• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة بين أنسنة القانون وقوننة الإنسان

ليس القانون غاية بحدّ ذاته، بل وسيلة لتحقيق غاية. وعليه، بقدر ما تكون هذه الغاية سامية، بقدر ما تنسحب هذه الصفة على القانون بذاته، فيكون، والحالة هذه، أكثر وفاء لحاجات المجتمع. وبعد، كلّما وضحت هذه الغاية، كلّما أدّى ذلك إلى حسن فهم القانون وتأصيله ودقة تفسيره وملائمة تطبيقه.

وفي لبنان، وبعد مرور ما يقارب الخمس وثلاثين سنة من الوهن في تطبيق القانون، أعقبت خمسة عشر عامًا من غيابه، يلاحظ أن هذه السنوات الطوال العجاف قد أفرزت واقعًا إجتماعيًا وإقتصاديًا موازيًا للمنظومة القانونية القائمة، لا هو خارج عن القانون ولا داخله، كما أفضت إلى أعراف وممارسات جديدة ومهن مستحدثة وعادات بديلة، والأمثلة في هذا المجال لا تعدّ ولا تحصى، نذكر منها تفشّي ظاهرة الأكشاك المنتشرة على جنبات الطرق العامة وعلى الأرصفة وفي الساحات العامة. أمام هذا الواقع، يجب على كلّ قرار تتخذه السلطة الإدارية من أجل إنهاء هذه الحالة الشاذة، أو بالأحرى الحالة العامة المخالفة، وتنظيم هذه القطاعات بغية إرجاعها إلى معقل القانون أن يكون متصفًا بالحكمة ومتسمًا بالحزم المقرون باللين. في الحقيقة، إن ما تقدّم من مظاهر ليس مجردًا من أي أساس قانوني بالمطلق، بل يجد سندًا له في نظرية الظاهر  “la théorie de l’apparence” وما هو إلّا من بقايا المبدأ اللاتيني القائل بأن الخطأ الشائع يخلق  القانونError communis facit jus.

وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنه من الحكمة أن يكون الإنتقال من حالة اللاقانون إلى حالة القانون إنتقالًا بطيئًا متفهمًّا وإلّا أضحى مؤلمًا للطبقات الإجتماعية الفقيرة بما يجعله عصّيًا على التنفيذ. وهنا تكمن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق السلطات الإدارية حيث لكلّ قرار يتّخذ في أعلى الهرم الإداري تأثير كبير على قاعدته التي تستجيب بشتى الطرق.

في بعض الأحيان، يكون أفضل قرار تتخذه الإدارة هو عدم إتخاذ أي قرار أو "اللاقرار". ذلك أن القرار الذي لا يجد سبيله إلى التنفيذ، حتى في الحالة التي يكون فيها مراعيًا للقوانين ومولودًا عن حسن نية، أسوأ من اللاقرار، لأنه ليس فقط عاجز عن تحقيق الغاية التي من أجلها إتخذ، وإنما أيضًا لمساسه بهيبة الدولة وسلطانها، الأمر الذي يسهم في تقويض أساسات دولة القانون بدلًا من تدعيمها، وفي هذا المعنى يقول نابليون بونابارت: “L’art de la police est de ne pas voir ce qu’il est inutile qu’elle voie”.

يتناول هذا البحث العلاقة التي تجمع النصوص التشريعية والنصوص التنظيمية (القانون والنظام) في ضوء مبدأي الشرعية وتدرج القواعد القانونية. ومن المسلّم به أن الإدارة تملك الحق غير المتنازع فيه في أن تتصرّف بحرية ضمن ما تسمح به سلطتها الإستنسابية مع مراعاة قواعد المشروعية العادية، كما أنه من المسلّم به أيضًا فقهًا وإجتهادًا أنه في الظروف الإستثنائية تُمنَح الإدارة سلطة ومشروعية إستثنائيتين تخوّلانها الإتيان بتصرّفات وأعمال ما كانت لتكون مقبولة في الظروف العادية. في المقابل، ما هو حكم الأعمال والقرارات الإدارية المقبولة مجتمعيًا والهادفة إلى تحقيق مصلحة عامة ولكنها تخرج ظاهريًا عن إطار الشرعية كحواجز التوعية على قانون السير التي تقيمها قوى الأمن الداخلي دون أن تنظم محاضر بالمخالفات التي تضبطها أو تنظيم السير أمام المدارس في أوقات دخول وخروج التلامذة بما يخالف أحكام قانون السير لناحية ركن السيارات في الأماكن الممنوعة؟

إزاء كلّ ما تقدم، وتوخيًا لوضع إطار محدّد للدراسة وتلافيًا لإصابتها بعيب الإطالة دون طائل، يتعيّن تحديد إشكالية البحث بكلّ دقة وجرأة تمهيدًا للإجابة عليها. بالفعل، تعالج هذه الدراسة الإشكالية المتعلقة بمدى مشروعية سلوك الإدارة في مجال عملها كضابطة إدارية لدى إتخاذها قرارات تخرج فيها ظاهريًا عن إطار الشرعية بما تمليه من ضرورة إحترام مبدأ تراتبية القواعد القانونية تحقيقًا لمصلحة عامة في بعض الحالات الخاصّة.

وعليه، سنجيب عن هذه التساؤلات ضمن فصلين حيث سنستعرض في الفصل الأول مبدأ الشرعية والإستثناءات الواردة عليه والمستقرة فقهًا وإجتهادًا، على أن نفرد فصلًا ثانيًا لعرض النظرية المقترحة المسمّاة "المنفعة المجتمعية الغالبة" مع بيان مبناها وأسسها وشروط تطبيقها وبعدها الفلسفي.

 

 

 

الفصل الاول: مبدأ الشرعية وإستثناءاته المعترف بها فقهًا وإجتهادًا

الفكرة الرئيسية هي أن القانون، وهو التعبير عن الإرادة العامة، عمل سلطة أساسية، عمل مطلق غير مشروط يحتلّ في هرمية القواعد القانونية الدرجة الأعلى، على إعتبار أن تفوّق الدستور على القانون العادي هو نظريّ بحت. والنظام، على العكس، عمل إداري، أي عمل "مشروط" يحتل في هرم المعايير القانونية مكانًا أدنى من مكان القانون ولا يمكن أن يناقضه على وجه سليم.[1] هذا هو المبدأ العام الذي يختزل مفهوم مبدأ المشروعية بصورة مبسّطة.

