المبادىء المقررة في القرار رقم 1/2025 تاريخ 2/1/2025 الصادر عن المجلس الدستوري
كما في كل مرة، كرّس المجلس الدستوري عدة مبادىء دستورية في معرض قراره رقم 1/2025، تاريخ 2/1/2025 بعضها قديم وبعضها الآخر جديد، سنأتي على ذكرها تباعا.
اولا: المبدأ الاول: صلاحية المجلس الدستوري تشمل الرقابة الخارجية على القانون
ان رقابة المجلس الدستوري، على اي نص تشريعي يطعن به امامه، لا تقتصر على النظر في مدى انطباق مضمون ذلك النص على الدستور، انما تتعداه الى النظر في عيوب عدم الدستورية التي قد تشوب اصول التشريع المنصوص عنها في الدستور او في القواعد العامة الواردة في مقدمته او في متنه وهو ما يعرف بالرقابة الخارجية على القوانين.
ثانيا: المبدأ الثاني: مخالفة قاعدة التصويت على القوانين بالمناداة يبطل التصديق ( المادة 36 من الدستور )
نصت المادة 36 من الدستور ان التصويت على القوانين يكون " دائما" بالمناداة على الاعضاء باسمائهم وبصوت عالٍ. هذه القاعدة تشكّل صيغة شكلية جوهرية لا تقبل الاســــــتثناء لورود تعبير" دائما" في النص الدستوري الواردة فيه.
ان اهمال هذه القاعدة الجوهرية في التصويت او مخالفتها يؤدي الى اعتبار التصويت باطلا، وينسحب هذا البطلان على القانون الذي يصبح مستوجب الابطال في حال الطعن به اصولا.
ثالثا: المبدأ الثالث: عدم جواز اصدار القانون ونشره خلافا لصيغته الحرفية التي اقرها مجلس النواب ( المادة 51 من الدستور )
يستفاد من احكام المادة 51 من الدستور انها تحظر اصدار القانون ونشره خلافا لصيغته الحرفية التي اقرها مجلس النواب سواء من خلال الزيادة على تلك الصيغة او الانقاص منها او تعديلها باي شكل من الاشكال.
تبيّن للمجلس الدستوري انه بالعودة الى محضر جلسة مناقشة القانون في الهيئة العامة لمجلس النواب ومقارنته بالتسجيل الصوتي للجلسة، ان اقتراح القانون الذي تلي على الهيئة العامة، قبل التصويت لم تتم مناقشته بالصيغة التي تلي بها ولا بصيغته النهائية التي تم نشرها بالجريدة الرسمية، فضلا عن ان هاتين الصيغتين تختلفان ايضا في ما بينهما.
رابعا: المبدأ الرابع: عدم جواز مخالفة مبدأ وضوح المناقشات البرلمانية ذي القيمة الدستورية النابع من مبدأ السيادة الشعبية
أعطى المجلس الدستوري لمبدأ المناقشات البرلمانية قيمة دستورية ، واعتبر بأن التصويت على التمديد لمدة ستة اشهر لبعض القضاة تمّ وسط " ضجيج عارم " وحيث سمعت اصوات تسأل عن مصير القانون وتطالب بنتيجة التصويت بالمناداة، كما طالب بعض النواب بتدوين اعتراضهم في المحضر ولم يتم اضافة طلبهم. وتبيّن ان عدد النواب الذين نودي عليهم لا يتعدى الاثني عشر نائبا ، الذين لم يصوتوا بالموافقة بل تقدموا بمراجعة ضد القانون.
اعتبر المجلس الدستوري ان اقرار القانون، في هذه الحالة، يكون مخالفا لاصول التشريع المنصوص عنها في المواد 18 و34 و36 و51 من الدستور وللمبادىء والقواعد التي يرتكز عليها النظام الديمقراطي البرلماني في لبنان، لا سيما تلك المنصوص عنها في الفقرتين ( ج ) و (د ) من مقدمة الدستور ولمبدأ وضوح المناقشات البرلمانية ذي القيمة الدستورية.
خامسا: المبدأ الخامس: استطلاع رأي مجلس القضاء الاعلى في عملية التشريع، عندما يتعلق النص بتنظيم شؤون القضاء هو ذات قيمة دستورية
اعتبر المجلس الدستوري ان استطلاع رأي مجلس القضاء الاعلى في عملية التشريع، عندما يتعلق النص بتنظيم شؤون القضاء والقضاة، هو تكريس لمبدأ استقلالية السلطة القضائية ذي القيمة الدستورية ، والذي يمثل احد انعكاسات مبدأ فصل السلطات المنصوص عنه في الفقرة ( هـ ) من مقدمة الدستور.
