعكس قيم واحتياجات مواطنيها وبما يحقق هذه الأمور في الدول الديمقراطية:
  1.  ضمان صون حقوق الإنسان.
  2.  حماية الأقليات.
  3.  تعزيز العدالة الاجتماعية.

تُمَكّن السيادة الدولة من مقاومة الضغوط الخارجية التي قد تقوّض هذه الحقوق، مثل العقوبات الاقتصادية أو النفوذ الأجنبي أو تأثيرات العولمة الموحدة. مثلًا، تُبرز دول مثل فنلندا وسويسرا أهمية سيادتها في صنع السياسات، مما يتيح لها تصميم أنظمة رفاه اجتماعي ورعاية صحية تتماشى مع تطلعات مواطنيها، وهذا ما يعزز الثقة والولاء بين أفراد الشعب (O’Donnell, Cullell, & Iazzetta, The quality of democracy: Theory and applications, 2004).

  • السيادة كأساس للهوية الوطنية: يساهم الشعور المشترك بالسيادة الوطنية في تعزيز الوحدة والهوية الجماعية بين المواطنين. فعندما يشعر الناس بأن دولتهم تعمل باستقلالية وتعبّر عن إرادتهم الجماعية  يصبحون أكثر ميلاً إلى:
  1.  المشاركة في العمليات الديمقراطية.
  2.  تبني دورهم كأعضاء فاعلين في المجتمع.
  3.  بناء أو زيادة مستوى الثقة في المؤسسات الوطنية.

عانت العديد من الدول بعد الاستعمار من ضعف السيادة الوطنية مما أدى إلى تفكك مفهوم المواطنة. تمكنت هذه الدول مع استعادة السيطرة على شؤونها من تحديد حقوق المواطنة وبناء مؤسسات ديمقراطية أكثر قوة (Crouch, 2004).

  •  تحديات السيادة والمواطنة في العالم الحديث: تُشكّل العولمة والمنظمات العابرة للحدود والشركات متعددة الجنسيات تحديات كبيرة للسيادة الوطنية. تؤدي هذه القوى إلى تقويض قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة مما يؤثر بدوره على مفهوم المواطنة. مثلًا، قد يشعر المواطنون بفقدان السيطرة عندما تُتخذ القرارات الأساسية من قبل كيانات خارجية مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي. كما يساهم انتشار الجنسية المزدوجة أو العالمية في تعقيد التصورات التقليدية للهوية الوطنية والإنتماء. من هنا ينبغي على الدول الديمقراطية أن توازن بين الانخراط في المجتمع العالمي وحماية سيادتها لضمان الحفاظ على مواطنة قوية ومستدامة (Fukuyama, The Origins of Political Order: From Prehuman Times to the French Revolution. Farrar,, 2011).
  • تعزيز المواطنة من خلال السيادة: يمكن اعتماد عدة استراتيجيات لتعزيز العلاقة بين السيادة والمواطنة في الدول الديمقراطية:
  1.  اللامركزية: تمكين الإدارات المحلية من تلبية الاحتياجات المحددة للمواطنين.
  2.  التثقيف المدني: نشر الوعي بحقوق المواطنين وواجباتهم.
  3.  الحكم الشفاف: بناء الثقة في المؤسسات من خلال ضمان المساءلة.
  4.  التعاون الدولي: تحقيق توازن بين السيادة الوطنية والتعاون العالمي لمعالجة القضايا العابرة للحدود مثل تغير المناخ، الأمن وحقوق الإنسان (Diamond, 2008).

 

  • العوامل الرئيسية لتعزيز السيادة والمواطنة
  1.  المؤسسات القوية: يجب أن تكون المؤسسات الديمقراطية مستقلة وشفافة وخاضعة للمساءلة للحفاظ على السيادة وتعزيز المواطنة.
  2.  سيادة القانون: بما يكفل حقوق المواطنين على الدول ذات السيادة ضمان تطبيق القوانين بشكل عادل ومتساوٍ.
  3.  الاستقرار الاقتصادي: تُعزز السيادة من خلال الاستقلال الاقتصادي، مما يُمكّن الدولة من تلبية احتياجات مواطنيها دون الاعتماد على المساعدات أو التدخل الخارجي.
  4.  التعليم والوعي: يُسهم تثقيف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم في تعزيز شعورهم بالانتماء وتشجيع مشاركتهم الفاعلة في الحوكمة (O’Donnell, Why the Rule of Law Matters. Journal of Democracy,, 2004).

إذًا، هناك علاقة تكاملية بين السيادة الوطنية ومفهوم المواطنة، بحيث يشكلان معًا دعائم متبادلة لتعزيز الديمقراطية. بحيث توفر السيادة الإطار الذي تزدهر فيه المواطنة، بينما يضمن المواطنون النشطون والمشاركون أن تُمارَس السيادة بما يعزز القيم الديمقراطية. يكمن التحدي المستمر بالنسبة للدول الديمقراطية في التكيّف مع العولمة مع الحفاظ على السيادة اللازمة لدعم مواطنة مُتمكِّنة ومُشاركة بفعالية.