وفيما يلي سنستعرض في مبحث أول مفهوم مبدأ الشرعية وتكامله مع السلطة الإستنسابية، وفي مبحث ثانٍ سنبيّن الإستثناءات الواردة عليه والمستقرة عرفًا وإجتهادًا مع التنويه إلى أن هذا الفصل لا يعدو كونه توطئة وتمهيدًا لازمين للفصل الثاني المعنون "نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة" وهو المقصود بهذا البحث.

المبحث الأول: مفهوم مبدأ الشرعية وتكامله مع السّلطة الإستنسابية

سنشرح في فقرة أولى مفهوم مبدأ الشرعية بمعناه العام مع التركيز على المشروعية الإدارية، وفي فقرة ثانية سنبيّن أوجه العلاقة التكاملية بين مبدأ الشرعية والسلطة الإستنسابية.

فقرة أولى: مفهوم مبدأ الشرعية

يعتبر مبدأ الشرعية في مفهومه الواسع مرادفًا للعبارة الشائعة "سيادة حكم القانون"، أي خضوع الجميع، دولة ومؤسسات وأفراد لحكم القانون، والمراد بلفظ "القانون" في هذا الإطار معناه العام الشامل بما يندرج تحته من كلّ قاعدة عامة آمرة أيًّا كان مصدرها وليس فقط النصوص التي تقرّها السلطة التشريعية.

أمّا المشروعية الإدارية فيراد بها إلتزام الإدارة وهي تباشر مختلف أوجه نشاطها حدود القواعد القانونية التي تحكم هذا النشاط بحيث لا يجوز لها، وإلّا كانت مخالفة للقانون منتهكة لأحكامه، أن تقوم بأيّ عمل قانوني أو مادي إلّا وفقًا لأحكام القانون وبتخويل منه وفق الإجراءات الشكلية المحدّدة فيه، وصولًا للأهداف التي يحدّدها وهي تحقيق المصلحة العامة في المجتمع.[2]

وتطبيقًا لذلك، تخضع جميع الأعمال الإدارية، الفردية والتنظيمية على السّواء، لمبدأ الشرعية. ويعني هذا المبدأ وجوب تقيّد السلطات الإدارية بأحكام القانون عند إتّخاذها عملًا إداريًا، وإلّا كان عملها مشوبًا بعيب يعرضه للبطلان بسبب تجاوز حدّ السلطة. ويكفل مبدأ الشرعية الحريات والحقوق الشخصية إذ يمنع الإدارة من التعسّف في أعمالها وبالتالي التعدّي على حريات الأفراد وحقوقهم، كما يلزم الإدارة بتطبيق القانون وفقًا لنصّه وروحه.[3]

إلى هذا، يستلزم مبدأ الشرعية إحترام الإدارة لجملة القواعد القانونية المستمدة من مصادرها المتعدّدة على ما ينتظمها من تدرّج. ومعلوم أن هذا المبدأ يكفل المساواة القانونية بين الأفراد ويضمن لهم بأن الإدارة ملزمة بإحترام حدود إختصاصاتها وبتبيان وسائل ممارستها لهذه الإختصاصات والسلطات. في المقابل، من خلال إطلاع الأفراد على هذه القواعد يكونون على بيّنة من حدود حقوقهم وحرياتهم العامة ومدى ما يكون للإدارة من إختصاصات وسلطات تنظيمية تحدّ منها، وفي ذلك ضمانة أكيدة بوجه تعسّف الإدارة وإستبدادها وتجاوزها لسلطتها.

وأكثر من ذلك، على السّلطة الإدارية أن تحترم القوانين إيجابًا وسلبًا بمعنى أنّه يترتّب عليها ليس فقط أن تمتنع عن القيام بأيّ عمل يحظّره القانون، بل عليها أيضًا ألّا تمتنع عن القيام بأيّ عمل يدخل في إختصاصها، إذ أن تقاعسها عن حلّ قضية معروضة عليها داخلة في إختصاصها، يعتبر مخالفة سلبية للقانون.[4]

بصورة عامة، يمكن أن تشوب القرارات الإدارية وتؤدي إلى إبطالها أربعة عيوب تشكّل أسباب الإبطال لتجاوز حدّ السلطة وهي التالية:

  1. عدم الصّلاحية أي صدور القرار عن سلطة غير صالحة.
  2. العيب الشكلي أي إتخاذ القرار خلافًا للمعاملات الجوهرية المنصوص عليها في القوانين والأنظمة.
  3. خرق القانون أو قوة القضية المحكمة، أي إتخاذ القرار خلافًا للقانون أو الأنظمة أو خلافًا للقضية المحكمة.
  4. الإنحراف في إستعمال السلطة أي إتخاذ القرار لغاية غير الغاية التي من أجلها خوّل القانون السلطة المختصة حقّ إتخاذه.[5]

فقرة ثانية: التكامل بين مبدأ الشرعية والسلطة الإستنسابية

على الرغم من الظاهر، إلّا أنه في الحقيقة، يتعايش مبدأ المشروعية مع السّلطة الإستنسابية بكلّ إنسجام. فالمسألة في السّلطة الإستنسابية ليست الإختيار بين قرار مشروع وقرار غير مشروع بل الإختيار بين قرارين مشروعين، ويشترط في القرار الذي إختارته الإدارة ألّا يكون مشوبًا بخطأ قانوني أو بخطأ واقعي أو تحوير السّلطة أو خطأ فادح في التقدير، وعليه فالسّلطة الإستنسابية ليست خروجًا أو حدًّا على مبدأ المشروعية وليست خارج القانون.[6]

وفي سياق متّصل، عرّف مجلس شورى الدولة في لبنان السّلطة الإستنسابية بأنّها السّلطة التي تتيح للإدارة إتّخاذ التدبير بحريّة مطلقة من كلّ قيد قانوني، وتنشأ إمّا عن نصّ صريح في القانون والأنظمة يوليها هذه السّلطة، وإمّا عن إنتفاء القواعد والأحكام القانونية التي تحدّ من سلطتها في ممارسة عملها الإداري.[7]

