إنّ الغاية الأساسية التي من أجلها أنشأ المشرّع الفرنسي محكمة التمييز[1]، هي نقض الأحكام المخالفة للمراسيم الملكية، أي القرارات القضائية المخالفة للقانون في حينه، وهذا الطعن كان يُـسـمـى "Recours pour refus de jugement" أي المراجعة لرفض الحكم[2].
ظهرَ مصطلحُ «النقض» في بداية القرن الخامس عشر في ظل النظام الملكي، وهو يعني صلاحية إلغاء القرارات المخالفة للقانون، بحيث كانت هذه الصلاحية منوطة بـــــــــــ "مجلس الأطراف" أو ما يعرف في حينها بــــ Conseil des parties ، وهو أحد الأقسام الخمسة لــــ "مجلس الملك" أي Conseil du Roi، وكانت له صلاحية إلغاء القرارات الصادرة عن المحاكم المخالفة للقوانين، وبعد الإلغاء كان المجلس ينظرُ من جديد بأساس النزاع[3].
وبعد إندلاع الثورة الفرنسية الكبرى في العام 1789، وعملاً بمدأ فصل السلطات، كان من الضروري الاستعاضة عن مجلس الأطراف بـهيئة قضائية بحتة تقتصرُ مهمّتها فقط على مراقبة الأحكام من زاوية "القانون" من دون أنْ تكونَ قادرةً على أنْ تبتَّ أو تتدخلَ في أساس النزاع[4]. فأنشأ المشرّعُ الفرنسي بتاريخ 27 تشرين الأوّل من العام 1790 المحكمة العليا، تحت المسمى "un tribunal supérieur" بصلاحيات محدودة جدّاً وهي البتّ في طلبات نقض القرارات النهائية للمحاكم الأخرى، والتي حدث فيها انتهاكٌ للقاعدة القانونية المطبقة على النزاع، أو انتهاكٌ للقواعد الشكلية الجوهرية مثل قواعد الصلاحيات. وهكذا، أصبح دور محكمة التمييز في فرنسا مراقبة قضاة الأساس لناحية حسن تطبيقهم القانون، الى جانب ضمان وحدة تفسير القواعد القانونية[5].
ولذلك نصّت المادة الثالثة من قانون 1790 على أنّ المحكمة العليا لا يمكن لها النظر في وقائع النزاع، وأوجبت عليها أنْ تحيلَ القضية بعد نقضها للقرار المطعون فيه الى محكمة أساس أخرى[6].
إذاً تاريخياً، إنّ مهمّة محكمة التمييز هي مراقبة القرارات الصادرة عن محاكم الأساس لناحية حسن تطبيقها للقاعدة القانونية، وهذا لضمان احترام حسن تطبيق القانون، وتوحيد تفسيراته من قبل هذه المحاكم من دون أنْ تكون لها صلاحية النظر في أساس النزاع بعد النقض[7].
وبقيت صلاحية محكمة التمييز المدنية الفرنسية محصورة فقط في النظر بالقانون من دون أنْ تكون لها صلاحية البتّ بأساس النزاع حتى العام 2016، حين أصدرَ المشرّع الفرنسي قانوناً جديداً بعنوان "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين"[8]، الذي عدّل المادة (3-411) من قانون التنظيم القضائي بموجب الفقرة الأولى من المادة /38/ التي نصّت على ما يـــلــي:
« Elle peut aussi, en matière civile, statuer au fond lorsque l'intérêt d'une bonne administration de la justice le justifie. »
بمعنى أنّه يمكن لمحكمة التمييز، في القضايا المدنية، أنْ تحكمَ بالأساس في حال إقتضت مصلحة حسن سير العدالة.
وهكذا، أحدَثَ المشرّع الفرنسي عبر قانون "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين" تطوراً هاماً في صلاحيات محكمة التمييز المدنية، إذ قامَ بتوسيع نطاق صلاحيتها لتشملَ أيضاً صلاحية البتّ بأساس النزاع بعد نقضها للقرار المطعون فيه أمامها، وهذا التعديل قد طال الصلاحية الأساسية التقليدية لمحكمة التمييز كمحكمة قانون فقط والتي إستمرت لقرون عديدة[9].
ومن المتعارف عليه أنّه في النظام القانوني الفرنسي، إنّ الطعن بطريق النقض لا يشكلُ درجة ثالثة من درجات المحاكمة، وذلك على إختلاف الرأي الفقهي اللبناني الذي يعتبر بأنّ النقض أمام محكمة التمييز اللبنانية يعتبر درجة ثالثة من درجات المحاكمة، لأنّه بعد نقضها للقرار المطعون فيه أمامها تنظرُ بملف القضية من ناحية القانون والواقع، وبالتالي تعتبر درجة أخيرة من درجات التقاضي[10]. في حين أنّ المحاكمة امام محكمة النقض المصرية الناظرة في القضايا المتعلقة بشؤون القضاة الوظيفية تعتبر درجة من درجات التقاضي على سبيل الإستثناء وهي الدرجة الثانية تحديداً[11].