 

  1.  مؤسسات تعزيز المواطنة في الدولة الديمقراطية: تُعدُّ مؤسسات الدولة الديمقراطية مثل مجلس الشيوخ، مجلس النواب، المجالس المحلية المنتخبة والبلديات... ركائز أساسية للحكم وتؤدي دورًا حيويًا في تعزيز المواطنة، أما أهم المؤسسات التي تُساهم في تعزيز المواطنة فهي:
  • مجلس الشيوخ: عادةً ما يُمثِّل مجلس الشيوخ المصالح الأوسع للأقاليم أو الولايات أو المناطق داخل الدولة، مهمة هذا المجلس في لبنان تمثيل التنوع الطائفي وضمان حقوقها بحيث يؤدي دوره من خلال:
  1.  التوازن والرقابة: إذ يقوم بمراجعة التشريعات المقترحة من المجلس مما يضمن توافق القوانين مع الصالح العام الأشمل (O’Donnell, Why the Rule of Law Matters. Journal of Democracy,, 2004). متابعة القضايا المصيريّة وعلى رأسها السياسة الدفاعيّة، الخارجيّة وتعديل الدستور.
  2.  صوت الأقليات: يوفِّر مجلس الشيوخ في العديد من الأنظمة الديمقراطية تمثيلًا للولايات الصغيرة أو الفئات أقلية وأكثريّة معززًا مبدأ المساواة والشمولية.
  3.  تعزيز المشاركة المدنية: يعزز شعور المواطنين بأن مناطقهم أو طوائفهم ممثلة لإرتباطهم بالدولة ويشجعهم على الانخراط في الحوكمة (Dahl, Democracy and its critics, 1989).
  • مجلس النواب: بصفتها المؤسسة الأكثر ارتباطًا بالناخبين تقوم ب:
  1.  تمثيل الشعب: يُنتخب الأعضاء بناءً على التعداد السكاني، هذا ما يضمن انعكاس أصوات المواطنين في التشريعات.
  2. المساءلة: تفرض الانتخابات المنتظمة على النواب الالتزام بمسؤولياتهم وبما يُمَكّن المواطنين من التأثير على السياسات.
  3.  الدفاع عن القضايا المحلية: يتناول النواب القضايا المحددة لمناطقهم، هذا ما يجعل الحوكمة أكثر استجابةً لاحتياجات المجتمع المحلي (Dahl, Democracy and its critics, 1989).
  • المجالس المحلية المنتخبة (مجالس الأقضيّة): تعمل مجالس الأقضيّة بالقرب من المواطنين وتتولى قضايا الحوكمة المحلية والمسائل الشعبية وتحقيق أهداف الإنماء المتوازن للمناطق:
  1.  اتخاذ قرارات لامركزية: من خلال تلبية الاحتياجات المحلية تُقرّب مجالس الأقضيّة الحوكمة من المواطنين.
  2.  تمكين المجتمعات: تشجع هذه المجالس مشاركة المواطنين وبما يعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.
  3.  الشفافية والمساءلة: تُتيح الاجتماعات الدورية للمجالس فرصة للمواطنين للتفاعل المباشر مع قادتهم المباشرين (Held, Models of democracy (3rd ed.), 2006) .

 

  • البلديات: تتولى البلديات إدارة الخدمات في المدن، البلدات والقرى لضمان تلبية احتياجات المواطنين اليومية عبر:
  1.  تقديم الخدمات المباشرة: تشرف البلديات على الخدمات العامة مثل المياه، الصرف الصحي، الإسكان والنقل وهي ضرورية لتحسين جودة الحياة.
  2.  التنمية المحلية: تُعزّز البلديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مما يرفع من مستوى رفاهيّة المواطنين.
  3.  المشاركة المدنية: تُسهم البلديات من خلال إشراك المواطنين في عمليات التخطيط وصنع القرار في ترسيخ الثقافة الديمقراطية (Osborne, 1992).

 

  •  تطوير الهيكل الإداري والتنظيمي: بينما تُشكِّل المؤسسات الديمقراطيّة التي ذكرناها الإطار العام للحكم الديمقراطي، يلعب الهيكل الإداري والتنظيمي للدوائر الحكومية دورًا بالغ الأهمية في تعزيز المواطنة عبر:
  1.  تسهيل معاملات المواطنين: تمكين المواطنين من خلال عمليات إدارية فعالة وشفافة:
  • تبسيط الإجراءات: تقليل البيروقراطية وتطوير التنظبم ومكننة الخدمات لتسهيل وصول المواطنين إلى حقوقهم ومزاياهم.
  • تعزيز الثقة: تحد العمليات الشفافة من الفساد مما يزيد من ثقة الجمهور بالمؤسسات الحكومية.
  • الشمولية: تضمن النظم الميسَّرة عدم استثناء الفئات المهمَّشة من الخدمات العامة (Sen, The Idea of Justice, 2009).
  1.  اللامركزية:
  • اتخاذ القرار محليًا: منح المزيد من الاستقلالية للمناطق (محافظات وأقضيّة) لضمان أن تعكس الحوكمة احتياجات المجتمعات المتنوعة.
  • أستجابة الحوكمة: تعزِّز الإدارات التي تعطي الأولوية للتغذية الراجعة وتُكيِّف السياسات الارتباط بين المواطنين والدولة.
  1.  بناء القدرات لضمان حوكمة فعَّالة:
  • تدريب الموظفين المدنيين: الاستثمار في موظفي القطاع العام عبر تأهيلهم لتقديم خدمات أفضل للمواطنين.
  • التحديث التكنولوجي: تحديث البنية التحتية ورفع مستوى تنظيمها وتسهيل المعاملات من خلالها لتسريع المعاملات وتخفيف أعباء المواطنين.
  • آليات الشفافية والمساءلة
  • البيانات المفتوحة: توفير الوصول إلى سجلات الحكومة يعزز الثقة.
  • التدقيق والرقابة: يُرسِّخ ضمان مراقبة استخدام الموارد العامة بمسؤولية سيادة القانون (Dicey, 1885).
  1.  تطوير مفهوم المواطنة: يُعزّز الأثر التراكمي للمؤسسات القوية والإدارة الفعّالة مفهوم المواطنة من خلال:
  • تمكين الأفراد: يشعر المواطنون بأن لهم صوتًا ودورًا في عملية الحوكمة.
  • بناء الثقة: تعزّز المؤسسات العادلة والفاعلة الوصول الى عقد إجتماعي بين الدولة وشعبها.
  • تشجيع المشاركة: يصبح المواطنون عندما يرون أهميّتهم والنتائج الملموسة لمشاركتهم أكثر استعدادًا للانخراط بنشاط في الحياة المدنية.
  • تعزيز الهوية: تساعد الدولة المستجيبة للإحتياجات والشاملة برعايتها للمواطنين على تحديد هويتهم الوطنية وشعورهم بالفخر بها (Wilson, 1887).