إنّ الذي يعمل على توسيع أو تضييق نطاق كلّ من السّلطة التقديرية والإختصاص المقيّد هو المشترع ذاته، بأن يعمل القانون على ترك الحرية لإرادة السّلطة الإدارية في مباشرة أعمالها أو بأن يعمل على وضع القيود والشروط لإمكان مباشرة الإدارة لنشاطها، فالقانون هو الوسيلة التي يمكن أن نتعرّف بواسطتها عمّا إذا كانت سلطة الإدارة إستنسابية أو مقيّدة، فهو الذي يبيّن لنا أمر ذلك بالرجوع إليه في كلّ حالة على حدة.[8]

يجري الحكم على عمل الإدارة، عندما تكون في وضع صلاحية مقيّدة، من وجهة نظر قانونية. وهي تتّخذ قرارها إمّا وفقًا لما يفرض القانون أو الأنظمة عليها أو عكس ذلك، فيكون قرارها قانونيًا أو غير قانوني. وعندما تكون للإدارة، على العكس، سلطة إستنسابية لا يمكن الحكم على قرارها إلّا من وجهة نظر الملاءمة: فيكون ملائمًا أو غير ملائم، أي موفّقًا أو سيئًا، بيد أنّه لا يكون غير قانوني طالما أن الإدارة كانت حرّة في التّصرف في هذا الإتجاه أو ذاك.[9]

في الواقع، لا توجد الإدارة على الإطلاق في وضع إستنسابي بحت أو صلاحية مقيّدة صرف. ليس هناك أبدًا صلاحية مقيّدة محض: تملك الإدارة، حتى عندما تكون مجبرة على إتخاذ عمل، إلى حدّ ما سمّاه "Hauriou" خيار الآونة. كما أن الإدارة، إذا كانت ملزمة بإتخاذ تدابير تنظيمية ضرورية لتطبيق هذا القانون أو ذاك، وتكون مسؤولة عن جهودها، تمنح مهلة معقولة للتصرف.[10]

كما هو معلوم، لكلّ قرار إداري خمسة أركان هي التالية: الشكل، الإختصاص، الموضوع، السبب والغاية. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس شورى الدولة في لبنان قد إستقرّ في أحكامه على أن مخالفة الغاية أو الهدف للصالح العام من الأمور التي تحدّ من نطاق السّلطة الإستنسابية المعطاة للإدارة[11]. كما إعتبر مجلس شورى الدولة أنّ السّلطة الإستنسابية أو التقديرية، التي تتمتّع بها الإدارة، ليست حقًّا ذاتيًا تمارسه بصورة كيفية، وكما تشاء، بل سلطة يجب ممارستها تحقيقًا للمصلحة العامة.[12]

 

مبحث ثانٍ: الإستثناءات الواردة على مبدأ الشرعية والمستقرة عرفًا وإجتهادًا

إستفاض كلّ من الفقه والإجتهاد في دراسة نظرية الظروف الإستثنائية والنظريات المتفرعة عنها كما بيّنا أثرها على مشروعية الأعمال الإدارية التي لا تغطّيها قواعد المشروعية في الظروف العادية. وبالفعل تطول قائمة الإجتهادات التي إعترفت بمشروعية بعض القرارات الإدارية مبرّرة إيّاها بوجود ظروف خاصّة تصنّف ضمن نطاق إحدى النظريات التالية: نظرية الضرورة، نظرية الظروف الإستثنائية ونظرية العجلة القصوى.

تخرج النظريات السّابقة عن إطار البحث الراهن ولن يصار إلى التطرّق لها تحاشيًا للإطالة من جهة وشيوع ما يتّصل بها من مبادئ وإجتهادات من جهة أخرى. وعلى الرّغم من ذلك، أتينا على ذكرها لتفريقها عن النظرية المقترحة موضوع هذه الدراسة والمسمّاة "نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة" والتي تتمايز عنها من حيث حالات تطبيقها ونطاقها ومرتكزها القانوني، وتتطابق معها من حيث كونها ظروف خاصّة تضفي مشروعية على بعض الأعمال الإدارية الخارجة ظاهريًّا وشكليًّا عن إطار المشروعية العادية. وبالتالي، إرتأينا أنّه من المفيد إستعراض نظرية الظروف الإستثنائية بصورة موجزة لناحية التعريف والأهمية والنطاق وشروط التطبيق وذلك لغرض المقارنة مع النظرية المقترحة.

لناحية التعريف، يمكن القول، في ضوء مجمل القرارات القضائية وما تمخّض عنها من آراء ودراسات وتعليقات فقهية، بأنّ الظروف الإستثنائية هي ظروف شاذّة خارقة تهدّد السّلامة والأمن والنظام العام في البلاد، ومن شأنها أن تعرّض كيان الأمّة أحيانًا للزوال. أمّا لناحية الأهمية، فترتدي نظرية الظروف الإستثنائية أهمية خاصّة من زاوية فلسفة القانون، مبنية بكاملها على تغليب مفهوم السّلطة العامة وعلى حماية منطق الدولة على ما عداها من إعتبارات – فعندما تكون الحياة العامة في البلاد مهدّدة، فإن مقتضيات الصالح العام والإحتياجات الضرورية الآنية يجب أن تتقدّم على هاجس التقيّد الحرفي بالنصوص. وغائية المؤسّسات وحسن سيرها، يجب أن يتغلّبا على التمسّك المفرط والأعمى بالشّكليات، فتسمو المشروعية الشعبية العامة على الشرعية القانونية العادية، ويتقدّم المفهوم المؤسّساتي على حرفيّة النصوص.[13]

ونظرًا لخطورة هذه النظرية، فرض الإجتهاد عددًا من الشروط يجب توافرها لكي تتمكّن السّلطة المختصة من الإفادة من الشرعية الإستثنائية، وهي:

  1. يجب أن تكون لظروف الزمان والمكان صفة إستثنائية حقيقية وظاهرة.
  2. يجب أن تكون السّلطة المختصة قد أصبحت، بفعل هذه الظروف، أمام إستحالة مادية أو قانونية للتّدخل وإتّخاذ التدبير اللّازم وفق قواعد الشرعية العادية، أي أن تكون قد أصبحت عاجزة عن تأمين الصالح العام بالوسائل القانونية العادية.
  3. يجب أن يكون الهدف المطلوب تحقيقه مهمًّا لدرجة أنّه، إذا لم يتحقّق، تكون إحدى الوظائف أو المهام الأساسية (أي المرافق العامة) التي تضطّلع بها السّلطات العامة بحكم المعطلة.
  4. يجب أن تكون التدابير المتخذة متناسبة كليًّا مع الهدف المطلوب تحقيقه، ومقتصرة زمنيًا على المدّة أو الفترة التي توجد فيها ظروف إستثنائية فقط.[14]

بعد إستعراض الإطار العام لمفهوم مبدأ الشرعية والإستثناءات الواردة عليه، لا بدّ لنا من إستعراض النظرية المقترحة من قبلنا والمسمّاة "نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة" والتي من شأنها أن تضفي مشروعية على بعض الأعمال الإدارية الخارجة ظاهريًّا عن إطار الشرعية ضمن ضوابط معيّنة.

