• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

النتائج القانونية المستخرجة من قراءة قرار المجلس الدستوري رقم 3/2024 تاريخ 4/4/2024، الصادر في الطعونات ضد قانون الموازنة العامة للعام 2024

تضمن قرار المجلس الدستوري [1] رقم 3/2024، جملة نقاط قانونية جديرة بالتوقف عندها. بعضها، كان قد سبق للمجلس ان تعرض لها في قرارات سابقة وبعضها الآخر تطرق لها للمرة الاولى، سنأتي على ذكرها تباعا وفقا للترتيب المبيّن ادناه:

اولا: مسألة عدد النواب مقدمي الطعن

في الطعون الستة التي قدمت امام المجلس الدستوري، بعضها تضمن اسماء مكررة لنواب وردت اسماؤهم في اكثر من طعن.

لم تتطرق الطعون الى هذه المسألة، وهذا امر طبيعي لان مقدمي اي من المراجعات الست لم يكن على اطلاع ، بالمراجعات الاخرى التي سبق او تلا تقديمها ، فضلا عن ان كثرة الطعون يستفيد منها النواب الطاعنون ولا فائدة لاحد منهم ان يطعن في طعن آخر تقدم به زملاؤه.

ولكن هذه المسألة اثيرت بموجب " مخالفة جزئية لناحية الشكل " مدونة من قبل عضوي المجلس الدستوري القاضيان البرت سرحان وميشال طرزي، تضمنّت مخالفة المادة 19 من قانون انشاء المجلس الدستوري، التي نصّت عن وجوب تقديم المراجعة من عشرة نواب على الاقل في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين. وان هذا العدد هو للدلالة على ان ثمة عدد وافر من النواب مشككون بدستورية القانون المطعون فيه، وان المراجعة جديّة.

وتاليا فان قبول الطعن من قبل نواب سبق لهم ان تقدموا بطعن آخر بذات القضية، هو مخالف للمادة 19 اعلاه، لان العدد ليس اجراء شكليا هنا بل للدلالة على جدية المراجعة.

هذه المخالفة في موقعها القانوني الصحيح، لان السير بها يؤدي الى نتيجة عبثية مفادها جواز تقديم ذات النواب لاكثر من مراجعة. وهذا امر غير مقبول. كما يؤدي ذلك الى انعدام الفائدة من هذه الطريقة، لان الطعن يعطي المجلس الدستوري صلاحية التطرق الى مجمل القانون، بما فيها النقاط غير المطعون بها. كما يعود من جهة اخرى لمقدمي الطعن التقدم بطعون اضافية، اذا وردت ضمن مهلة الطعن القانونية. فتبدو الحاجة من تقديم النائب لاكثر من طعن معدومة.

هذا فضلا عن ان تقدم النائب الواحد بأكثر من طعن، يكون الهدف منه غالبا تأمين العدد الكافي لتقديم الطعن بصورة ملتوية، ما يشكل ـ ليس فقط التفافا على المادة 19 ، كما ذهبت اليه المخالفة ـ بل افراغا لها من مضونها القانوني الحقيقي.

ثانيا: عدم جواز التشريع خلال الفراغ الرئاسي

لا بد بادىء ذي بدء من الاشارة الى ان هذا السبب ورد في بعض الطعون ولكن لم تشمله اي من المخالفات المدونة في اسفل القرار، ما يدل على فقدان هذا السبب لاهميته السابقة، علما بأننا عارضناه سابقا، وأيدنا موقف المجلس الدستوري في رفضه هذا السبب في قراره رقم 1/2023 تاريخ 5/1/2023 بالمراجعة رقم 18/ و/2022 [2] .

فنحن لسنا من مؤيدي الرأي القائل بعدم جواز التشريع في ظل الشغور الرئاسي، لان مجلس النواب عليه ان يجتمع حكما هنا لانتخاب رئيس للجمهورية، ويجب عليه الشروع بالانتخاب دون القيام باي عمل آخر.

وقد أيدنا سابقا وما زلنا، موقف المجلس الدستوري الذي اعتبر ان " استمرارية المرافق العامة بهدف تأمين مصالح المواطنين " تشكّل " هدفا ذا قيمة دستورية ".