ونلاحظ من التعديلات الحديثة التي قامَ بها المشرّع الفرنسي أنّه أَولَى محكمة التمييز المدنية صلاحية جديدة وهي النظر بأساس النزاع بعض النقض، وذلك من دون أنْ يعدّلَ الصلاحيات التقليدية لها. فهل باتت محكمة التمييز المدنية درجة من درجات التقاضي؟ وما هو نطاق صلاحيتها الجديدة؟ وما هي الإجراءات التي يمكن إتباعها أثناء ممارستها لهذه الصلاحية الحديثة؟
إنّ دراسة موضوع يتعلّق بالولاية القضائية لأعلى محكمة في النظام القضائي الفرنسي، إنما يتطلبُ الرجوع الى القواعد الأساسية لهذه المحكمة، والتعمّق بها أكثر لفهم كيفية عمل هذه الصلاحية الجديدة، ومقارنتها قدر الإمكان بالأنظمة المشابهة لها أكان اللبناني أو المصري، مما ينبغي إعتماد المنهج التأصيلي التحليلي المقارن.
بناءً لـما تقدّم، ينقسمُ بحثنا الحاضر الى فصلين أساسيين، نعرضُ في الفصل الأوّل الصلاحية التقليدية لمحكمة التمييز المدنية بعد النقض، وهي الصلاحية التي لـم يـمسها المشرّع الفرنسي في القانون الموسوم "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين"، ثـمّ نعرضُ بالتفصيل الصلاحية الحديثة لمحكمة التمييز المدنية بعد النقض في الفصل الثاني.
الفصل الأول: السلطة التقليدية لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية بعد النقض
إنّ الطعن بطريق النقض هو طعنٌ غيرُ عادي Une Voie de recours extraordinaire، يُـقـدَّمُ أمام محكمة التمييز بهدف نقض (أو إبطال) القرارات القضائية الصادرة بالدرجة الأخيرة en dernier ressort والتي جاءت مخالفة للقواعد القانونية[12].
وهذا ما نصّ عليه المشرّع الفرنسي صراحةً في المادة 604 من قانون أوصل المحاكمات المدنية حيث أَولى محكمة التمييز صلاحية نقض القرارات التي جاءت مخالفة للقانون[13]، ولهذا تسمى محكمة القانون.
وبالتالي تنحصرُ صلاحيتها بالتدقيق في مدى حسن تطبيق القانون على وقائع الدعوى، من دون أنْ تتطرَّقُ الى أساس الموضوع الذي يعودُ أمرَ النظر به الى قضاة الأساس[14]. في حين أنّ الوضع يختلفُ في لبنان، إذ أنّ محكمة التمييز اللبنانية هي محكمة القانون قبل نقضها للقرار المطعون فيه، لأنّ الطعن الذي يُـرفع أمامها هدفه نقض القرار الذي جاء مخالفاً للقانون[15]، وهذا ما أكّده الإجتهاد اللبناني[16]، أمّا بعد نقض القرار المطعون فيه فإنّها تنظرَ من جديد في القضية من حيث الواقع والقانون[17].
وعندما يتقدّم الطعن أمام محكمة التمييز الفرنسية، فإمّا أنْ ترفضَه بقرارٍ يُسمى Arrêt de rejet، وإمّا أنْ تقبلَه وتنقضَ القرار المطعون فيه بقرارٍ يُسمى Arrêt de cassation[18].
ويمكن لقرار محكمة التمييز المدنية بقبول الطعن ونقض القرار المطعون فيه أنْ يقترنَ بقرار إحالة ملف القضية الى محكمة أساس أخرى وهو ما يعرف بـــ Cassation avec renvoi، ويمكن أنْ يقتصرَ فقط على قبول الطعن والنقض من دون الإحالة وهو ما يعرف بـــ Cassation sans renvoi[19].
لذلك، سنعرض في المبحث الأوّل حالة نقض القرار المطعون فيه مع الإحالة الى محكمة أساس أخرى، وفي المبحث الثاني سنعرض آلية الإكتفاء بنقض القرار المطعون فيه من دون الإحالة.
المبحث الأوّل: نقض القرار المطعون فيه مع الإحالة Cassation avec Renvoi
يطرحُ الطعن أمام محكمة التمييز المدنية الفرنسية مسألة مخالفة القرار المطعون فيه للقانون فقط، فلا شأن لها بالوقائع، لذا فإنّها تنقضُ القرارَ المخالف للقانون دون أنْ تفصلَ في موضوع الدعوى[20]، وقرار النقض يمكن أنْ يكونَ جزئياً، أي أنْ يطالَ بعض الحلول التي تبنّاها القرار المطعون فيه، والتي جاءت مخالفة للقانون، وهو ما يسمى النقض الجزئي أي cassation partielle. وقد يكون قرار النقض كاملاً، أي أنْ يطالَ كافة الحلول التي تبنّاها القرار المطعون فيه، وهو ما يسمى النقض الشامل أي cassation totale[21]. وهذا هو أيضاً الحلّ الذي إعتمده المشرّع المصري لناحية النقض الجزئي أو النقض الشامل[22].