الفصل الثاني: نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة

في بعض الأحيان وفي حالات خاصّة، تتّخذ الإدارة في مجال عملها كضابطة إدارية قرارات أو تأتي بتصرّفات تخرج فيها عن إطار الشرعية بما يمليه من وجوب إحترام مبدأ تراتبية القواعد القانونية تحقيقًا لمصلحة عامّة آنية. فما مدى مشروعية هذا السّلوك؟

لإيضاح الإشكالية المثارة وإسقاطها من المستوى النظري المجرّد إلى الميدان العملي التطبيقي نستعرض بعض الأمثلة التي نصادفها يوميًا في الحياة العملية دون أن نتفكّر أو نبحث في مدى مشروعيتها نظرًا لتقبّلها من قبل المجتمع على الرّغم من مخالفتها لقواعد قانونية إلزامية.

يتمثّل المثال الأول في إقامة قوى الأمن الداخلي حواجز لتوعية المواطنين على أهميّة وضع حزام الأمان دون أن تنظّم محاضر سير بحقّ المخالفين على الرغم من أنّها ملزمة بضبط مخالفات السّير وسلطتها في هذا الشأن مقيّدة.

وأمّا المثال الثاني فيتحصّل في إقدام القوى الأمنية على تركيز عناصر السير أمام بعض المدارس والمعاهد في أوقات دخول وخروج التلامذة من أجل تسهيل المرور في المحلة مع التغاضي عن ركن الأهالي مركباتهم في أماكن ممنوع الوقوف فيها خلافًا لأحكام قانون السير.

فهل يجب وصف ما تقدّم من أعمال بعدم المشروعية لمخالفتها الصريحة للأحكام القانونية الإلزامية، أم بالإمكان إسباغ صفة المشروعية عليها، ولكن على أيّ أساس وضمن أيّ شروط؟ وهل يمكن خلق نظرية في القانون الإداري لقوننة هذه الممارسات؟

في البدء، من المهمّ القول بأنّ مفعول مبدأ الشرعية لا يقتصر على إلزام الإدارة بالخضوع للقواعد القانونية في أعمالها ذات الصّفة الإيجابية وحسب، ولكن من شأنه أن يلقي عليها أيضًا موجب التحرّك في ظروف معيّنة، وبعبارة أخرى يحظّر عليها الإمتناع عن القيام بعمل واجب. وهكذا، عندما يكون هناك نصّ صريح يحتّم على الإدارة إتّخاذ تدبير معيّن، فما من شكّ بأنّ هذه الأخيرة تكون ملزمة بإتّخاذ هذا التدبير، ومجرّد رفضها لذلك، يشكّل بحدّ ذاته "لا شرعية" تعرّض قرار الرّفض هذا للإبطال كما تعرّض الإدارة للمسؤولية. أمّا في غياب النصّ الصّريح فتعتبر الإدارة مبدئيًا حرّة في تقدير الموقف المناسب الذي يجب أن تقفه.[15]

بالعودة إلى الحالتين العمليتين المبسوطتين أعلاه، فتتعلّق الإشكالية المثارة في هذا الإطار بمدى إلزامية ضبط المخالفات من قبل الشّرطة بموجب محاضر تنظّمها وهل لها أن تحجم عن ذلك بما تتمتّع به من حرية تصرّف في ضوء الظروف المحيطة وخصوصية كل حالة؟

من خلال إستقراء نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون تنظيم قوى الأمن الداخلي (القانون رقم 17/1990) ، لم نعثر على أيّ نصّ صريح يلزم عناصر الشرطة في إتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المخالفات التي يضبطونها ويقيّدهم لناحية تنظيم محاضر تثبتها، كما وأنّنا لم نجد في مواد قانون السير الجديد (القانون رقم 243/2012) ما يعوّل عليه للإجابة عن الإشكالية المطروحة، وبرأينا هذا أمر طبيعيّ كونه من البديهيات المسلّم بها في عمل الضابطتين الإدارية والعدلية. وبالفعل، تلزم التعليمات رقم 375 تاريخ 13/12/2002 المتعلّقة بخدمة السير في قوى الأمن الداخلي، بما لا يرقى إليه الشكّ وبصريح العبارة، عناصر الحاجز (دراج، عنصر توجيه...) بتنظيم محضر ضبط وإتّخاذ الإجراء القانونيّ في كلّ مرّة يتحقّقون فيها من مخالفة لأنظمة السّير. فورد في المادة 11 من هذه التعليمات أنّه على الدّراج عند إشتراكه بمهمة حاجز أن يتقيّد بتوجيهات وأوامر آمر الحاجز ويتقدّم منه في كلّ مرة يتحقّق فيها من مخالفة لأنظمة السّير ليعلمه بها، ومن ثمّ يتخّذ الإجراء القانوني بحقّ المخالف، كما ورد في المادة 12 منها أنه على عنصر التوجيه عند تحقّقه من مخالفة لقوانين وأنظمة السّير أن يتخّذ التدبير القانوني المناسب بحقّ المخالف. كما جاءت المادة 17 منها والمتعلّقة بقواعد قمع مخالفة السّير بموجب محضر سير عادي لتأكيد المؤكّد، حيث ورد فيها أن قمع بعض المخالفات يفرض تنظيمها بموجب محاضر سير عادية فور مشاهدتها من قبل عناصر قوى الأمن الداخلي المكلفين بخدمة سير ضمن نطاقهم.