نكرر رفضنا لعدم جواز التشريع في ظل الفراغ الرئاسي لسببين:

اولهما مستمد من تفسير المادة 75 من الدستور بصورة صحيحة، فهي تعني تخصيص جلسة انتخاب الرئيس لهذا الامر دون سواه، اذ ان المحجلس يتحول في هذه الجلسة الى هيئة ناخبة، فلا يحق له المناقشة او التصويت على اي أمر مهما كان.

وثانيهما مستمد من عدم اطلاق يد الحكومة في تسيير امور البلاد، في ظل فراغ رئاسي ومجلس نيابي " معطل "، ما يؤدي حتما الى اساءة استعمال السلطة والاخلال بالتوازن بين السلطات، فضلا عن ان بعض التشريعات الملحة، كاقرار قانون الموازنة، لا تحتمل تأجيلا. وان خلو سدة الرئاسة لا يجب ان يقابله " شل " المجلس النيابي، بل الاستمرار في العمل التشريعي بصورة استثنائية نظرا للضرورة الملحة وتأجيل البت بالقوانين التي تحتمل تأجيلا، والمواظبة السياسية على تأمين جلسة انتخاب يصار خلالها الى انتخاب رئيس جديد.

ان خلو سدة الرئاسة ـ كما نعلم جميعا ـ عائد الى اسباب سياسية محض تتجاوز اسبابها العمق اللبناني، فلا يصح ان ترمي بظلالها السوداء على المؤسسات الدستورية ، لا سيما على المجلس النيابي، الذي لا ننتظر منه سوى تأمين تشريع الضرورة غير القابل للتأجيل، كما ننتظر من الحكومة فقط تصريف الاعمال اللازمة لادارة شؤون المواطنين، دون ان يُسمح بان يؤدي ذلك الى " تطبيع " الفراغ الرئاسي وجعله حالة يمكننا الاستمرار في ظلها.

ثالثا: مدى جواز تغليب الصالح العام على النصوص التشريعية الصحيحة

طُرحت هذه المسألة في معرض الكلام على جواز اقرار الموازنة بدون قطع حساب، حيث ان المادة 87 من الدستور نصّت صراحة انه يجب ان تعرض حسابات الادارة المالية النهائية لكل سنة على مجلس النواب ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة.

أقر المجلس الدستوري في قرار سابق [3] ان المصلحة العامة تسمو على النصوص التشريعية. وفي قراره الحالي اعتبر ان " الهدف " من  تأمين سير المرافق العامة هو " ذات قيمة دستورية".

بينما رأى عضو المجلس الدستوري الياس مشرقاني في مخالفته عقب القرار الحالي " ان الاجتهاد الدستوري جعل من المصلحة العامة مبدأ ثانويا ومكملا في غياب النص، بمعنى انه لا يؤخذ بها مع وجود النص "، مستندا في ذلك الى مخالفة نائب رئيس المجلس الدستوري سابقا القاضي طارق زيادة في اعقاب القرار رقم 2/2018.

لسنا من هذا الرأي للاسباب التالية:

لان المجلس الدستوري - وحسنا فعل هذه المرة - وصف الهدف من تأمين سير المرافق العامة، بأنه ذات قيمة دستورية. بينما في قراره السابق رقم 1/2023، قال ان تأمين سير المرافق العامة لتأمين سير مصالح المواطنين وامورهم اليومية، يسمو على النصوص التشريعية، بدون ان يعطي توضيحا قانونيا صحيحا لهذا " التأمين " وبدون ان يعطيه قيمة دستورية . فيكون ذهابه بهذا الاتجاه في القرار الحالي صحيحا ومؤيدا.

اما القول بان المصلحة العامة مبدأ ثانوي ومكمل بغياب النص، فنبدي بشأنه ما يلي:

ان الترجمة الصحيحة لكلمة " مكمّل " ليست Complémentaire ، بل Supplétif وان الترجمة الصحيحة لكلمة Secondaire هي " فرعي " وليس " ثانوي" [4]. ذكرنا ذلك، حتى لا يتم استخدام كلمتي " ثانوي" و " مكمل " في غير محلهما القانوني الصحيح.

السؤال المطروح هو التالي: هل يجب تغليب مبدأ استمرارية المرافق العامة على النص الدستوري، كما هي الحال في حالتنا الراهنة [5] .