وان الاستطلاع المشار اليه ليس مجرد صيغة شكلية نص عنها القانون، بل هو صيغة جوهرية formalité substantielle تكرّس احدى الضمانات القضائية المنصوص عنها في المادة 20 من الدستور.
ان الصيغة الجوهرية المذكورة تقتصر على مجرد استطلاع رأي الهيئات المذكورة في مشاريع القوانين والانظمة المتعلقة بالقضاء، بل هي تكريس للضمانة القضائية المنصوص عنها في المادة 20 من الدستور وايضا لمبدأ استقلال السلطات الدستورية وتعاونها، المنصوص عنه في الفقــرة ( هـ ) من الدستور.
وخلص المجلس الى " ان اقرار القانون المطعون فيه الذي تضمن تعديلات في قانون القضاء العدلي في ما يختص بتأليف وولاية مجلس القضاء الاعلى وتعديل سن التقاعد لبعض القضاة، دون استطلاع رأي مجلس القضاء، يكون مخالفا للدستور ومستوجب الابطال لهذه الناحية ".
سادسا: المبدأ السادس: عدم ارفاق القانون باسباب موجبة لا يشكل مخالفة للدستور
تنص المادة 6 من قانون الحق في الوصول الى المعلومات رقم 28/2017 انه " تنشر الاسباب الموجبة مع القوانين والمراسيم على مختلف انواعها في الجريدة الرسمية، وذلك بواسطة الجهة المناط بها صلاحية النشر او صلاحية الاصدار".
ولكن،
قرر المجلس الدستوري " انه اذا كانت الاسباب الموجبة للقانون تكتسي اهمية بالغة في عملية التشريع كونها تنير النواب عند التصويت عليه، كما تسهل عملية تفسيره من قبل المعنيين بتطبيقه اذ تكشف بطريقة بسيطة وموجزة اسباب اقتراح النص والمبادىء التي ينطلق منها والاهداف التي يحددها والتعديلات التي يجريها على القانون النافذ، فيشكّل ارفاقها بالقانون الذي تمّ التصديق عليه ونشرها معه في الجريدة الرسمية، موجبا قانونيا على المشترع التقيد به؛ غير ان غيابها لا يشكل سببا دستوريا لابطال القانون المطعون فيه، اذ انها لا تتمتع بالقيمة القانونية valeur juridique خلافا لاحكام القانون الذي ترافقه، والتي تخضع لرقابة المجلس،
وحيث ان عدم ارفاق الفقرتين الثانية والثالثة من القانون باسباب موجبة لا يشكل مخالفة للدستور".
فقد اعتبر المجلس الدستوري ان الاسباب الموجبة لا تتمتع " بالقيمة القانونية "، وبحجة أولى لا تتمتع بالقيمة الدستورية المبررة لتدخل المجلس، بل ان دورها مقتصر على عملية فهم القانون وتفسيره. وهي تشكل " موجبا قانونيا "،على المشترع التقيد به. ولكنها لا تتمتع بالقيمة القانونية ؛ فالقانون الذي ترافقه يتمتع وحده بهذه القيمة.
وهذا يعني انها تتمتع " بقيمة علمية " تساعد على تفسير القانون، بدون ان ترتقي هذه القيمة العلمية الى " القيمة القانونية "، وبحجة اولى لا تتمتع " بقيمة دستورية " تبرر تدخل المجلس الدستوري.
سابعا: المبدأ السابع: عدم جواز مخالفة مبدأ شمولية القانون وتجرده
نص البند ثالثا من القانون المطعون فيه على تأخير سن تقاعد القضاة الذين يبلغون سن التقاعد في الفترة الممتدة من 15/3/2025 الى 15/5/2026 ـ والذين يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في مجلس الوزراء ـ لمدة ستة اشهر من تاريخ تقاعدهم.