استنادًا لما سبق، تُعدّ المؤسسات مثل مجلس الشيوخ، مجلس النواب، المجالس المحلية وعلى رأسها مجالس الأقضيّة والبلديات، والتي تعمل جنبًا إلى جنب مع هيكل إداري فاعل منظومة ديمقراطية متكاملة تُعزّز المواطنة الفاعلة. بحيث تساعد هذه المؤسسات وعملها المتكامل في بناء المواطنة من خلال التنظيم والتمثيل السياسي، إشراك المواطنين في صنع القرار، الشفافية والمساءلة وتعزيز التنوع والعدالة وبفضلها يشعر المواطنون بأنهم ممثلون، مُحترَمون، مُمَكَّنون وهو ما يُشكّل حجر الزاوية لأي ديمقراطية مزدهرة.

 

  1. دور التعليم في بناء المواطنة: يتطلب السعي إلى بناء وتطوير مفهوم المواطنة في إطار دولة ديمقراطية  تطوير هيكل التعليم الإداري والتنظيمي ليصبح فاعلًا، وذلك لأسباب مختلفة منها:
  • التطوير الإداري أساس راسخ لتحقيق:
  1.  الاستقرار والحكم الرشيد: يُسهم الإطار الإداري المنظم توفير بيئة سياسية واجتماعية مستقرة تُتيح تنفيذ السياسات بفعالية.
  2.  البنية التحتية للتعليم: يُؤسّس ويُعزّز الهيكل الإداري البنية التحتية اللازمة للتعليم من مدارس، برامج التدريب والمؤسسات المدنية.
  3.  سيادة القانون والعدالة: تُطبّق الأنظمة الإدارية القوانين، تعزّز المساواة وتحمي الحقوق بما يضمن دعم الجهود التعليمية في مجال المواطنة بحوكمة عادلة (Biesta, 2011).
  •  التعليم كأداة للتمكين الإجتماعي: يبني التعليم على هذا الأساس من خلال تمكين الأفراد بالمعرفة والقيم التي تجعلهم مواطنين مسؤولين وفاعلين ويشمل ذلك:
  1. الوعي المدني: تعليم المواطنين حقوقهم وواجباتهم، وتعزيز ثقافة احترام المبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
  2. التفكير النقدي: تطوير القدرة على تحليل القضايا المجتمعية والمشاركة في الحوار السياسي البنّاء.
  3. القيادة الأخلاقية: تنشئة قادة ومواطنين يتمتعون بالنزاهة والشمولية والمساءلة (Gutmann, Democratic education (Revised edition), 1999).
      • دور التعليم في تطوير المواطنة: يلعب التعليم دورًا محوريًا في ترسيخ مبادئ المواطنة داخل النظام الديمقراطي من خلال التركيز على:
      1.  الهوية الوطنية والوحدة: يُمَكّن التعليم المواطنين من فهم تاريخهم وثقافتهم وقيمهم المشتركة مما يعزز التزامهم تجاه الدولة الوطنية.
      2.  المشاركة المدنية: تُعَلّم المدارس والجامعات أهمية المشاركة في الانتخابات، الدفاع عن القضايا والمناقشات العامة.
      3.  التماسك الاجتماعي: يُقلل التعليم الانقسامات داخل المجتمع من خلال تعزيز الفهم المتبادل والتسامح واحترام التنوع (Osler, 2005).
        • التكامل الاستراتيجي للتعليم: يجب دمج التعليم بشكل استراتيجي لتعزيز المواطنة بعد ترسيخ الهياكل الإدارية والتنظيمية ويشمل ذلك:
  1. إصلاح المناهج: تطوير برامج تُركّز على حقوق الإنسان، الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
  2. تدريب المعلمين: إعداد المربين لغرس قيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة.
  3. إشراك المجتمع: تشجيع الشراكات بين المدارس والأسر والمنظمات المحلية لبناء شعور بالمسؤولية الجماعية.
  4. التكنولوجيا ومحو الأمية الإعلامية: تمكين المواطنين من التفاعل مع المعلومات الرقمية وتحليلها بشكل نقدي في سياق المجتمع الديمقراطي (Sen, Development as freedom, 1999).
  • المواطنة كعملية مستمرة: ليست المواطنة حالة ثابتة بل تتطور مع البيئة السياسية والاجتماعية. تضمن العمليّة التعليمة أن يكون المواطنون فاعلين في تشكيل مستقبل الدولة لا مجرد متلقين لسياساتها. ومن خلال فرص التعلم مدى الحياة مثل الورش المدنية والمنتديات العامة يساهم التعليم في استدامة العملية الديمقراطية (Banks, 2008).
  • حلقة التغذية الراجعة feedback بين الإدارة والتعليم:
  1.  تدعم النظم الإدارية التعليم: تضمن الحوكمة الفعّالة الوصول إلى تعليم عالي الجودة وتوفير فرص متساوية لجميع المواطنين.
  2.  يعزز المواطنون المتعلمون الديمقراطية: يُساهم المواطنون المطلعون والمشاركون في محاسبة الإدارة مما يُحَسّن الحوكمة ويُعزز المبادئ الديمقراطية (Freire, 2000).