في الشكل، جعل المجلس الدستوري في قراره الحالي من " هدف " مبدأ استمرار المرفق العام " ذات قيمة دستورية ". وكان الافضل ان يقول ان " المبدأ بذاته هو ذات قيمة دستورية" وليس  " الهدف" منه له هذه القيمة؛ علما بان المدلول هو ذاته، ولكن القيمة الدستورية لا تكون لاهداف المبدأ بل للمبدأ ذاته.

وفي الموضوع، يحتل التشريع المكانة الاولى بين المصادر الاخرى لانه يشكل الطريق الاسلم والاسهل للدولة لكي تنظم شؤون الافراد. فهو يشكل المصدر الاصلي بالنسبة للمصادر الاخرى. وهذا يعني انه لا يتم اللجوء الى المصادر الاخرى الا بغياب التشريع [6] . من هنا تسميته المبادىء العامة بـ " بالمصادر الفرعية " وليس الثانوية.

ان المادة 4 أ.م.م جعلت من المبادىء القانونية العامة مصدرا قانونيا هاما [7] ، ولكن في الاساس يسمو النص التشريعي الدستوري على المبدأ العام، الا اذا كان هذا المبدأ بدوره ذات قيمة دستورية؛ كما وصف المجلس الدستوري في قراره الحالي مبدأ استمرار المرافق العامة في سبيل تأمين النفع العام.

في قراره السابق رقم 1/2023 غلّب المجلس الدستوري سير المرفق العام لتأمين مصالح الافراد على النص الدستوري المتمثل بالزامية اقرار قطع الحساب قبل الانتقال الى اقرار الموازنة الجديدة، بدون ان يعطيه " قيمة دستورية " . هذا ما فعله في القــرار الراهن، فاصاب " كبد" الحقيقة القانونية، لان المبدأ القانوني العام لا يصبح بمستوى النص الدستوري، الا اذا كان ذات قيمة دستورية، فيصبح اذّاك بذات قوة النص الدستوري . ويعود للمجلس الدستوري ، عدم التقيد بالقواعد الثابتة ، عندما لا تأتلف مع مصلحة الافراد المتمثلة بضرورة اقرار الموازنة، وتغليب المبدأ العام المتمثل بتأمين سير المرافق العامة لتأمين مصالح الافراد. فيكون بذلك لم يخالف النص الدستوري، بل غلّب عليه المبدأ العام ذات القيمة الدستورية ايضا، وحكم بمقتضى قواعد العدالة والانصاف، دون ان "ينزلق " الى " الاستنسابية " ، طالما ان المبدأ المغلّب هو بدوره ذات قيمة دستورية[8].  فيكون المجلس الدستوري قد احترم هرمية Kelsen ولم يخالف نصا دستوريا في تغليب الصالح العام المتمثل بحسن سير المرافق العامة. وقد اعطى المجلس ذاته لهذا الصالح العام قيمة دستورية، وهذا يدخل حتما في اختصاصه.

رابعا: مخالفة قوة القضية المحكمة لقرارات المجلس الدستوري والزاميتها واستقلالية القضاء وفصل السلطات

اعفت المادة 87 من قانون الموازنة المطعون فيه، مكلفين تخلفوا من القيام بواجبهم بتسديد الضرائب المفروضة عليهم بموجب  القانون، من جزء في هذه الضرائب، بينما سدد المكلفون الذين هم في موقع قانوني مماثل لهم، الضرائب المتوجبة عليهم بكاملها التزاما منهم بتنفيذ القانون.

قرر المجلس الدستوري ان نص المادة 87 من القانون المطعون فيه، ميّز بين المكلفين لصالح متخلفين عن القيام بواجبهم الضريبي واعفائهم من جزء منها، بينما التزم مواطنون، في موقع قانوني مماثل لهم، بتسديد ما عليهم ضمن المهل المحددة. فقانون التسوية، فضلا عن انه يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين ومبدأ العدالة الضريبية، يؤدي الى التفريط بالمال العام، وزيادة العجز في الموازنة العامة.