قرر المجلس الدستوري " ان هذا البند يؤدي الى افادة قضاة محددين واقصاء آخرين مثال الذين يعينون ايضا في مراكزهم بمراسيم وتنهي خدمتهم ببلوغهم السن القانونية في الفترة الممتدة بين تاريخ نفاذ القانون وتاريخ 15/3/2025، او الذين لا يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في مجلس الوزراء، علما ان هذا التمييز بين القضاة لا يستند الى اي مبرر تقتضيه المصلحة العامة واستمرارية المرفق القضائي، لا سيما وانه يمكن تفادي الفراغ عند تقاعد اي من القضاة المعينين بالقانون المطعون فيه بحلول القاضي الاعلى مرتبة في المحكمة او النيابة العامة محله الى حين تعيين بديل عنه،هذا فضلا عن امكانية تكليف احد القضاة القيام بمهام قضائية في اي من المراكز الشاغرة منعا لفراغها ".
وانتهى المجلس الدستوري الى ان القانون بالصيغة التي اقر بها ، يشكل انتهاكا لمبدأ المساواة المكرّس في المادة 7 من الدستور والفقرة ( ج ) من مقدمته ولمبدأ المساواة في تولي الوظائف العامة، المكرس في المادة 12 من الدستور.
واستعاد المجلس الدستوري، موقفه السابق في قرارات سابقة مفادها ان القانون يجب ان يكون واحداً لكل المواطنين، او واحداً لجميع المنتمين منهم الى اوضاع قانونية متشابهة. ولا يجوز اعتماد قانون مفصّل على قياس اشخاص محددين.
واعتبر المجلس الدستوري ان مبدأ المساواة بين القضاة المتواجدين في الوضعية عينها، يشكل عنصرا اساسيا من عناصر استقلالية القضاة والسلطة القضائية، وانتهى الى ابطال القانون برمته لهذا السبب ايضا.
هذا يعني ان المجلس الدستوري اعتبر ان القوانين الموضوعة على قياس اشخاص محددين Dispositions sur mesure تخالف الطبيعة الشمولية للقانون وتجرده، كما تخالف مبدأ المساواة بين المواطنين او على الاقل بين الاشخاص المتواجدين في اوضاع قانونية متشابهة فيكون وضع نصوص قانونية على قياس اشخاص محددين مخالفا للدستور، لان مبدأ شمولية القانون وتجرده، هو ـ بفعل قرار المجلس الدستوري ـ ذات قيمة دستورية.
ثامنا: المبدأ الثامن: قاعدة ثبات تشكيل مجلس القضاء الاعلى واستقلالية اعضائه هي ذات قيمة دستورية لارتباطها بمبدأ استقلالية القضاء الذي يتمتع بهذه القيمة
قرر المجلس الدستوري " ان انتخاب اعضاء المجلس من اقرانهم يعتبر بحسب المعايير الدولية احدى ضمانات استقلالية مجلس القضاء الاعلى ". وبالتالي يكون القانون الذي حرم القضاة من انتخاب احد ممثليهم في المجلس عبر اعادة احياء ولاية عضو منتخب منتهية ولايته، تدخلا من المشترع في شؤون القضاء وانتقاصا من ضمانات استقلال اعضاء مجلس القضاء الاعلى الذي يسهر على استقلالية القضاء وحسن سير عمله.
كما ان ايلاء عضوية مجلس القضاء الاعلى ونيابة رئاسته حكميا الى النائب العام لدى محكمة التمييز الي يعيّن في هذا المنصب اصالة بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء يراعي الى حد بعيد قاعدة ثبات تشكيل مجلس القضاء الاعلى وتأمين متطلبات استقلالية اعضائه وتجنيبهم المؤثرات الخارجية على اعتبار ان عزله من هذا المنصب او نقله منه ليس بالامر اليسير كونه يستوجب اغلبية الثلثين في مجلس الوزراء سندا للمادة 65 بند ( 5) من الدستور.
وان ايلاء هذه العضوية ونيابة الرئاسة الحكمية الى من يشغل هذا المنصب بالانتداب او بالتكليف، لا يؤمن هذه الضمانات، لان الانتداب يحصل بقرار من وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الاعلى سندا للمقطع الاخير من المادة 20 من قانون القضاء العدلي، فيما التكليف يحصل بقرار منفرد من الرئيس الاول لمحكمة التمييز سندا للمادة عينها معطوفة على المادة 28 من قانون القضاء العدلي.