من خلال ما سبق، نقول أنه بينما يوفر التطوير الإداري الإطار الهيكلي والمؤسسي الضروري لعمل الدولة، يُشكل التعليم جوهر المواطنة. فهو يحوّل الأفراد إلى مشاركين فاعلين في ديمقراطيتهم ويعزز وجود دورة مستدامة من المسؤولية المدنية، الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية. يمكن للدول من خلال إعطاء الأولوية للتعليم بعد ترسيخ الهياكل الإدارية أن تُنشئ مواطنين متمكنين ومستعدين للمساهمة في مجتمع ديمقراطي.

 

  1. العلاقة بين الخدمة الاجتماعية وتطوير مفهوم المواطنة
  • تعريف الخدمة الاجتماعية: تشير الخدمة الاجتماعية إلى جهود منظمة وأنشطة يقوم بها أفراد أو مجموعات أو مؤسسات بهدف تحسين رفاه الأفراد والمجتمعات وجودة حياتهم. تركز على معالجة المشكلات الاجتماعية مثل الفقر والتعليم والرعاية الصحية وعدم المساواة من خلال توفير الدعم والموارد والفرص لمن يحتاجها. باختصار، تُعد الخدمة الاجتماعية جسرًا يصل بين الأفراد والموارد التي يحتاجونها لعيش حياة كريمة ومُشبعة بالمعنى (Payne, Modern social work theory (4th ed.)., 2014).

تلعب الخدمة الاجتماعية دورًا جوهريًا في تعزيز وتقوية مفهوم المواطنة. تتجاوز المواطنة في جوهرها كونها مجرد وضع قانوني، فهي تتمثل في المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع (Payne, Modern social work theory (5th ed.), 2021)، وتعمل الخدمة الاجتماعية كحلقة وصل لهذا الانخراط من خلال:

  1.  تعزيز المسؤولية الاجتماعية: تعمل الخدمة الاجتماعية على تشجيع الأفراد على الاضطلاع بدور فاعل في مواجهة التحديات المجتمعية، مما يُنمي لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعهم ووطنهم.
  2.  ترسيخ مبادئ المساواة والشمولية: تضمن الخدمات الاجتماعية حصول الفئات الضعيفة والمهمشة على الموارد والفرص مما يعزز مبادئ الحقوق المتساوية والمسؤوليات المشتركة المتأصلة في المواطنة.
  3.  تعزيز المشاركة المدنية: من خلال الانخراط في أنشطة الخدمة الاجتماعية مثل العمل التطوعي أو البرامج المجتمعية، يطور الأفراد وعيًا مدنيًا يصبحون من خلاله أكثر انخراطًا في عمليات اتخاذ القرار والدفاع عن القضايا العامة ومناقشة السياسات.
  4.  تقوية التماسك الاجتماعي: تجمع مبادرات الخدمة الاجتماعية الناس للعمل نحو أهداف مشتركة، مما يخلق شعورًا بالتضامن والغاية المشتركة وهما عنصران أساسيان لمواطنة نابضة بالحياة والديمقراطية (Ife, 2012).
  •  أنواع الخدمات الاجتماعية: يمكن تصنيف الخدمات الاجتماعية بشكل عام وفقًا لأهدافها والفئات المستهدفة، فيما يلي الأنواع الرئيسية لهذه الخدمات:
        1.  الخدمة المباشرة: تلبية الاحتياجات الفورية، مثال، برامج توزيع الغذاء للأسر ذات الدخل المنخفض، حملات الرعاية الطبية في المناطق المحرومة، أو جهود الإغاثة الطارئة بعد الكوارث الطبيعية. هذا ما يساهم في تنميّة المواطنة من خلال تعزيز التعاطف والتضامن وبما يحفز الأفراد على المساهمة في رفاه مواطنيهم.
        2.  الدعوة والعمل السياسي: معالجة القضايا النظامية من خلال التغيير السياسي والدعوة، مثال، حملات المطالبة بتوفير مساكن ميسورة التكلفة، الضغط لسن قوانين تحمي الحقوق، أو الدعوة لتحسين أنظمة الصحة العامة. تكون المساهمة في تنمية المواطنة من خلال مشاركة الأفراد في النشاط السياسي وتثقفهم حول حقوقهم ومسؤولياتهم.
        3.  تنمية المجتمع: تمكين المجتمعات لتحسين ظروف معيشتها، مثال، بناء المدارس في المناطق الريفية، إنشاء تعاونيات للمزارعين، أو تشكيل مجموعات دعم ذاتي للنساء. هذا ما يحقق تنمية المواطنة من خلال تعزيز ثقافة المشاركة حيث يعمل الأفراد معًا لتحسين المساحات المشتركة.
        4.  خدمات التنمية الاجتماعية: بناء قدرات طويلة الأمد وتعزيز الاعتماد على الذات.  أمثلة، برامج محو الأمية، التدريب المهني للشباب العاطلين عن العمل أو أنظمة دعم الصحة النفسية. بما يحقق تطوير المواطنة عبر تزويد الأفراد بالأدوات اللازمة للمساهمة في بناء المجتمع وتعزيز الاستقلال الاقتصادي والمشاركة الاجتماعية.
        5. خدمات البيئة والاستدامة: حماية البيئة واستعادتها لتحقيق منفعة مجتمعية. مثال، حملات مجتمعية لزراعة الأشجار، مبادرات لتنظيف البيئة أو برامج تعليمية حول الطاقة المتجددة. ويكون  تطوير المواطنة من خلال تعزيز منظور عالمي وإحساس بالمسؤولية لحماية الموارد المشتركة.
        6. خدمات التدخل في الأزمات: تقديم الدعم الفوري خلال الأزمات. مثال، خدمات الإرشاد لضحايا العنف الأسري، برامج دعم اللاجئين، أو إدارة الكوارث. بما يحقق  تطوير المواطنة عبر إبراز أهمية المساعدة المتبادلة وتعزيز الثقة بالمؤسسات الاجتماعية (Johnson & Yanca, 2010).