كما ان المادة 87 من القانون المطعون فيه، إستبقت قرارات لجان الاعتراضات على الضرائب وتسوية النزاعات العالقة امامها، قبل البت بها، وهي لجان ذات صفة قضائية. وقد اخضعها المجلس الدستوري الى الضمانات المنصوص عنها في المادة 20 من الدستور فارضا استقلاليتها عملا بمبدأ الفصل بين السلطات المكرس دستوريا. فتكون المادة 87 مخالفة للمبادىء المذكورة اعلاه، كما ان اعادة ادراجها في القانون المطعون فيه بالرغم من ابطال مواد مماثلة لها من قبل المجلس الدستوري في قراراته ذات الارقام 2/2018 المتعلق بموازنة العام 2018 والقرار 1/2023 المتعلق بموازنة العام 2022، تشكل مخالفة لقوة القضية المحكمة لقرارات المجلس الدستوري والزاميتها تجاه جميع السلطات العامة والمراجع القضائية والادارية، عملا باحكام المادة 13 من قانون انشائه والمادة 52 من نظامه الداخلي. وانتهى المجلس الى ابطال المادة 87 اعلاه.

ولكن كنا قد اشرنا سابقا [9] الى ان منع تضمين الموازنة اعفاءات من شانه ان يلحق ضررا باصحاب القدرات المالية المحدودة غير القادرين على تسديد الضرائب، والقادرين فقط على تسديدها محسومة منها الاعفاءات الضريبية. وهذا ما ينعكس ايجابا وليس سلبا على الخزينة ، لانه يؤمن دخول اموال اليها، لم تكن لتدخل لولا التسوية.

خامسا: حالة الفوضى اثناء التصويت على القانون

أدلى الطاعنون بعدم وضوح المناقشات البرلمانية وشفافية اعمال السلطة التشريعية ذي القيمة الدستورية عند مناقشة احكام القانون المطعون فيه والتصويت عليه، ما يستوجب ابطاله.

قرر المجلس الدستوري انه، في حال التسليم بوجود الفوضى في ادارة الجلسة، فان تلك الحالة تكون قد طالت بعض النصوص التي تمّ عرضها في اسباب الطعن تفصيلا وتمّ التطرق اليها.

فيكون المجلس الدستوري في نحيه هذا المنحنى، قد اعتبر ان الفوضى بذاتها عند التصويت ليست سببا للابطال، بل ان المواد التي قد يكون تمّ التصويت عليها اثناء الفوضى هي القابلة للابطال اذا توافرت فيها شروط الابطال.

وهو على حق فيما ذهب اليه لان المجلس الدستوري ليس سلطة رقابية على سير جلسات المجلس النيابي. حيث لا شأن له بذلك ، فهو ليس " وصيا " على المجلس النيابي، بل ان دوره يقتصر على ابطال القوانين المخالفة للدستور ليس اكثر.

سادسا: اعتماد التفسير الضيق لمفهوم " فرسان الموازنة "

قرر المجلس الدستوري اعتماد التفسير الضيّق لمفهوم " فرسان الموازنة " وحصره بالنصوص التشريعية الخارجة كليا عن تعريف المادة 5 من قانون المحاسبة العمومية والتي ليس لها طابع مالي أو اي تأثير مباشر او غير مباشر على واردات ونفقات الخزينة العامة. انطلاقا من هذا التفسير، ابطل المادة 10 ، فقرة 2 من قانون الموازنة التي جاء فيها انه " يتحمل كل من يخالف هذه الاحكام بامواله الخاصة تسديد سلفات الخزينة المعطاة خلافا للاصول ويلاحق امام القضاء المختص "، بعد ان اتضح له ان الفقرة المذكورة يطغى عليها الطابع العقابي على الطابع المالي.

اما المادة 36 من قانون الموازنة التي ضاعفت القيم التأجيرية المحددة في العام 2022 التي يفرض على اساسها الرسم، فرفض ابطالها تحت سبب انها تشكل " فرسان موازنة "، لانه عندما لا تكفي مداخيل البلديات لتغطية جميع مصاريفها ونفقاتها، تؤمن التغطية المالية السلطة المركزية، فيكون بالتالي ـ حسب قرار المجلس الدستوري ـ لتحديد الرسوم البلدية واستيفائها، تأثير على الموازنة، فلا تعتبر المادة 36 تبعا لذلك من " فرسان الموازنة ".