ويتـرتَّبُ على النقض الشامل للقرار المطعون فيه إلغاء مفاعيله القانونية وبالتالي إلغاء آثاره كافةً، أيّـاً كانت الجهة التي أصدرتها والأعمال اللاحقة للقرار المنقوض متى كان ذلك القرار أساساً لها. وإذا كان القرار لـم ينقض إلا في جزء منه بقي نافذاً فيما يتعلّق بالأجزاء الأخرى ما لـم تكن مترتبة على الجزء المنقوض[23].
وعليه، تحيلُ محكمة التمييز الفرنسية ملف القضية الى محكمة أساس أخرى للفصل فيها من جديد في الدعوى من حيث الواقع والقانون[24]، وتكون محكمة الأساس الأخرى من نفس الدرجة للمحكمة التي أصدرت القرار الذي تـمّ نقضه أو نفس محكمة الأساس ولكن بهيئة مختلفة غير تلك الهيئة التي أصدرت القرار الذي تـمّ نقضه[25]، وفي الحالتين تسمى "محكمة الإحالة" أي La juridiction de renvoi.
ومن المتفق عليه فقهاً بأنّ قرار الإحالة هو قرارٌ من قرارات الإدارة القضائية وليس حكماً بالمعنى الفنّـي الدقيق للكلمة، ولذلك يجوزُ لمحكمة النقض العدولَ عن هذا القرار أو سحبه أو تعديله، كما يجوزُ لها تصحيح الأخطاء المادية الموجودة فيه، وحينها يصنف بالقرار التصحيحي[26].
وبالتالي، كيف تنظر محكمة الإحالة الفرنسية بالقضية المحالة إليها من قبل محكمة التمييز بموجب قرار الإحالة؟ وما هو نطاق الخصومة أمامها؟ هذا ما سنبينه في المطلب الأول، أمّا في المطلب الثاني سنبحث في مدى إمكانية الطعن أمام محكمة النقض بقرار محكمة الإحالة.
المطلب الأوّل: نطاق الخصومة أمام محكمة الإحالة الفرنسية بعد النقض
بعد نقض القرار المطعون فيه من قبل محكمة التمييز المدنية الفرنسية وإحالة ملف القضية الى محكمة الإحالة، لا تباشر هذه الأخيرة بالإجراءات القضائية أمامها إلا بناءً على طلب أحد الخصوم، وعليها أنْ تلتزمَ بقرار محكمة التمييز لناحية الحل القانوني الذي توصّلَ إليه، وأنْ تحفظ الشقّ الذي لـم يطله النقض في حالة النقض الجزئي، في حين أنّها تنظر بالقضية من الناحية القانونية ومن ناحية الوقائع[27].
حتى أنّ الإجتهادَ الفرنسي وسّع صلاحية محكمة الإحالة عندما يكون النقض قد طال جزءاً من القرار المطعون فيه وليس القرار بكامله، وسمح لمحكمة الإحالة أنْ تتخطى الإطار القانوني الذي رسمته لها محكمة النقض في النقض الجزئي، وإعتبر أنّه طالما أنّ أطراف النزاع يمكن لهم تقديم أسباب دفاع جديدة أمام محكمة الإحالة التي تنظر بالواقع والقانون من جديد، فإنّه يمكن لمحكمة الإحالة الغوص أكثر في بحثها عن الحقيقة بعيدةً عن آثار النقض الجزئي[28].
وتقومُ محكمة الإحالة بالنظر في القضية بالحالة التي كان فيها الأطراف قبل صدور الحكم المنقوض، ويعود الأطراف إلى مراكزهم القانونية التي كانوا عليها قبل صدور الحكم المنقوض، وبالتالي يمكن لهم تقديم طلبات جديدة في حال إرتأوا ذلك لمصلحة إدعاءاتهم مع تقديم دفاعاتهم الجديدة حتى لو كانت للمرّة الأولى، وإلا يعتبرون متمسكين بالوسائل والإدعاءات التي طرحوها سابقاً أمام القضاء الذي أصدر الحكم المنقوض ويكون الأمر كذلك ولو لـم يحضروا[29]. وفضلاً عن ذلك قد تتطور الخصومة أمام محكمة الإحالة بحيث يمكن أن يختلف نطاقها سواء من حيث الأطراف بالتدخل أو إختصام أشخاص جدد[30].
وكذلك في مصر، نرى أنّ نطاق الخصومة أمام محكمة الإحالة بعد النقض يتشابه من حيث المبدأ مع محكمة الإحالة في فرنسا، إذ أنّ المشرّع المصري نصّ على أنّ محكمة النقض بعد نقضها للقرار المطعون فيه تحيلُ القضية الى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لتحكم فيها من جديد بناءً على طلب الخصوم[31]، ويجب ألا يكون من أعضاء محكمة الإحالة أحد القضاة الذين إشتركوا في إصدار الحكم المطعون فيه، ويتحتم على محكمة الإحالة أنْ تتبع حكم محكمة النقض في المسألة القانونية التي فصل فيها[32]، وتبقى لها الصلاحية المطلقة في تقدير الوقائع كمحكمة أساس من دون أنْ تخالف رأي محكمة النقض لجهة القانون[33].