إذًا تتسم الخدمات الاجتماعية والمواطنة بترابط وثيق، فالانخراط في الخدمة الاجتماعية لا يقتصر على تلبية احتياجات المجتمع، بل يساهم أيضًا في تشكيل مواطنة أكثر وعيًا وفعالية وتماسكًا. سواء من خلال الأعمال المباشرة مثل التطوع أو الجهود النظامية كالمناصرة السياسية، تُمَكّن الخدمات الاجتماعية الأفراد من الإسهام بفاعلية في مجتمعاتهم وتؤسس قاعدة قوية للقيم الديمقراطية والمسؤولية المدنية.

 

  1. النظام اللبناني ما بين سلطة المحاصصة ومؤسسات الدولة الديمقراطيّة الدستوريّة:

أوضح الرئيس الحسيني في خطاب استقالته آب 2008 أن اقرار الإصلاحات الدستوريّة في الطائف كانت تتطلب ورشة إصدار قوانين تطبيقية لم يصدر منها شيئ!! فالدستور هو إطار يحتاج إلى قوانين تطبيقية لتنظيم دوائر رئاسة الجمهورية، الإنتخاب، أعمال مجلس الوزراء، دوائر رئاسة مجلس الوزراء، تحقيق السلطة القضائية المستقلة، الجيش، الأجهزة الأمنية، التنظيم الإداري للدولة، اللامركزية الإدارية وتقسيماتها، وسائل الإعلام... وأضاف بأن القانون الإنتخابي للمجلس النيابي القائم مخالف للدستور ولوثيقة الوفاق الوطني، يستبعد النخبة، ولا يوجد نظامٍ ديمقراطيٍّ برلمانيّ حقيقي. الحالة الاستثنائية تُفرض كقوة قاهرة على الناس لشل ارادتهم، هناك سعي منها لتكريس دولةً بلا مؤسّسات ووطنًا بلا مواطنين (س. ح. عاكوم، 2024).

استنادًا لمواد الدستور ولوثيقة الوفاق الوطني، يتطلب بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الدستورية بشكل أساسي تحقيق:

  • سلطة قضائية مستقلة (الدستور اللبناني، 1990، صفحة 19).
  • استكمال السلطة المشترعة بعد ضم مجلس الشيوخ الى هذه السلطة ليمثل الطوائف ويضمن عدم هيمنة طائفة على باقي الطوائف، بما يسمح للمجلس النيابي غير الطائفي بمراقبة عمل الحكومة ومتابعة مهام التشريع (الدستور اللبناني، 1990، الصفحات 21-24).
  • تقويم عمل السلطة الإجرائية التي تضم كل من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء (الدستور اللبناني، 1990، الصفحات 37-53).
  • لامركزية إدارية فاعلة (مجلس النواب، 1989، صفحة 6)، تشمل كل من مجالس الأقضية، مجلس مدينة بيروت والبلديات، بعد اعادة التقسيم الإداري المتوازي والمتوازن للمحافظات بما يحقق الإنماء المتوازن للمناطق ووحدة الدولة واستقرار النظام (الدستور اللبناني، 1990، صفحة 8).
  • قانون انتخابي عادل يتوافق مع المبادئ الدستورية، يقضي على الإحتكار السياسي والطائفي لميليشيات السلاح والمال، يسمح بالتخلص من الفساد المنجذر والمبطن بحملات اعلامية واعلانية، والغاء جيوش المندوبين التابعين للأحزاب، والتخلص من نمط الإقتراع الميكانيكي المعقد الموجه للسيطرة على العمليّة الإنتخابية وغيرها من أنواع التلاعب الإنتخابي بالصناديق والشحن الطائفي وغيره (س. ح. عاكوم، 2022).

يترافق ذلك مع ورشة إصدار عشرات ان لم نقل مئات القوانين التطبيقية التي تكلم عن بعضها الرئيس الحسيني، بما يسمح بالتحرر من فيروس سلطة محاصصة الإتفاق الثلاثي والإنتقال الى برنامج الدولة الدستوريّة الديمقراطيّة الحديثة. إن اندثار معالم المؤسسات الديمقراطيّة الحقيقيّة يؤكد خيار استبداد ما يسمونه سلطة المحاصصة التي علقت الممارسة الديمقراطية والغت التعددية واحتكرت القرار السياسي والهيمنة الدائمة ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التشويه على كل المستويات على مفهوم المواطنة. ليكون استعادة منطق حكم المؤسسات الديمقراطيّة بمختلف مستوياتها هو خيار المنطق الديمقراطي للتخلص من آفة التعطيل والشروع في تفعيل آليات عمل مؤسسات تجسيم هذا الخيار عبر اعتماد التشريعات الجيدة واحترام نصوص الدستور بما يحقق المواطنة في لبنان (س. ح. عاكوم، 2024).