اما بخصوص المادتين 39 و 40 من قانون الموازنة، فقد قرر المجلس الدستوري ان قانون طابع المختار المعدل الذي تم تعديل المادة 3 منه بالمادة 39 والتي تمّ بموجبها رفع قيمة طابع المختار من 1000 ل.ل الى 50.000 ل.ل، هي ذات طبيعة مالية بحتة، ولا تخرج بالتالي عن مفهوم الموازنة، بل تكتفي برفع رسم تمّ اقراره سابقا ولم تستحدث ـ برفــــع رســــم تمّ اقراراه

سابقا ـ رسما جديدا، فلا يقتضي ابطالها  لانها ليست من " فرسان الموازنة " .

اما المادة 40 من القانون المطعون فيه، التي عدّلت المادة 4 من قانون طابع المختار عينه، فهي على عكس المادة 39 ذات طابع تنظيمي وتأديبي، اذ تتناول شروط الصاق الطابع وبيعه وتبعات عدم الصاقه على المختار المخالف، وبالتالي فانها لا تمت الى الموازنة بصلة وتعتبــر

من " فرسان الموازنة "، لا محل لها في هذا القانون، فقضى بابطالها [10].

وقد ابطل المجلس الدستوري المادة 56 من قانون الموازنة المطعون فيه التي عدلت المادة 60 من قانون ادارة وبيع املاك الدولة الخصوصية، لانه اعتبر انها لا ترتبط مباشرة بنفقات وايرادات الموازنة، بل تتعلق باجراءات لها طابع اداري وتنظيمي ، فتكون بالتالي من " فرسان الموازنة".

كما رفض الجلس الدستوري ابطال المادة 91 من القانون المطعون فيه لانها ترمي الى تعديل احكام انظمة الجامعة اللبنانية المتعلقة بتحديد رسوم الانتساب؛ بما يشكل تعزيزا لاستقلالية الجامعة، اضافة الى عدم اعتبارها من " فرسان الموازنة "، لانها ذات طابع مالي مرجّح ولها انعكاسات مالية غير مباشرة على الخزينة العامة.

ان ما ذهب اليه المجلس الدستوري في هذا السياق يعزز مبدأ التفسير الضيّق لمفهوم " فرسان الموازنة "، فلا يعتبر من فرسان الموازنة الا النصوص ذات الطابع غير المالي او التي ليس لها اي انعكاس على المالية العامة، خصوصا متى كانت ذات طبيعة تنظيمية او عقابية، لا تنعكس اطلاقا بصورة مباشرة ام غير مباشـــــــرة على المالية العامة، عندها يتم اعتبارها من

 " فرسان الموازنة " ويقتضي ابطالها. 

سابعا: خرق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات ومبدأ العدالة الاجتماعية

ادلى الطاعنون بان مجلس النواب صدّق على الفقرة الاخيرة من المادة 46 ، التي اخضعت شركات الاموال لذات معدل الضريبة الذي يخضع له جميع المكلفين، في حين ادلى طاعنون آخرون بانه تمّ التصديق على التعديل الذي اقترحته النائبة بولا يعقوبيان برفع نسبة الضريبة على شركات الاموال من 17 % الى 25 % ، ولكن قانون الموازنة لم يتضمن هذا التعديل !

قرر المجلس الدستوري بانه يعود للمشترع اخضاع الارباح التي تجنيها شركات الاموال من جهة والمكلفين من غير شركات الاموال من جهة أخرى، لضرائب تختلف بطبيعتها وفق السياسة المالية والضريبية المتبعة بما يؤمن المصلحة العامة ؛ فلا يشكل هذا الاختلاف في النظام الضريبي انتهاكا لمبدأي المساواة والعدالة الاجتماعية.

ولكن الوقائع هي خلاف ذلك لان الفقرة الاخيرة من المادة 46 اخضعت الجهتين لذات معدل الضريبة. وان ادلاء الطاعنين بعدم احترام مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات ومبدأ العدالة الاجتماعية، مرتكز على وجوب اخضاع كل منهما لمعدل ضريبة مختلف نظرا لان قدرات شركات الاموال المالية تفوق بكثير قدرة الآخرين. ولكن مهما كان الامر فان المجلس يعتبر هذا الامر من اختصاص المشترع وليس من اختصاصه [11]. اما الطعن الآخر المبني على تبني اقتراح النائبة بولا يعقوبيان والتصديق عليه وعدم ظهوره في قانون الموازنة، فيأتي في اطار الفوضى في ادارة الجلسات وفي صدور القوانين في غير حالتها التي تمّ التصويت عليها فيها ! وقد سبق لنا وتطرقنا الى هذه النقاط.