وتابع المجلس الدستوري بان القانون المطعون فيه باعتباره القاضي المنتدب او المكلف نائبا عاما لدى محكمة التمييز عضوا حكميا ونائبا لرئيس مجلس القضاء الاعلى، يكون قد منح وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الاعلى من خلال الانتداب، واعطى الرئيس الاول لمحكمة التمييز ـ رئيس مجلس القضاء الاعلى ، من خلال التكليف ، صلاحية في تشكيل مجلس القضاء الاعلى وتعديل هذا التشكيل بدون اية ضوابط او قيود. وانه لا يجوز ان يقوم قاضٍ بتعيين او عزل اتراب له في مجلس واحد، لان ذلك يتعارض مع قاعدة ثبات تشكيل مجلس القضاء الاعلى واستقلالية اعضائه ويضع احد اعضاء المجلس وهو نائبا لرئيس في وضع غير مستقر يسمح باستبداله بسهولة بالغة، ما ينزع عن عضويته في مجلس القضاء الاعلى صفة الديمومة بمفهومها القانوني. وهذا ما يتناقض مع استقلالية القاضي ويجعله عرضة للمؤثرات والضغوطات؛ وهو الامر الذي يخالف بدوره مبدأ استقلالية القضاء ذات القيمة الدستورية.
هذا فضلا عن ان القاضي الذي يشغل منصب النائب العام لدى محكمة التمييز انتدابا او تكليفا، لا يقسم اليمين المنصوص عنها في المادة 3 من قانون القضاء العدلي، امام رئيس الجمهورية، فيكون القانون المطعون فيه، قد اتاح ضم عضو الى مجلس القضاء بدون ان يقسم اليمين القانونية، ما يخالف احدى الضمانات الاساسية التي ترعى عمل مجلس القضاء الاعلى، المنصوص عنها في المادة 3 من قانون القضاء العدلي. فتوجد هنا ايضا مخالفة اضافية لاحكام المادة 20 من الدستور ولمبدأ استقلالية القضاء ذي القيمة الدستورية، ويستوجب الابطال لهذا السبب.
تاسعا: المبدأ التاسع: تدارك التعطيل في عمل مجلس القضاء الاعلى لا يبرر حجم الضرر الناجم عن تعدي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة الاجرائية وخرق مبدأ الفصل بين السلطات
قرر المجلس الدستوري ان تمديد صلاحية خمسة اعضاء في مجلس القضاء الاعلى تنتهي مدة ولايتهم في 14 تشرين الاول 2024، اي قبل حوالي الشهرين من تاريخ نشر القانون المطعون فيه، يشكل عمليا تعيينا جديدا لهم من قبل السلطة التشريعية الى حين تعيين بدلاء عنهم.
ان هذا التعيين يخالف الاصول المحددة في المادة الثانية من قانون تنظيم القضاء العدلي، التي تنص ان تعيين بدلاء لاربعة منهم يكون من قبل السلطة التنفيذية بمرسوم يتخذ بناء لاقتراح وزير العدل.
وان تدارك التعطيل في عمل مجلس القضاء الاعلى، لا يبرر حجم الضرر الناشىء عن تعدي السلطة التشريعية على صلاحية السلطة الاجرائية وما نتج عنه من خرق لمبدأ فصل السلطات المكرس في الفقرة ( هـ ) من مقدمة الدستور، فيكون البند ( اولا ) من المادة الوحيدة للقانون المطعون فيه، مخالفا للدستور لهذا السبب ايضا.
عاشرا: المبدأ العاشر: الغموض في القانون الذي يفسح المجال الى تطبيقه بشكل استنسابي يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه ذات القيمة الدستورية
ان مبدأ فقه القانون ووضوحه متفرع بدوره من مبدأ المساواة المكرس في المادة 7 من الدستور والفقرة ( ج ) من مقدمته، وهذا ما يجعل منه ذات قيمة دستورية، تستوجب مخالفته ابطال القانون الذي يسوده الغموض في اي فقرة منه.
في الختام نقول بأن المجلس الدستوري من خلال اطلاقه عدة مبادىء في اي قرار يصدر عنه، انما يساهم مساهمة فعالة في بناء " الكتلة الدستورية " Bloc constitutionnel ، اذ ان القانون الدستوري لا يقتصر على النصوص الدستورية، بل يتعدى ذلك الى المبادىء ذات القيمة الدستورية التي يصوغها المجلس الدستوري في قراراته والتي تشكل كلها ما يطلق عليه اسم " الكتلة الدستورية ".
ففي كل مرة يصدر المجلس الدستوري قرارا جديدا يزيد حجم " الكتلة الدستورية " او يتضح مضمونها اكثر، فالى المزيد المزيد منها.
في 26/1/2025
عبده جميل غصوب