وبالتالي، يغدو من الواجب إستحداث نظرية في القانون الإداري من شأنها قوننة الممارسات السابقة وإسباغ مشروعية قانونية عليها بالتوازي مع مشروعيتها المجتمعية المكرّسة بالفعل بفعل ممارستها الواقعية. وإزاء ما تقدّم، إستنبطنا نظرية جديدة أسميناها نظرية "المنفعة المجتمعية الغالبة" من شأنها إضفاء مشروعية على بعض الأعمال والتصرفات الإدارية الهادفة إلى خدمة المجتمع وترسيخ اللحمة بين مكوناته لاسيما بين الدولة بمعناها العام والمواطنين. وفيما يلي تفصيل لهذه لنظرية.

مبحث أول: المرتكز القانوني لنظرية المنفعة المجتمعية الغالبة وبعدها الفلسفي

يقول الفيلسوف روسكو باوند :" بفضل فلسفة القانون أمكن تحطيم التقاليد البالية وتطويع القوانين للتطوّر، وإستيعاب الجديد، وإدخال عناصر خارجية إليه، وترتيب وتنظيم مواده في نسق جديد، ودفع المؤسّسات نحو التطور والتحديث."[16] وعليه، يتكامل القانون والفلسفة في سبيل الوصول إلى مجتمع يسوده النظام وقابل للتطور. وفيما يلي سنستعرض في فقرة أولى المرتكز القانوني للنظرية المقترحة المسمّاة "نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة" ، وفي فقرة ثانية بعدها الفلسفي.

فقرة أولى: المرتكز القانوني لنظرية المنفعة المجتمعية الغالبة

تُعتبر هذه النظرية بمثابة المولود غير الشرعي للسّلطة الإستنسابية، وهي بهذا الوصف تتمايز عنها بصورة جوهرية. فكما أسلفنا أعلاه، تتمثّل السّلطة الإستنسابية في تمكين الإدارة من إختيار القرار التي ترتأي مناسبيّته وملاءمته من بين عدّة بدائل جميعها مشروعة. فالسّلطة الإستنسابية لا تخرج بتاتًا عن حدود ونطاق المشروعية العادية، بل تعمل تحت سقفها وضمن إطار إحترام مبدأ تراتبية القواعد القانونية. أمّا السّلطة المعترف بها للإدارة في إطار نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة فهي من الناحية الظّاهرية سلطة غير مشروعة لعدم مراعاتها للقاعدة الإلزامية القاضية بهرمية القواعد القانونية، بيد أنّها تتمتع بمشروعية إستثنائية من منطلق كونها تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة إجتماعية متوافق عليها بين المواطن والإدارة وتسعى إلى توطيد العلاقة بينهما بما في ذلك من خير للمجتمع ككلّ.

من جهة أخرى، تعدّ النظرية المقترحة إمتدادًا لنظرية الموازنة أو الرّصيدthéorie de bilan المطبّقة في قضايا الإستملاك وهي تستلهم منها مبدأ مقارنة إيجابيات العمل الإداري بسلبياته، فإن رجحت كفّة الأولى قُضي بمشروعيته وإن رجحت الثانية أبطل القرار لإصابته بعيب الإنحراف في السّلطة. وهنا، من المهمّ الإشارة إلى عدم التطابق بين النظريتين من حيث النطاق والشروط، بل تكمن الإفادة في إستعارة مبدأ المقارنة المشار إليه أعلاه لتطبيقه في النظرية المقترحة كأحد شروطها.

تقوم نظرية الرّصيد على مبدأ المقارنة والموازنة بين المنافع المرتقبة أو المتأتية عن عمل إداري معيّن وبين الأضرار الناجمة عنه أو المتوقّع وقوعها بصورة أكيدة أو محتملة، فإن غلبت إيجابياته سلبياته إتّصف بالمشروعية. أمّا في الحالة المعاكسة، فيبطل القرار لإصابته بعيب الإنحراف في السلطة.

في الواقع، بدأ القاضي الإداري الفرنسي إعتبارًا من العام 1971 يأخذ بالنظرية المذكورة لتقدير شرعية الأعمال الإدارية القاضية بإستملاك العقارات والأموال غير المنقولة وإعتبارها من المنافع العامة. فقبل ذلك، كان القاضي الإداري يقدّر شرعية الأعمال الإدارية المذكورة بصورة مجرّدة أي دون أن يأخذ بعين الإعتبار الظروف الخاصّة لكلّ حالة على حدة، ويكتفي بالتالي بأن تكون الإستملاكات جارية في سبيل تنفيذ أعمال أو أشغال تصبّ عادة في خانة المنفعة.[17]

وبالفعل، ولأول مرّة تبنّى مجلس الدولة الفرنسي المبدأ الجديد في قراره الشهير الصادر في 28 أيار 1971[18] ومؤدّاه أنّ مشروعًا معيّنًا لا يمكن أن يدخل حقيقة في خانة المنافع العامة إلّا إذا كانت الأذيّة اللّاحقة بالملكية الفردية، والتكاليف المالية، وعند الإقتضاء الأضرار ذات الطّابع الإجتماعي، الناجمة عنه، لا ترجح كفّتها على المنفعة المتوخّاة منه.[19]

من ناحية ثانية، يجب على العمل الإداري المتّخذ بالإستناد إلى نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة أن يكون مراعيًا لمبدأي اللزوم والتناسب. ومؤدّى هذين المبدأين الملاءمة بين الهدف المنوي الوصول إليه وبين الوسائل المستخدمة لبلوغه، فالغاية لا تبرّر الوسيلة، وكلّ منهما يجب أن يكون مشروعًا ومنسجمًا مع المصلحة العامة بكافة أبعادها.