طالب الطاعنون بابطال المادة 51 من القانون المطعون فيه التي عدلت المادة 54 من قانون ضريبة الاملاك المبنية، فعدلت الشطور الواجب اعتمادها لاحتساب الضريبة، بدون ان تميّز بين المكلفين الخاضعين لضريبة الاملاك المبنية والمكلفين الخاضعين للباب الاول من قانون ضريبة الدخل، معتبرين ان المادة المذكورة مخالفة لمبدأي العدالة الاجتماعية والمساواة.

لكن المجلس الدستوري رفض ابطال المادة المذكورة، معتبرا ان هذه المسائل تدخل في ملاءمة القانون الضريبي الذي يعود للمشترع وحده تقديرها، والتي لا تدخل تحت رقابة المجلس الدستوري [12].

ورفض المجلس الدستوري ابطال المادة 66 من القانون المطعون فيه التي رتبت على جميع اللبنانيين رسوما باهظة متعلقة برسم الطابع المالي، لا سيما انها الزمت بدفع رسم طابع مالي للاستحصال على صور عن اخراجات القيد، ووثائق الزواج والولادة والطلاق والوفاة.

في تبريره لعدم ابطال المادة 66 اعتبر المجلس الدستوري ان مبدأ المساواة امام الفرائض العامة يستوجب مراعاة قدرة المكلفين على تسديد الضرائب والرسوم، غير انه يعود للمشترع وحده ان يحدد القواعد التي يتم بموجبها تقييم القدرة على التسديد وفقا لمعايير موضوعية وعقلانية، في ضوء الاهداف التي يسعى الى تحقيقها. وانتهى الى اعتبار ان رقابته تنحصر في رقابة انطباق القوانين على الدستور والقواعد والمبادىء ذات القيمة الدستورية دون غيرها من النصوص القانونية، ولا تمتد الى النظر في ملاءمة القانون [13].

كما قرر المجدلس الدستوري ان الاعفاء الجمركي الذي يطال السيارات شبه الهجينة يشكل خرقا لمبدأ المساواة بين مالكي السيارات العادية ومالكي هذا النوع من السيارات شبه الهجينة، ما يقتضي معه ابطال عبارة " Mild – Hybrid " الواردة في المادة 69 من القانون المطعون فيه لمخالفته مبدأ المساواة ذات القيمة الدستورية [14].

وابطل المجلس الدستوري جزئيا المادة 93 من القانون المطعون فيه، عبر حذف عبارة تفيد ان الضريبة على الارباح المحققة نتيجة للعمليات المنفذة على منصة " صيرفة "، تعتبر من الاعباء القابلة للتنزيل بالنسبة الى المكلفين على اساس الربح الحقيقي، لمخالفتها مبدأ المساواة امام الفرائض العامة [15].

ثامنا: التصويت على الموازنة بندا بندا:

ارسلت الامانة العامة لمجلس النواب الى الامانة العامة لمجلس الوزراء كتابا طلبت بموجبه اضافة فقرة جديدة الى المادة 83 من القانون المطعون فيه، طلبت بموجبها اضافة فقرة تتضمن تحديد قيمة الرسوم وآلية استيفائها بمرسوم يصدر في مجلس الوزراء.

اعتبر المجلس الدستوري ان المادة 83 المذكورة عديمة الوجود، بعد ان تبيّن له بالعودة الى محضر جلسة مجلس النواب انه لم يتم اقرارها في الهيئة العامة وفقا للمادة 83 من الدستور التي تنص انه " يقترع على الموازنة بندا بندا " [16].