 

  1. بناء مؤسسات النظام الديمقراطي شرط تحقيق المواطنة في لبنان:

يتطلب تحقيق المواطنة الحقيقية في لبنان معالجة التحديات الجذرية التي يفرضها النظام الطائفي وتقاسم الحصص المتجذر في البنية السياسية منذ بداية التسعينات، استحوذت ميليشيات الإتفاق الثلاثي على السلطة بعد سنوات الحرب الطويلة. وتسببت سلطة المحاصصة التي ابتدعوها إلى تقويض المبادئ الدستورية، ابعاد رجال الدولة، تعزيز الانقسامات وإعاقة تطوير هوية وطنية موحدة وشاملة. لتحقيق مفهوم المواطنة الحقيقيّة ينبغي إعادة تعريف الدولة وتعزيز مؤسساتها الديمقراطية بعد بنائها وفق قواعد الدستور وميثاقيّة مقدمته وتفكيك إرث الطائفية السياسيّة وتأثيرات الخارج التي ما زالت تشتت مبدأ الحكم السيادي في لبنان.

فالدولة تتميز بسيادتها وشعبها وأرضها ومؤسساتها، وتزدهر المواطنة في الدول الديمقراطية الحديثة التي تُقدِّم المساواة أمام القانون والحكم الشامل والمساءلة هي ركائز أساسية. أما في لبنان، فإن البنية الطائفية واحتكارات زعاماتها تعرقل تحقيق المواطنة من خلال إعطاء الأولوية للولاءات الطائفية وعصبيّة التبعية العمياء التي تحقق مصالح احتكاراتهم على حساب الولاء الوطني المحتضن للجميع. لتجاوز هذا العائق، لا بد من إعادة إرساء الدولة بمفاهيمها الصحيحة التي بيّناها كضامن للحقوق المتساوية والفرص العادلة لجميع المواطنين دون اعتبار للإمتيارات الطائفة أو المناطقيّة.

يُضعف النظام الطائفي المتأصل منذ الحقبة الاستعمارية والمراحل التي تلتها قدرة لبنان على بناء دولة مستقرة وذات سيادة ونظام ديمقراطي حقيقي. فقد أدت المؤسسات الطائفيّة والثقافية وأخيرًا العسكريّة التي أنشأتها القوى الاستعمارية الخارجيّة للسيطرة إلى إضعاف اللحمة الوطنية اللبنانية. وأسهمت هذه الانقسامات في تفاقم العجز السياسي، تعميق الفساد وفتح المجال أمام قوى خارجية أخرى لاستغلال نقاط الضعف الداخلية.

لنجاح المواطنة، يتوجب على القوى الحيّة في المجتمع اللبناني الدفع باتجاه بناء مؤسسات ديمقراطية قوية تعكس المنطقيّة الدستوريّة وأخلاقيتها كعقد أجتماعي ومبادئ اتفاق الطائف، وتشمل هذه الإصلاحات الأساسية:

  • القضاء المستقل: إنشاء سلطة قضائية تكرس سيادة القانون وتحمي حقوق المواطنين دون أي تدخل سياسي.
  • السلطة التشريعية: استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ يُمثِّل المصالح الطائفية بعدالة ويضمن عدم هيمنة طائفة على أخرى، أي بما يحقق أهداف إتمام وتعزيز وظائف السلطة التشريعية على مستوى مجلس نيابي يعمل خارج القيد الطائفي ليحقق أهداف التنميّة المتوازنة.
  • السلطة التنفيذية: تقييم وإصلاح عمل السلطة التنفيذية لضمان الشفافية والكفاءة واقرار كل القوانين التطبيقيّة المتعلقة ببناء وتطوير الإدارة وتنظيم الصلاحيات والإختصاصات وضمان عدم التعطيل.
  • اللامركزية الإدارية: تنفيذ إعادة تقسيم متوازنة وعادلة للمحافظات وفق ما نص عليه اتفاق الطائف لتعزيز التنمية المتوازنة بين المناطق وتحقيق الوحدة الوطنية تحت سقف العدالة.
  • الإصلاح الانتخابي: اعتماد قانون انتخابي عادل متوافق مع المبادئ الدستورية وميثاقيّة مقدمة الدستور أي يُركز على المواطنة بدلاً من الولاءات الطائفية.

يتطلب بناء الدولة الديمقراطية في لبنان الاستثمار في التعليم وتعزيز قدرات الحوكمة. ويُعدّ تعزيز مجالس الأقضيّة، مجالس البلدية والإدارية أمراً ضرورياً لتمكين المواطنين وضمان مشاركتهم في صنع القرار. كما يجب إصلاح الهياكل الإدارية والتنظيمية لكل الإدارات وتحريرها من التعقيدات الإداريّة المسببة للفساد، لتحسين الكفاءة والشفافية والمساءلة على جميع المستويات الحكومية.