وقد تكون الإحالة في النظام القانوني المصري الى محكمة من الدرجة الإبتدائية، ومثال ذلك أن تكون محكمة الدرجة الأولى قد حكمت بردّ الدعوى لأسباب تتعلق بالشكل أو لأسباب تتعلق بعدم القبول دون النظر بأساس النزاع، ومن ثمّ أيدتها محكمة الإستئناف بهذا الحكم، فإذا نقضت محكمة النقض حكم محكمة الإستئناف وألغت الحكم الإستئنافي، فأنها غالباً ما تقرر إعادة القضية إلى محكمة الدرجة الأولى لتفصل في الموضوع لأنها لم تستنفد ولايتها بصدده[34].
لكنّ الوضع مختلف في لبنان، لأنّ محكمة التمييز إمّا أنْ تردَّ الطعن، فيصبح القرار المطعون فيه مبرماً أي باتاً لا يقبل الطعن فيه بأي طريق من طرق المراجعة، وإمّا أنْ تنقضَ القرار المطعون فيه، فتنشر القضية من جديد وتنظر فيها بالواقع وبالقانون[35]، والقرار الصادر عنها بالنتيجة هو قرار مبرم لا يقبل، من حيث المبدأ، أي طريق من طرق الطعن.
أمّا في فرنسا ومصر، بوجود آلية الإحالة، فإنّ قرار محكمة الإحالة يقبل الطعن أمام محكمة التمييز، فما مصير هذا الطعن الثاني في نفس القضية؟
المطلب الثاني: الطعن بقرار محكمة الإحالة (في القانونين الفرنسي والمصري)
قد يكون قرار محكمة الإحالة موضوع طعن ثانٍ أمام محكمة التمييز، إمّا لنفس أسباب الطعن الأوّل، وإمّا لأسباب مختلفة.
فإذا كانت أسباب الطعن الثاني تختلف عن أسباب الطعن الأولى، تكون محكمة التمييز بإحدى غرفها هي الصلحة للبتّ بالطعن الثاني. أمّا إذا كانت أسباب الطعن الثاني هي ذاتها أسباب الطعن الأولى، ففي هذه الحالة تنعقدُ حكماً صلاحية "الـهيئة العامة لمحكمة التمييز" أي L’assemblée plénière[36]، ويمكن أنْ تنعقدَ صلاحية الهيئة العامة بصورة إختيارية في حال الطعن المقدّم للمرةّ الثانية يطرحُ مبدأ قانوني أساسي، أو في حال وجود إختلاف في الحلول بين قضاة الأساس، أو بين قضاة الأساس ومحكمة التمييز[37]. وفي حال قبول الطعن من قبل الهيئة العامة لمحكمة التمييز، تصدر قراراً بنقض القرار المطعون فيه أمامها، وتحيلُ ملف القضية الى محكمة إحالة أخرى، وهذه الأخيرة تكون ملزمة بالحلّ القانوني الذي قضت به الهيئة العامة[38].
لكنّ الوضع يختلف قليلاً في مصر بخصوص الطعن بقرار محكمة الإحالة، أي النقض للمرّة الثانية، لأنّ المشرّع المصري بموجب القانون رقم 67 للعام 2007 أوجب على محكمة النقض بحالة الطعن للمرّة الثانية البتّ بأساس النزاع أيّاً يكن سبب النقض، ولو لـم يكن الموضوع صالحاً للبتّفيه، أي أنْ تقومَ محكمة النقض بدور قاضي الأساس في هذه الحالة، وأنْ تتصدّى لأساس النزاع بعد النقض. والغاية من هذا التعديل التشريعي في العام 2007 هي لوضع حدٍّ للنزاع، وعدم ترديده بين محكمة النقض ومحكمة الإحالة أكثر من مرّة، الأمر الذي وفّرَ على المتقاضين الوقت والكلفة، فضلاً عن تقليص عدد المراجعات أمام محكمة النقض[39].
وإذا كان لمحكمة التمييز الفرنسية (أو محكمة النقض المصرية) صلاحية نقض القرار المطعون فيه وإحالة ملف القضية الى محكمة أساس أخرى للنظر بها في الواقع والقانون، إلا أنّه يبقى لها أيضاً صلاحية نقض القرار المطعون فيه من دون الإحالة، وهذا ما سنتناوله في المبحث الثاني أدناه.
المبحث الثاني: نقض القرار المطعون فيه دون الإحالة Cassation sans Renvoi
إستناداً الى الفقرة الأولى من المادة (L411-3) من قانون التنظيم القضائي، يمكن لمحكمة التمييز أنْ تنقضَ القرار المطعون فيه من دون إحالته الى محكمة أساس أخرى، وذلك في حال وجدت أنّ كافة نقاط الأساس قد إستُنفذت[40].
لكنّ مبدأ نقض القرار المطعون فيه دون الإحالة يختلفُ بين النظامين الفرنسي، والمتجانس الى حدٍّ ما والنظام القضائي المصري (المطلب الأول)، وبين النظام القضائي اللبناني (المطلب الثاني).