تاسعا: عدم جواز تعديل ضريبة او الغائها الا بقانون

اعتبر المجلس الدستوري ان استيفاء الدولة لحقوقها او احتسابها للضرائب والرسوم او فرضها للغرامات بالعملة اللبنانية على اساس سعر الصرف الفعلي الذي يحدده مصرف لبنان، لا يمكن فهمه انه منح صلاحية مطلقة له لتحديد سعر الصرف بصورة كيفية، لان ذلك يشكل مخالفة للمادتين 81 و82 من الدستور، عبر جعل المصرف المذكور يحدد الضرائب والرسوم بصورة غير مباشرة، بل هو في الحقيقة تكليق لمصرف لبنان بافادة الادارة الضريبية بسعر الصرف الوسطي الفعلي المتداول به في السوق الحرة، ليتم الاستناد اليه في احتساب الضرائب والرسوم بالليرة اللبنانية، وفقا للاصول لا سيما تلك المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف.

واننا نؤيد موقفه هذا لان مصرف لبنان ليس مختصا لتحديد سعر الصرف القانوني، بل ان دوره يقتصر على تحديد سعر رسمي [17].

عاشرا: مبدأ فقه القانون وووضوحه

جاء في المادة 94 من القانون المطعون فيه انه " خلافا لاي نص آخر، تخضع المؤسسات والشركات التي استفادت من الدعم الذي أمنه مصرف لبنان لتغطية فروقات سعر صرف الدولار لضريبة استثنائية اضافية مقدارها 10 % على المبلغ الذي يفوق العشرة الآف دولار الخ.

ابطل المجلس الدستوري هذه المادة لانه لم يتبيّن ما هو النص الذي تمت تلاوته عن الهيئة العامة ومن ثم التصديق عليه بالاكثرية. ثم لانه يتسم " بالغموض" لناحية وعاء الضريبة المفروضة، اذ ان عبارة " على المبلغ الذي يفوق عشرة الآف دولار، التي تلي نسبة الضريبة المحددة بعشرة بالمئة هي مبهمة وغير دقيقة وغير واضح ما اذا كان المبلغ هو الارباح المحققة ام مجمل ايرادات الشركات الخاضعة لهذه الضريبة. وان هذا الغموض يترك هامشا من الاستنسابية لوزير المالية في تطبيق النص، ما يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه ".

ولكننا بدورنا – ومع تاييدنا الكلي لما ذهب اليه المجلس الدستوري في هذا الشأن - نرى ان الفكرة من هكذا ضريبة هي خاطئة من اصلها، اذ ان الشركات والمؤسسات لم تجنِ اي ارباح من الدعم المذكور الذي أمنه مصرف لبنان لتغطية فروقات سعر صرف الدولار، لانها كانت تشتري بالسعر المدعوم وتبيع ايضا بالسعر المدعوم، ما يعني ان المستفيد من الدعم ليست الشركات والمؤسسات بل المستهلك. فلا يصح اخضاع الشركات والمؤسسات المستفيدة من الدعم لاي ضريبة بسببه، طالما انها لم تحقق اي ربح من جرائه، بل انها حققت ربحا عاديا من خلال بيع السلع المدعومة واستيفائها ارباحا، هي الفرق بين سعر الشراء وسعر المبيع، لانها اشترت وباعت بذات السعر المدعوم .

في الخلاصة نقول ان المجلس الدستوري طبّق مبادىء جديدة واستعاد مبادىء قديمة سبق له ان كرسّها.

وتقتضي الاشارة الى أمرين:

الامر الاول: هو عدم  الخلط بين اختصاص المجلس الدستوري المحصور بمراقبة انطباق القانون على الدستور والمبادىء ذات القيمة الدستورية، وصلاحية المجلس النيابي الكاملة في التشريع ضمن حدود عدم مخالفة نصوصه التشريعية للدستور والمبادىء ذات القيمة الدستورية.

والامر الثاني: هو انه كما ان المجلس النيابي يشترع في ظروف استثنائية للغاية، فان المجلس الدستوري يراقب ايضا ضمن الظروف ذاتها. فالطعن بذاته ليس غاية بل الغاية هي تأمين التشريع غير المخالف للدستور، واعتماد الطريقة الملائمة لذلك، كون التشريع الاستثنائي يتطلب رقابة استثنائية ايضا.