أمّا لناحية موقف القضاء الإداري من النظرية المقترحة، الحقّ يقال أنّه لطالما كان القاضي الإداري سبّاقًا في إجتراح الحلول وإستنباط النظريات في سبيل تحقيق الصالح العام وحماية الحقوق والحريات، وهو لم يتردّد في مقاربة أيّ موضوع طرح على طاولته، فحلّل ما كان محرمًّا على القانون الإداري حتى وقت قريب وظلّل الإدارة برقابته وغدا رفيق دربها في كلّ ما تأتيه من أعمال وتصرّفات. على الرّغم من ذلك، لم نعثر في جملة القرارات القضائية وما تمخّض عنها من دراسات وآراء وتعليقات فقهية ما يفيد في الإجابة عن الإشكالية المطروحة، وبكلّ تأكيد لا يردّ ذلك إلى تقصير القاضي الاداري أو تهرّبه من المسؤولية بل الأرجح إلى عدم ورود مراجعات أمامه بهذا الشأن لإنتفاء عنصر الضرر أو على الأقل لضآلة مقداره؛ وكما هو معلوم، إن وجود ضرر شرط من شروط قبول المراجعات أمام مجلس شورى الدولة حيث تنص المادة 105 من نظامه على ما يلي: " لا يمكن تقديم طلب الإبطال بسبب تجاوز حدّ السلطة إلّا ضدّ قرارات إدارية محضة لها قوّة التنفيذ ومن شأنها إلحاق الضرر". فالمواطن راضٍ والإدارة راضية والمصلحة العامة مصانة، وفي هذه الحالة نكون أمام وضعية الجميع رابح (win win situation).

فقرة ثانية: البعد الفلسفي لنظرية المنفعة المجتمعية الغالبة

غاية القانون هي حماية المصالح المادية والمعنوية للأفراد وإستدراك الحاجات الإجتماعية والأمنية والإقتصادية للمجتمع ككلّ. بمعنى آخر، يهدف القانون إلى المصالحة بين مصلحتين متناقضتين، ولو ظاهريًا، هما المصلحة الفردية والمصلحة العامة. وبذلك يغدو القانون تلك المساحة المشتركة حيث تتلاقى وتنتظم مختلف العلاقات الناشئة بين أفراد المجتمع فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى.

وبالتوازي، على قدر ما يكون هذا القانون أمينًا في المطابقة بين الحقوق الطبيعية التي أنشأته في الأصل، وبين الحقوق المدنية التي هو منشئها، كلّما كان قانونًا عادلًا ومنصفًا. وإستطرادًا، نشير إلى مسألة هامة تتحصّل في أن القانون، المنبثق عن الإرادة الشّعبية، لا يعدو كونه أداة لخدمة المجتمع وتنظيم العلاقات بين مكوّناته، وبالتالي، إن لم يؤدّ هذا القانون هذه الوظيفة، فهو محكوم بالفشل، وهو إن طبّق يكون جائرًا ويساهم في تقويض أساسات الدولة لا ترسيخها.

تجد نظرية "المنفعة المجتمعية الغالبة" محلًّا لها في علم الإجتماع القانوني، وهو العلم الذي يربط بين الظواهر الإجتماعية والسّلوك القانوني ويبحث في أسباب ونتائج تطوّرهما؛ العلم الذي يدرس الحقيقة الإجتماعية الكلية للقانون؛ العلم الذي يدرس الظواهر القانونية دراسة سوسيولوجية.[20]

صحيح أن الخليفة عمر بن الخطاب يقول: "إنّ من خرق القانون لمنفعتك خرقه غدًا لخراب بيتك"، إلّا أن المفارقة لدى تطبيق النظرية المستحدثة تكمن في أنّ الإدارة بخرقها القانون في هذه الحالة، إنمّا تخرقه لمنفعة القانون نفسه، وهي، أي الإدارة، إمّا تحضّ على تطبيقه مستقبلًا (إقامة حاجز للتوعية على إرتداء حزام الأمان) وإمّا تساهم في تنقية شوائبه الناشئة عن صفته العمومية وجعله أكثر إنسجامًا مع خصوصية كلّ حالة على حدة توخّيًا لخدمة المجتمع بصورة أفضل (تنظيم المرور وركن السيارات أمام المدارس). وكما يذكر شكسبير أن:" الرحمة جوهر القانون، ولا يستخدم القانون بقسوة إلّا للطغاة".

بالإضافة إلى ذلك، من المهمّ الإشارة إلى أنّه يوجد علاقة تبادلية وتفاعلية بين الفرد والمجتمع، فالقانون يؤثّر في المجتمع ويتأثّر به. في الحقيقة، تخلق العادات الإجتماعية السّائدة القوانين كما وأن الأخيرة تخلق عادات إجتماعية جديدة.

مبحث ثان: شروط تطبيق نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة

إزاء كلّ ما تقدم، وإستنارة بالسّالف عرضه، يبقى من الواجب تعيين نطاق النظرية المقترحة وشروط تطبيقها على أمل أن تتكرّس مبادئها بموجب إجتهادات قضائية من شأنها أن تساهم في تمتين بنيان دولة القانون:

  • الشرط الأول: مراعاة مبدأ المساواة

المقصود هنا مراعاة هذا المبدأ بالنسبة للأشخاص المتواجدين في المكان والزمان عينهما وفي الوضعية الواقعية عينها. وبالعودة إلى الفرضية المقترحة أعلاه كمثال تطبيقي للنظرية والمتعلقة بتركيز حاجز لتوعية المواطنين على وضع حزام الأمان، فيجب على عناصر الحاجز أن يتعاملوا مع السّائقين بالطريقة نفسها وأن لا ينظمّوا محاضر للبعض دون البعض الآخر بصورة إستنسابية فيما خصّ مخالفة عدم وضع حزام الأمان.

من ناحية أخرى، من المهمّ القول أنّه لا يقصد بالمساواة في هذا الإطار المعنى المراد في مبدأ المساواة أمام القانون، فمن المبادئ العامة التي أقرّها مجلس شورى الدولة أنّه "لا مساواة في مخالفة القانون"، أي أنّه لا يمكن التذرع بمخالفة الغير للقانون من أجل تبرير المخالفة.