المطلب الأوّل: النقض دون الإحالة في النظام الفرنسي
صحيحٌ أنّ محكمة النقض هي محكمة قانون فقط، وتقتصر رقابتها على مسائل القانون، إلا أنّها لا تستطيع أن تراقب مدى قانونية الحكم المطعون فيه دون أن تبسط رقابتها على الوقائع، وهذا لا يعني أنّ محكمة النقض تعيد بحث أو إثبات تلك الوقائع، فهذا يعود الى سلطة قضاة الأساس. لكنّ محكمة النقض تأخذ هذه الوقائع على أنّها ثابتة وأكيدة، كونها تلقت البحث والتدقيق من قبل قضاة الأساس على درجتيهما، وتفحص مدى إنطباق القاعدة القانونية عليها[41].
من هنا يمكن لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية أنْ تنقضَ القرار المطعون فيه وتقف عند هذا الحدّ؛ من دون أنْ تحيلَ القضية أمام محكمة الإحالة، ويمكن لها أنْ تنقضَ القرار المطعون فيه وتفصلَ هي في الموضوع إذا كان صالحاً للفصل فيه، أي إذا كانت الوقائع الثابتة والمقدّرة من جانب قضاة الموضوع تسمحُ بتطبيق القاعدة القانونية المناسبة، وذلك سواءً كان الطعن بالنقض للمرّة الأولى أو للمرة الثانية[42].
وكذلك في القانون المصري، يمكن لمحكمة النقض المصرية أنْ تنقضَ القرار المطعون فيه وتقف عند هذا الحد، من دون أنْ تحيلَ القضية أمام محكمة الإحالة، وتفصلُ فقط في مصاريف الدعوى[43]، كما أنها قد تنقض الحكم وتفصل مباشرةً في الموضوع إذا كان صالحاً للفصل فيه، وعليها واجب الفصل بالموضوع إذا كان الطعن للمرّة الثانية ولو لـم يكن الموضوع صالحاً للفصل فيه[44].
نلاحظ من صياغة النصّ الفرنسي بأنّ المشرّع لـم يوجب على محكمة التمييز الفصل بالموضوع في حال نقضت القرار المطعون فيه، إذ ترك لها هذه الصلاحية لتقديرها المطلق، وأجاز لها الإحالة حتى لو توافرت شروط الفصل بالموضوع. وهذا بخلاف الوضع في القانون المصري، حيث أنّ القانون فرضَ على محكمة النقض الفصل في الموضوع عندما يكون صالحاً للفصل فيه، أو عندما يكون الطعن للمرّة الثانية حتى إذا لـم يكن الموضوع صالحاً للفصل فيه، أو عند نقض القرارات الصادرة في الدعاوى التي تختص بها المحاكم الإقتصادية، ولو كان النقض للمرّة الأولى، ولو لـم يكن الموضوع صالحاً للفصل فيه[45].
المطلب الثاني: النقض دون الإحالة في النظام اللبناني
نصَّ المشرّع اللبناني في قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه في حالة نقض القرار المطعون فيه، لمحكمة التمييز أنْ تفصلَ مباشرةً في موضوع القضية إذا كانت جاهزة للحكم[46]، تماماً كما هو الوضع في القانونين الفرنسي والمصري. وقد إستقرّ الإجتهاد اللبناني على إعطاء محكمة التمييز وحدها السلطة في تقدير مدى جهوزية القضية للحكم بعد النقض مباشرةً[47].
أمّا إذا كانت القضية غير جاهزة للمحكم، تقوم محكمة التمييز بعد النقض بتعيين موعداً لجلسة المحاكمة، وذلك لسماع المرافعات أو لإجراء ما تراه ضرورياً من تحقيق، وعليها تطبيق الأصول المتبعة لدى محكمة الاستئناف، وللخصوم أنْ يقدّموا طلباتهم ودفاعاتهم والوسائل الجديدة بقدر ما يجوز قبولها استئنافاً [48]، وتجري المحاكمة أمامها من جديد حتى تتمكن من الفصل بالموضوع وتضع حدّاً نهائياً للنزاع[49].
وفي حال أصدرت محكمة التمييز المدنية قراراً بنقض القرار المطعون فيه، يرجعُ الخصوم إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور القرار المنقوض[50]، وذلك في كلّ ما يتعلَّقُ بالنقاط التي تناولها إستدعاء النقض. وبالتالي، وكنتيجة لقرار النقض، تبطلُ حكماً كافة الأحكام والإجراءات اللاحقة للقرار المنقوض إذا كانت صادرة بالاستناد إليه أو كتطبيق أو تنفيذ له أو كانت مرتبطة به برابطة حتمية[51].
ويحقّ لطالب التمييز، بمجرد صدور القرار بالنقض أنْ يطلبَ استردادَ الأموال التي أداها تنفيذاً للقرار المنقوض من دون أنْ ينسبَ إلى المطعون ضده خطأ ما من جراء التنفيذ. وإذا اقتصر التمييز على جزء من القرار فيبقى نافذاً في الأجزاء الأخرى ما لم تكن مترتبة على الجزء المنقوض[52].