وهذا تماما ما يفعله المجلس الدستوري، اليس هو المجلس الذي يُطلق عليه اسم " مجلس الحكماء " ؟  

 


[1]  القانون رقم 324/2024 تاريخ 12 شباط 2024، المنشور في ملحق العدد 7 من الجريدة الرسمية تاريخ 15/2/2024؛ اما ارقام المراجعات المتضمنة طعونا بالقانون اعلاه، فهي 2/2024  تاريخ 15/2/2024، 3/2024 تاريخ 26/2/2024، 4/2024 تاريخ 27/2/2024، 5/2024 تاريخ 27/2/2024، 6/2024 تاريخ 29/2/2024.

[2]  عبده جميل غصوب، قراءة قانونية لقرار المجلس الدستوري رقم 1/2023 تاريخ 5/1/2023، دراستنا تاريخ 13/1/2023، في صادر لكس (اونلاين ).

[3]  القرار رقم 1/2023 تاريخ 5/1/2023، السابق الاشارة اليه.

[4]  راجع في ذلك، مؤلفنا، المدخل الى العلوم القانونية، منشورات صادر، الطبعة الاولى، 2018 ، ص 151.

[5]   في رأي جوهري مخالف لقرار المجلس الدستوري على درجة عالية من الاهمية لصدوره عن مرجعين قانونيين كبيرين، كتب كل من البروفسور نصري دياب والنائب الدكتور ملحم خلف ( نقيب المحامين سابقا) في دراسة مشتركة بينهما ( منشورة في صادر لكس بتاريخ 6 آذار 2024 وفي جريدة النهار بالتاريخ ذاته، ص 3 ، انه " ليس للمجلس الدستوري ، بحجة الملاءمة والضرورة ومراعاة الظروف، التصديق على قوانين مخالفة للدستور. دور المجلس محدد ومحصوور: مراقبة دستورية القوانين وليس ملاءمتها، فهو يراقب ولا يشّرع ". وفي مكان آخر من الدراسة الهامة كتبا:

" بالتالي يجب على المجلس الدستوري ان يحصر عمله ومهامه بالمراقبة الدستورية ليس الا، وان يراقب دستورية القانون " من الداخل " وبشكل مجرد من دون النظر " من الخارج " الى الظروف التي تحيط بالقانون المطعون فيه، فيكون موقفه قانونيا بحتا، عليه فقط التأكد من وجود او غياب مخالفة للدستور، بخلاف ذلك، يصبح المجلس الدستوري، وهو جهة غير منتخبة من الشعب، يشّرع لا بل يعّدل الدستور والقانون اللذين انشآه، من خلال خروجه عن التفويض المعطى له من الشعب، تحت مسمى الملاءمة، ويكون بذلك قد انتزع سلطات غير ممنوحة له مثيرا مخاوف، ترسيخ ما سمّاه بعض الفقهاء الفرنسيين "حكم القضاة  Le gouvernement des juges  ".

[6]  راجع مؤلفنا اعلاه، المدخل الى العلوم القانونية، ص 144.

[7]  المرجع السابق، ص 69.

[8]   قارن مع ذات المرجع اعلاه.

[9]  راجع قراءتنا القانونية اعلاه تاريخ 13/1/2023، لقرار المجلس الدستوري رقم 1/2023 ، في صادر لكس ( اونلاين )، المجلة القضائية.

[10]  سبق للمجلس الدستوري ان ابطل نصّا مشابها في قراره رقم 1/2023 تاريخ 5/1/2023 ( قانون الموازنة العامة للعام 2022 ).

[11]  واننا نؤيده في موقفه هذا.

[12]  ايضا نؤيده في هذا الموقف.

[13]  نؤيده في موقفه هذا.

[14]  لا نؤيد موقفه هذا، لان تخفيض الرسوم الجمركية على استيراد " السيارات شبه الهجينة" ، يهدف الى حماية البيئة، تفعيلا لمبدأ النفع العام، الذي سبق للمجلس في قراره هذا، ان اعطاه قيمة دستورية.

[15]  نؤيد موقفه هذا.

[16]  نؤيد موقفه هذا.

[17]  راجع في ذلك، استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل رقم 502/2023 تاريخ 19/10/2023، وملاحظاتنا عليها، تاريخ 4/11/2023، المنشورة في صادر لكس (صادر اونلاين )، المجلة القضائية.

PDFالملف المرفقملف PDF · 211 ك.بتحميل ↓