  • الشرط الثاني: تحقيق مصلحة عامّة إجتماعية

لم يضع الإجتهاد الإداري ولا الإجتهاد الدستوري تعريفًا للمصلحة العامة، ولذا فإنّه ينظر ليس إلى المضمون الماديّ لتلك المصلحة وإنمّا للغاية منها، وإن حملت المصلحة مسمّيات عديدة من قبيل المنفعة العامة أو المصلحة الوطنية، أو المصلحة العليا أو الخير العام. وهي تتمّيز عن المصلحة الخاصة بطابعها الشمولي والعمومي، إذ أنّ الإجتهاد يعتبر أنّ الدفاع عن المصالح الخصوصية يمّر عبر الدفاع عن المصالح العمومية.[21]

في الحقيقة، من الصعوبة بمكان تحديد مفهوم المصلحة العامة بصورة نهائية ومستقرة كونه مرتبط بمؤشرات ومفاهيم غير ثابتة ومتغيرة كالمكان والزمان والعادات والتقاليد والظروف... من هنا، فإنّ المصلحة العامة ليست صالح فرد من الأفراد ولا صالح فريق أو طائفة أو عائلة أو نقابة، ولا هي بالضرورة مجموع مصالح الأفراد الخاصة أو حاصل جمع هذه المصالح الفردية ولا هي بالضررة حاصل جمع المصالح الجزئية للتجمعات التي يحويها المجتمع العام إذ الجمع لا يرد إلّا على أمور متماثلة لها ذات الطبيعة والصفة، ومثل هذه المصالح الخاصة، كما هو مشاهد في التّجمعات الإنسانية، متعارضة متضاربة فلا يمكن جمعها الواحدة إلى الأخرى للخروج بحاصل جمع وإنّما يقصد بالمصلحة العامة مصلحة الجماعة ككلّ، بمعنى مصلحة مجموع الأفراد في علاقاتهم بعضهم مع البعض الآخر وعلاقاتهم بالتجمعات الجزئية، كجماعة مستقلّة منفصلة عن الأفراد الذين يكونونها والتجمعات التي تحتويها.[22]

وفي الإطار عينه، من المشروع التساؤل عن الجهة المخوّلة تحديد المصلحة العامة وتقدير وجودها: هل هي الإدارة أم السّلطة القضائية أم السّلطة التشريعية؟

من المسلّم به فقهًا وإجتهادًا أنّ السّلطة التشريعية هي الجهة المخوّلة تحديد الأهداف الداخلة في مجال المصلحة العامة في ضوء الأحكام الدستورية النصّية والمبادئ ذات القيمة الدستورية التي إعترف بها المجلس الدستوري.

  • الشرط الثالث: رجوح كفّة الإيجابيات على السّلبيات

يجب الأخذ بهذا الشرط حتى حدّه الأقصى والتشدّد في تطبيقه بمعنى أنّه يجب لتفعيل العمل بالنظرية المقترحة أن تتعدّى إيجابيات القرار أو التصرّف الإداري سلبياته بأشواط.

  • الشرط الرابع: عدم وجود ضرر أو ضآلته

كما سلف وشرحنا أعلاه، يُعتبر الضّرر شرطًا لازمًا لقبول المراجعة أمام مجلس شورى الدولة. ومن هذا المنطلق، وعلى الرّغم من أن الضرّر بحدّ ذاته لا يشكّل عنصرًا من عناصر مشروعية القرار الإداري أو ركنًا من الأركان المكوّنة له، إلّا أنّه في نطاق تطبيق النظرية الراهنة، يكتسب أهمية خاصة لعلّة التواجد خارج إطار المشروعية العادية. وبالتالي، في حال وجود ضرر عام أو ضرر خاصّ جدّي، فلا يمكن تطبيق النظرية.

ثمّة من يدلي بأنّ كلّ نظرية تكتسب أهميتها من قابلية تطبيقها، وبأنّ هذه النظرية غير قابلة للتطبيق إذ بمجرّد تقديم مراجعة أمام مجلس شورى الدولة، وهي مقبولة حتمًا إذ سببها مخالفة القانون، سيجري إبطال قرار الإدارة، وإذا لم يصَر إلى تقديم طعون أمام القضاء فلا حاجة للركون إليها وإثارتها.

بيد أنه وفي سياق الرّد على ما سبق والتدليل على الفائدة العملية للنظرية المقترحة، سنفترض أن أحد القاطنين على مقربة من إحدى المدارس تقدّم بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة يطلب فيها إبطال قرار الإدارة القاضي بالسماح أو على الأقل التسامح عن ركن الآليات بصورة مخالفة للقانون في أوقات دخول وخروج التلامذة ممّا يسبب إزدحامًا من شأنه تأخيره عن الوصول إلى منزله. تجد النظرية المقترحة محلًا لتطبيقها في المثال المعطى وقد تشكّل سندًا لردّ المراجعة في ضوء الظروف المحيطة بالقضية لناحية عدم توفّر مواقف قريبة وحداثة سنّ التلامذة وموقع المدرسة وحجم الضرر الذي يتحمله المستدعي والمنفعة المجتمعية التي يجنيها الأهالي مع الأخذ بعين الإعتبار الدواعي المتعلقة بسلامة التلامذة.

  • الشرط الخامس: تطبيق هذه النظرية في حالات خاصّة ولأهداف محدّدة وبصورة آنية وليس بشكل دائم وعام

تكمن أهمية النظرية في إستجابتها السريعة لمتطلبات الحياة الإجتماعية المتغيّرة وتمكين الإدارة من التعاطي بفعالية مع كلّ حالة على حدة بكلّ ما فيها من خصوصية دون أن تخرج عن أطر المشروعية العامة مع التقيّد بطبيعة الحال بشروط تطبيق النظرية. وفي هذا السياق، من المهم القول أنّه من ضمن جملة الأسباب الأساسية التي تعرقل عمل المحاكم وتصعّب مهمة القاضي إزدحام النصوص التشريعية وتراكمها. والمقصود هنا ما يسمّى بالقوانين الظرفية، أي تلك التي تأتي كردّ فعل على حادثة معيّنة لا تتّسم بصفة العمومية وهي الصّفة الرئيسية للقانون. ومن شأن ما تقدّم أن يؤدّي إلى قوننة المجتمع بكلّ تفاصيله وتغدو القوانين أدوات لقمع الحرية الشخصية بدلًا من تنظيمها.