وبالتالي، يمكن القول بأنّ المشرّع اللبناني إختصرَ الطريق على المتقاضين حين أَولى محكمة التمييز صلاحية النظر في أساس الدعوى بعد النقض بدلاً من الألتفاف والعودة إلى محكمة الأحالة[53]، وهذا ما فعله المشرّع الفرنسي في قانون تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين حين أَولى محكمة التمييز المدنية صلاحية البتّ بأساس النزاع كما سنبينه في الفصل الثاني أدناه.
الفصل الثاني: السلطة الحديثة لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية بعد النقض
نادى جانبٌ من الفقه الفرنسي طويلاً بإعطاء محكمة التمييز المدنية صلاحية البتّ بأساس النزاع من أجل وضع حدٍّ لأمد المحاكمة وتوفير الوقت على المتقاضين ومن أجل أنْ يكون لقضاة محكمة التمييز صلاحية مراقبة وقائع النزاع على حدّ سواء مع مراقبتهم للقاعدة القانونية المطبقة[54].
ولـم يتجاوبْ المشرّعُ الفرنسي مع مطالبات الفقه الفرنسي إلا في العام 2016 لما أعطى محكمة التمييز المدنية صلاحية البتّ في أساس النزاع عبر إضافته فقرة جديدة على المادة (L411-3) من قانون التنظيم القضائي، والتي تنصّ على ما يلي:
« …Elle peut aussi, en matière civile, statuer au fond lorsque l'intérêt d'une bonne administration de la justice le justifie… »
نستنتجُ من هذا النصّ التشريعي أعلاه، أنّ المشرّع الإجرائي الفرنسي وسّع صلاحية محكمة التمييز المدنية، التي كانت تعتبر لقرون عديدة حارسة القانون فقط[55]، وأَوْلاها صلاحية البتّ بأساس النزاع بعد النقض. وهذه الصلاحية لـم تُخلقْ من العدم، إذ كانت موجودةٌ أصلاً من ضمن صلاحية "مجلس الأطراف" الذي أشرنا إليه في مقدمتنا أعلاه، بحيث كانت له صلاحية البتّ بأساس النزاع بعد نقضه للأحكام المخالفة لقانون الملك، وهي تاريخياً تعودُ لمجلس شورى الدولة الفرنسي الذي أعطاه المشرّع الإداري صلاحية النظر بأساس النزاع لحسن سير العدالة[56].
ولهذا، سنرى المفهوم القانوني لهذه الصلاحية الجديدة المستحدثة لمحكمة التمييز المدنية في المبحث الأوّل أدناه، ومن ثـمّ سنبحث في إشكاليات هذه الصلاحية الجديدة المعطاة لها في المبحث الثاني.
المبحث الأوّل: المفهوم القانوني للنظر بأساس النزاع بعد النقض
وضعَ المشرّع الفرنسي في قانون "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين" شرطاً وحيداً لمحكمة التمييز المدنية كقاعدة لإعمال صلاحيتها بعد النقض وهي التطرق الى وقائع النزاع والبتّ بالأساس وبالقانون، وهو شرط "حسن سير العدالة"[57].
لكنّ المشرّع الفرنسي لـم يوضح لقضاة محكمة التمييز ماهية حسن السير العدالة، ولـم يحدِّد لهم ما هي القواعد الإجراية الواجب إتباعها أثناء بتّهم بأساس النزاع بعد النقض.
وأمام هذا الغموض في قاعدة الإعمال وفي القواعد الإجرائية، لا بدّ لنا من توضيح القواعد الإجرائية الممكن إتباعها أمام محكمة التمييز المدنية الفرنسية أثناء بتّها بأساس النزاع (المطلب الثاني) بعد أنْ نكون قد حدّدنا قدر الإمكان ماهية حسن سير العدالة (المطلب الأوّل).
المطلب الأوّل: ماهية حسن سير العدالة
إشترط المشرّع الفرنسي على محكمة التمييز المدنية وجود مصلحة تقتضيها حسن سير العدالة تبرر تدخلها في أساس النزاع بعد نقضها للقرار المطعون فيه. لكننا لا نرى في القانون الوضعي تعريفاً عن حسن سير العدالة، إلا أنّ هذه العبارة وردت لأوّل مرّة في تقرير مفوض الحكومة لدى مجلس شورى الدولة الفرنسي في العام 1959، والذي برّرَ بموجبه توسع المجلس بصلاحياته القضائية لمصلحة حسن سير العدلة[58].