بعد هذا التطوير الذي بيناه نقول باختصار، إن تحقيق المواطنة في لبنان يستوجب الانتقال من النظام الطائفي وتقاسم الحصص إلى نموذج ديمقراطي دستوري. ويشمل ذلك تنفيذ إصلاحات شاملة لتفكيك بقايا فيروس نظام المحاصصة الطائفية وفتح الباب أمام برامج بناء مؤسسات ديمقراطيّة مستقلة وفعالة وتعزيز التنمية المتوازنة للمناطق. ولا يمكن للبنان أن يصبح دولة ذات سيادة واستقرار ووحدة إلا من خلال التخلي عن التبعيّة للخارج والإنتقال الى منطقيّة الالتزام بالدستور، ترسيخ المساواة وضمان مشاركة جميع المواطنين في صياغة مستقبل البلاد. إن لبنان الديمقراطي المتحرر من الانقسامات الطائفية والموجه بالحكم العادل قادر على أن يصبح نموذجاً في تجاوز الإرث الاستعماري والتدخلات الخارجيّة اللاحقة، وبناء نظام سياسي مستدام، شامل وحديث يحقق دوره الرسالي في البناء الداخلي والشراكة السياديّة لتبادل المصالح مع الخارج.

 

خلاصة:

إن طبيعة المواطنة مرتبطة ارتباطًا جوهريًا بمبادئ المساواة والعدالة والمشاركة. أظهرت البلدان الديمقراطية الحديثة القوة المرتبطة بالتحول للمواطنة في تحقيق العدالة الاجتماعية، تواجه البلدان النامية ومنها لبنان تحديات كبيرة بسبب الطائفية أو القبلية السياسية. من خلال معالجة هذه التحديات عبر الحوكمة الشاملة، والإصلاحات المؤسساتية، والتعليم المدني وغيره يمكن للبنان فتح إمكانيات المواطنة، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر عدلاً وديمقراطية.

إن مفهوم المواطنة الحقيقية هو حجر الزاوية لبناء دولة ديمقراطية عادلة يتمتع فيها كل فرد بحقوقه وواجباته ضمن إطار مؤسساتي قوي وشفاف. تعاني المواطنة في لبنان من عدة تحديات، أبرزها الطائفية السياسية والمحاصصة التي أخذت مكان مؤسسات الدولة الديمقراطيّة والتي تسببت بنشر الفساد وإضعاف المؤسسات. ومع ذلك، يبقى الأمل في إمكانية بناء مواطنة حقيقية متجذرة في قيم المساواة والعدالة والمشاركة الفعّالة.

إن تحقيق هذه المواطنة يتطلب أولاً استكمال بناء المؤسسات الدستورية التي تشكل الأساس الراسخ لأي نظام ديمقراطي انطلاقًا من استقلالية السلطة القضائية* التي تضمن العدالة والمساءلة بعيدًا عن التدخلات السياسية. تطبيق المادة 22 من الدستور إنشاء مجلس شيوخ** قادر على ضمان حقوق الطوائف وتحقيق التوازن بين مختلف المكونات المجتمعية أن يعزز السلم الأهلي ويعطي كل فئة شعوراً بالعدالة والمساواة.

من الضروري تطبيق اللامركزية الإدارية*** المتوازنة والمتوازية، بما يضمن توزيعاً عادلاً للموارد والسلطات بين المركز والأطراف، ويعزز قدرة المناطق على اتخاذ قرارات تخصها بشكل أفضل ويقلل من ظاهرة الفساد المرتبطة بالإحتكارات السياسيّة والتركيز المفرط للسلطة في الدولة المركزية.

أما في ما يتعلق بالنظام الانتخابي****، فيجب أن تشمل الإصلاحات قانوناً انتخابياً عادلاً يتوافق وميثاقيّة مقدمة الدستور، يعكس إرادة الشعب ويسمح بتكوين برلمان يعبر بصدق عن تنوع المجتمع اللبناني ويحقق الآمان الإجتماعي لكل مكونات الوطن واطلاق الكفاءات الكفيلة بتحقيق الإزدهار الإقتصادي.

لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسسات دولة دستوريّة قوية ومتماسكة قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، والتخلص من النظام الطائفي التحاصصي الذي دمر أسس الدولة وضيّع معالم مؤسساتها وأدى إلى تفشي الفساد. إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية جادة وإصلاحات عميقة، تجعل من المواطنة الحقيقية الأساس في بناء لبنان الجديد الذي ينعم فيه جميع أبنائه بالحرية والعدالة والمساواة.