بالرجوع إلى المثل الثاني المشار إليه أعلاه كنموذج لتطبيق النظرية والمتعلّق بتغاضي القوى الأمنية عن ضبط مخالفة قانون السير لجهة ركن سيارات الأهالي بالقرب من المدارس في أماكن ممنوع فيها الوقوف، فمن العسير بل من غير المستحب أن يتضمن قانون السير بنودًا خاصّة تجيز ذلك، لأن إعمال النظرية يتطلب مقاربة الموضوع بصورة واقعية وبما يتلاءم مع خصوصيّة كلّ حالة، ويعود أمر تقدير توافر الشروط والظروف المطلوبة إلى الإدارة، ومن بين الشروط على سبيل المثال نذكر عدم وجود موقف قريب وسنّ الطلبة والمحافظة على حركة السير في المحيط ومعرفة مواقيت الدخول والخروج وغيرها...

 

الخاتمة

تشبه العلاقة القائمة بين الأخلاق والنصوص القانونية تلك التي تجمع بين المشرّع والقاضي إلى حدّ كبير. فمهما كانت النصوص القانونية متقنة الكتابة ومحكمة الصياغة، يبقى حسن تطبيقها مرهون بالأشخاص الموكل إليهم هذا الأمر. فالمشرّع ما هو إلّا شخص يفكر مليًّا محاولاً أن يتوقّع الأحداث القادمة، وهذا منتهى مآله. يقول أفلاطون إن القضايا الإنسانية هي في حركة دائمة ويوجد حتمًا فجوة بين عمومية القوانين وخصوصية كلّ حالة. هنا يأتي دور القاضي في ملأ الفراغ عبر قولبة المبادئ دون كسرها. وفي هذا المعنى يقول ألبرت أينشتاين: "كلما اقتربت القوانين من الواقع أصبحت غير ثابتة، وكلما إقتربت من الثبات أصبحت غير واقعية".

 وفي السّياق عينه وقياسًا على ما سبق، يأتي دور الجهات المناط بها أمر تنفيذ القوانين في سدّ ثغراتها ضمن حدود معيّنة تسمح بها هي بنفسها، أي القوانين، من خلال منح سلطة إستنسابية للإدارة؛ ولكن أيضًا من خلال نظرية الظروف الإستثنائية التي توسّع الحدود التي ترسمها المشروعية العادية، وأخيرًا من خلال الإستعانة بالنظرية المقترحة من قبلنا والمسمّاة "نظرية المنفعة المجتمعية الغالبة" التي من شأنها، إن طبّقت كما يفترض أن تطبّق، أن تجيب عن الإشكالية المثارة في عنوان هذا البحث، وأن تؤدي إلى أنسنة القانون لا قوننة الإنسان وهو المبتغى والمرتجى.

 


[1] فوديل جورج ودلفولفيه بيار، القانون الإداري (الجزء الأول)، ترجمة منصور القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008، ص 27.

[2] De Laubadere (A), Venezia (J-C) et Gaudement (Y), traité de droit administrative, T1 et T2, 10eme édition, LGDJ, Paris, 1988, p. 239.

مشار إليه في النعيمي تغريد، مبدأ المشروعية وأثره في النظام التأديبي للوظيفة العامة، دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2013، ص 30.

[3] حبيش فوزي، القانون الإداري العام – الإبطال لتجاوز حدّ السلطة والأعمال الإدارية، المؤسّسة الحديثة للكتاب، لبنان، صفحة 203.

[4] حبيش فوزي، القانون الإداري العام – الإبطال لتجاوز حدّ السلطة والأعمال الإدارية، المرجع السابق، صفحة 64.

[5] حبيش فوزي، القانون الإداري العام – الإبطال لتجاوز حدّ السّلطة والأعمال الإدارية، مرجع سابق، ص 7.

[6] القيسي محي الدين، القانون الإداري العام، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2007، ص 158.

[7] قرار صادر عن مجلس شورى الدولة رقم 417 تاريخ 18/4/1961 المجموعة الإدارية 1961 ص 126.

[8] القيسي محي الدين ، مرجع سابق، ص 160.

[9] فوديل جورج ودلفولفيه بيار، مرجع سابق، ص 446.

[10] فوديل جورج ودلفولفيه بيار، مرجع سابق، ص 440.

[11] قرار رقم 461 تاريخ 15/10/1962 المجموعة الإدارية 62 ص 220؛ قرار رقم 583/2001-2002 تاريخ 20/4/2004، ياسين/الدولة؛  قرار رقم 469 تاريخ 27/6/1994، م.أ. 1995 ص 469؛ قرار رقم 67 تاريخ 23/10/2001، رياض عبدالله/الدولة.

[12] قرار رقم 426/2002-2003 تاريخ 10/4/2003، المقدّم الركن همام أسعد/ الدولة – وزارة الدفاع الوطني.

[13] سعدالله الخوري يوسف، مقال بعنوان "الظروف الإستثنائية" منشور في الكتاب السنوي لعام 2013 الصادر عن المجلس الدستوري اللبناني، ص 184 و185 و186.

[14] سعدالله الخوري يوسف، مقال بعنوان "الظروف الإستثنائية" منشور في الكتاب السنوي لعم 2013 الصادر عن المجلس الدستوري اللبناني، ص 188 و189 و190.

[15] سعدالله الخوري يوسف، القانون الإداري العام، الجزء الأول، تنظيم إداري – أعمال وعقود، الطبعة الرابعة 2007، ص 291 – 292.

 [16] روسكو باوند، مدخل إلى فلسفة القانون، ترجمة صلاح الدين دباع، بيروت 1967، ص 13 – 14.

[17] سعدالله الخوري يوسف، القانون الإداري العام، الجزء الثاني، القضاء الإداري – مسؤولية السّلطة العامة، الطّبعة الرابعة 2007، ص 229.

[18] شورى فرنسا 28 أيار 1971، Fédération de défense des personnes concernées par le projet Ville nouvelle Est

[19] “Une opération ne peut être légalement déclarée d’utilité publique que si les atteintes à la propriété privée, le cout financier et éventuellement les inconvénients d’ordre social qu’elle comporte ne sont pas excessifs en égard à l’intérêt qu’elle présente”.

[20] فايز محمد حسين، فلسفة القانون، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2009، ص 77 و79.

[21] زيادة طارق، دراسة معنونة "المصلحة العامة والقضاء الدستوري" منشورة في الكتاب السنوي للمجلس الدستوري لعام 2013 – المجلّد 77، ص 142.

[22] زيادة طارق، مرجع سابق، ص 130.

PDFالملف المرفقملف PDF · 411 ك.بتحميل ↓