إلا أنّ الإجتهادَ الدستوري الفرنسي إنتظر حتى العام 1978 لإستعماله مبدأ حسن سير العدالة، وذلك في أحد قراراته المعروف بـــــ"مجلس المنافسة" أي Conseil de la Concurrence طعناً بالقانون الذي أصدره المشرّع الفرنسي، حين أعطى صلاحية لمحاكم الإستئناف العدلية النظر بالطعون الصادرة عن مجلس المنافسة بالرغم من أنّه هيئة تابعة للقضاء الإداري. وقد أبطلَ المجلس الدستوري هذا القانون معللاً قراره في إحدى حيثياته بأنّه عند نشوء نزاعات حول قواعد الإختصاص بين القضاء الإداري والقضاء العدلي يمكن للمجلس، إستثناءً على مبدأ فصل السلطات، أنْ يتدخلَ لمصلحة حسن سير العدالة وتوحيد قواعد الإختصاص بين القضائين العدلي والإداري[59]. ثـمّ قضى مجلس الدستوري لاحقاً في أحد قراراته بأنّ حسن سير العدالة هو من إحدى المتطلبات في القضائين الإداري والعدلي[60].
وكذلك رأى مجلس شورى الدولة الفرنسي، أنّ ماهية حسن سير العدالة إنما تتمحور حول تفادي النقض والإحالة الى محكمة أساس أخرى، ووضع حدٍّ للنزاع بين أطرافه، مما يوجب تدخل المجلس بأساس النزاع بالرغم من أنّه محكمة عليا[61].
والأمر سيّان بالنسبة الى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية التي أدانت عدّة دول أوروبية، ومنها فرنسا، في العديد من القرارات، بسبب مخالفتها مبدأ "حسن سير العدالة" الذي تعتبره مستمدٌّ من أحاكم المادة السادسة للإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تعطي الحقّ لكل مواطن أوروبي بالحصول على محاكمة عادلة، علنية وضمن مهلةٍ معقولة، إذ أنّ المحكمة الأوروبية إعتبرت بأنّ مبدأ حسن سير العدالة يتمثَّلُ بحصول المواطن الأوروبي على محاكمة عادلة وسريعة[62].
أمّا محكمة التمييز اللبنانية، وهي محكمة القانون قبل النقض ومحكمة القانون والواقع بعد النقض كما أشرنا إليه في الفصل الأوّل أعلاه، فقد إستعملت أيضاً مبدأ "حسن سير العدالة" في عدّة مواضع، ومنها مثلاً لتبرير قضاة الموضوع إتخاذهم بعض القرارات المتعلّقة بالإدارة القضائية مثل تقرير الإستئخار بالبتّ بالدعوى لوجود مسألة معترضة أو تقرير ضم الخصومات[63].
بناءً لما كلّ ما تقدّم، إعتبرَ الفقه المدني الفرنسي بأنّ مبدأ حسن سير العدالة المنصوص عليه في قانون تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين، مستوحى من المبدأ المعمول به في القضاء الإداري، وهو قد جاءَ تماشياً مع إجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وغايته هي وضع حدٍّ للمحاكمة القائمة بين أطراف النزاع وعدم إطالة أمدها، خاصةً عندما لا يوجد أيُّ مبررٍ لإحالة الملف الى محكمة أساس أخرى[64].
ونرى من صياغة التعديل للفقرة المستحدثة لنصّ المادة (3-411) من قانون التنظيم القضائي، أنّ المشرّع الفرنسي أعطى لقضاة محكمة التمييز سلطة مطلقة في تقديرهم لــ"حسن سير العدالة"[65]، وهذا ما يُسمى بـــــ Pouvoir discrétionnaire، إذ قد تقرِّر تدخلها في أساس النزاع بعد النقض من دون أي تعليل لذلك. ولهذا نرى في الإجتهادات الحديثة لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية قرارات تناولت أساس النزاع بعد نقضها للقرار المطعون فيه من دون أيّ تعليل لهذا التدخل سوى الحفاظ على مبدأ حسن سير العدالة[66].
ويـمكن القول أنّ المشرّع الفرنـسـي الإجرائي، أعطى قضاة مـحكمة التميـيز الـمدنية سـلـطـة "الـحــكــم" le pourvoi de gouverner عند نقضهم للقرار المطعون فيه وبتّهم بأساس النزاع، بدلاً من سلطة "الـمـراقـبـة" le pourvoi de régner التي كانت لهم قبل هذا التعديل، والتي كانت تقوّض سلطتهم في مراقبة مدى حسن تطبيق القانون على الوقائع من دون أنْ تكون لهم صلاحية البتّ بأساس النزاع[67].
المطلب الثاني:إجراءات النظر في أساس النزاع
صحيحٌ أنّ المشرّع الفرنسي في قانون "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين" وسّع صلاحية محكمة التمييز المدنية بعد النقض، وسمحَ لها البتَّ بأساس النزاع لحسن سير العدالة، إلا أنّه لـم يضعْ أية قواعد إجرائية لإتباعها في مرحلة البتّ بأساس النزاع من قبل المحكمة.
ولهذا السبب أصدر المشرّع الفرنسي في العام 2017 القانون رقم 2017-396، الذي أدخلَ بموجبه فقرة حديثة على نصّ المادة (1015) من قانون أصول المحاكمات المدنية، والتي تنصّ على أنّه بعد النقض، يمكن لمحكمة التمييز إستدعاء أي شخص لتقديم ملاحظاته أو إفادته حول نقاط عامة تُـنـيـر المحكمة، وهذه الملاحظات يمكن أنْ تكون شفهية في جلسة محاكمة علنية، ويمكن أن تكون خطية شرط أنْ تبلغ الى كافة أطراف النزاع الذين يُـمنحون مهلة كافية لتقديم ملاحظاتهم عليها[68].