المراجع

  1. A. Heywood. (2021). Political theory: An introduction (5th ed.). Macmillan International Higher Education.
  2. Anderson, B. (1991). Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Verso.
  3. Banks, J. A. (2008). Diversity, group identity, and citizenship education in a global age. Educational Researcher, https://doi.org/10.3102/0013189X08317501, pp. 37(3), 129–139.
  4. Biesta, G. J. (2011). Learning democracy in school and society: Education, lifelong learning, and the politics of citizenship. Springer.
  5. Chatterjee, P. (1993). The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial Histories. Princeton University Press.
  6. Crouch, C. (2004). Post-democracy. Polity Press.
  7. Dahl, R. A. (1989). Democracy and its critics. Yale University Press.
  8. Dahl, R. A. (1998). On Democracy. Yale University Press.
  9. Diamond, L. (2008). The spirit of democracy: The struggle to build free societies throughout the world. Henry Holt and Company.
  10. Dicey, A. V. (1885). Introduction to the Study of the Law of the Constitution. Macmillan.
  11. Freire, P. (2000). Pedagogy of the oppressed (30th anniversary edition). Continuum.
  12. Fukuyama, F. (2011). The origins of political order: From prehuman times to the French Revolution. Farrar, Straus, and Giroux.
  13. Fukuyama, F. (2011). The Origins of Political Order: From Prehuman Times to the French Revolution. Farrar,. Straus and Giroux.
  14. Gutmann, A. (1999). Democratic Education (Revised ed.). Princeton University Press.
  15. Gutmann, A. (1999). Democratic education (Revised edition). Princeton University Press.
  16. Held, D. (20006). Models of Democracy (3rd ed.). Stanford University Press.
  17. Held, D. (2006). Models of democracy (3rd ed.). Stanford University Press.
  18. Held, D. (2006). Models of democracy (3rd ed.). Stanford University Press.
  19. Ife, J. (2012). Human rights and social work: Towards rights-based practice (3rd ed.). Cambridge University Press.
  20. Johnson, L., & Yanca, S. (2010). Social work practice: A generalist approach (10th ed.). Pearson.
  21. Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press.
  22. Miller, D. (2000). Citizenship and national identity. Polity Press.
  23. Ndlovu-Gatsheni, S. J. (2013). Coloniality of Power in Postcolonial Africa: Myths of Decolonization. CODESRIA.
  24. O’Donnell, G. (2004). Why the Rule of Law Matters. Journal of Democracy,. pp. 15(4), 32-46. https://doi.org/10.1353/jod.2004.0076. Retrieved from 15(4), 32-46. https://doi.org/10.1353/jod.2004.0076
  25. O’Donnell, G., Cullell, J., & Iazzetta, O. (2004). The quality of democracy: Theory and applications. University of Notre Dame Press.
  26. Oppenheim, F. E. (1981). The concept of the state. Oxford University Press.
  27. Osborne, D. ,. (1992). Reinventing government: How the entrepreneurial spirit is transforming the public sector. Addison-Wesley.
  28. Osler, A. &. (2005). Changing citizenship: Democracy and inclusion in education. Open University Press.
  29. Ostrom, E. (1990). Governing the commons: The evolution of institutions for collective action. Cambridge University Press.
  30. Payne, M. (2014). Modern social work theory (4th ed.). Oxford University Press.
  31. Payne, M. (2021). Modern social work theory (5th ed.). Oxford University Press.
  32. Pierson, C. (2004). The modern state (2nd ed.). Routledge.
  33. Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
  34. Samir H. AKOUM. (2024). استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان. المجلة القضائيّة، صادرلكس-لبنان.
  35. Samir H. Akoum. (2024). ما هي مقومات تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة في لبنان؟ المجلة القضائيّة، صادرلكس- لبنان.
  36. Samir H. Akoum. (2024). نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني. المجلة القضائيّة، صادرلكس-لبنان.
  37. Sen, A. (1999). Development as freedom. Oxford University Press.
  38. Sen, A. (1999). Development as freedom. Oxford University Press.
  39. Sen, A. (2009). The Idea of Justice. Belknap Press.
  40. Wilson, W. (1887). The study of administration. Political Science Quarterly. 2(2), 197–222.
  41. Young, C. (1994). The African Colonial State in Comparative Perspective. Yale University Press.
  42. الجمهوريّة اللبنانيّة مجلس النواب. (1989). وثيقة الوفاق الوطني. التي أقرها المجلس النيابي في مدينة الطائف بالمملكة العربيّة السعوديّة بتاريخ 22 / 10/ 1989 والتي صدّقها مجلس النواب في جلسته المنعقدة في القليعات بتاريخ 5/ 11 / 1989.
  43. الدستور اللبناني. (1990). بيروت: الصادر في 23 أيار سنة 1936 مع جميع تعديلاته.
  44. س. ح. عاكوم. (2022). نحو نظام سياسي فاعل مرجعيته الدستور وميثاقية مقدمته. بيروت.
  45. س. ح. عاكوم. (23 7, 2024). ما بين آب 2008 وآب 2024... خارطة طريق خطاب استقالة الرئيس الحسيني. تم الاسترداد من https://www.annahar.com/

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحق دراسات مرتبطة بموضوع الدراسة

 

 *  استقلالية السلطة القضائية،  دراسة سابقة للدكتور سمير عاكوم نشرت في المجلة القضائيّة صادرلكس- لبنان، بتاريخ 30/1/2024  تحت عنوان: ما هي مقومات تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة في لبنان؟ (Akoum، ما هي مقومات تحقيق سلطة قضائيّة مستقلة في لبنان؟، 2024)

** مجلس شيوخ، دراسة سابقة للدكتور سمير عاكوم نشرت في المجلة القضائيّة صادرلكس- لبنان، بتاريخ 19/1/2024  تحت عنوان: استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان (AKOUM، 2024)

***   اللامركزية الإدارية، دراسة سابقة للدكتور سمير عاكوم نشرت في المجلة القضائيّة صادرلكس- لبنان، بتاريخ 8/1/2024  تحت عنوان: نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (Akoum، نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، 2024)

****  النظام الانتخابي، دراسة سابقة للدكتور سمير عاكوم نشرت في المجلة القضائيّة صادرلكس- لبنان، بتاريخ 19/1/2024  تحت عنوان: استكمال السلطة التشريعيّة بمجلس شيوخ طائفي لمعالجة معضلة نظام المحاصصة الطائفيّة في لبنان و نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (AKOUM، 2024)، (Akoum، نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، 2024)

 

PDFالملف المرفقملف PDF · 421 ك.بتحميل ↓