غير أنّ المشرّع الفرنسي إكتفى بهذا القدر في توضيح الإجراءات الواجب إتباعها أمام محكمة التمييز، وذلك حين تنظر هذه الأخيرة بأساس النزاع، وهذا التوضيح الإجرائي قائم على إحترام "مبدأ الوجاهية"، من دون أنْ يحدِّدَ القواعد الإجرائية الأخرى الواجب إتباعها.
المبحث الثاني: اشكاليات التعديلات القانونية الجديدة
من الواضح حتى الآن أنّ المشرّع الفرنسي ترك لقضاة محكمة التمييز المدنية حرّية واسعة في تقديرهم لممارستهم سلطة البتّ بأساس النزاع بعد النقض، إذ وحدهم يملكون سلطة التقدير المطلقة لنقض القرار المطعون وإحالته الى محكمة أساس أخرى، أو لنقض القرار المطعون فيه والبت بأساس النزاع. من هنا قد يقعُ قضاة محكمة التمييز في تفاوتٍ غير مقصود بين غرف محكمة التمييز في الإنتاجية بإنهاء الدعاوى القضائية، إذ قد تنجح إحدى الغرف الى الإكتفاء بالنقض والإحالة في حين أنّه قد تأخذ إحدى الغرف الأخرى على عاتقها تطبيق مبدأ حسن سير العدالة فتكون أغبية قراراتها النقض والبتّ بأساس النزاع[69]. وأمام هذه الصلاحية التقديرية المطلقة، قد يصطدم فرقاء النزاع وقضاة محكمة التمييز بالإشكاليات التالية؛ وهي عدم كفاية الأدوات الإجرائية (المطلب الأول) وغياب آلية الطعن بقرار محكمة التمييز الناظرة بأساس النزاع (المطلب الثاني).
المطلب الأوّل: عدم كفاية الأدوات الإجرائية
إكتفى المشرّع الفرنسي في قانون "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين" بإعطاء محكمة التمييز المدنية صلاحية البتّ بأساس النزاع لحسن سير العدالة من دون أنْ يـحدِّدَ لها الإجراءات الواجب إتباعها[70].
لكنّ محكمة التمييز المدنية قد تضطر الى الغوص أكثر في تحقيقاتها قبل كشفها للحقيقة، أو قد يتطور النزاع أكثر بعد نقضها لقرار قضاة الأساس، والمشرّع لـم يعطِ قضاة محكمة التمييز الوسائل الإجرائية الكافية للنظر بأساس النزاع، إنْ كان لناحية المهل، أو غيرها من الإجراءات الأساسية في المحاكمة؛ مثل الإدعاء بالتزوير أو تقديم طلبات جديدة.
وأمام هذا النقص في التشريع، عدّلَ المشرّع الفرنسي نصّ المادة 1015 من قانون أصول المحاكمات المدنية بحيث سـمحَ لمحكمة التمييز المدنية، أثناء النظر بأساس النزاع، أنْ تستدعيَ أيَّ شخصٍ لتقديم ملاحظاته حول موضوع القضية، مع حقّ أطراف النزاع أنْ يقدموا ملاحظاتهم أيضاً[71].
إلا أنّ هذا التعديل غير كافٍ أيضاً، وكان من المستحسن على المشرّع الفرنسي أنْ يستوحي القواعد الإجرائية من موقف الإجتهاد الإداري، الذي يعتبرُ بأنّ مجلس شورى الدولة، بالرغم من أنّه محكمة عليا في القضاء الإداري، إلا أنّه يتحول الى قضاء أساس بعد نقضه للقرار المطعون فيه[72].
في حين أنّ المشرّع اللبناني في المادة 734 من قانون أصول المحاكمات المدنية، كان أكثرَ وضوحاً من المشرّع الفرنسي، بحيث سمح لمحكمة التمييز بعد نقضها للقرار المطعون فيه أنْ تنظرَ بأساس النزاع على أنّها محكمة إستئناف، وتطبِّقُ في هذه الحالة الأصول المتّبعة لدى محكمة الاستئناف[73].
وسارَ المشرّع المصري على غرار المشرّع اللبناني في وضوحه لناحية الإجراءات الواجب إتباعها أمام محكمة النقض بعد الطعن بالقرار المنقوض، إذ نصّ صراحةً في المادة 273 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أنّه تسري قواعد الإجراءات الخاصة بنظام الجلسات[74].
وأمام عدم كفاية القواعد الإجرائية في النصّ التشريعي الفرنسي، شرعَ بعض الفقهاء الى المناداة بوجوب إعتماد محكمة التمييز المدنية الإجراءات المتبعة أمام محكمة الإستئناف في حال نقضت القرار المطعون فيه وقررت البت بأساس النزاع، وذلك عملاً بمدأ المساواة أمام القانون[75].
المطلب الثاني: غياب آلية الطعن بقرار محكمة التمييز
من الثابت أنّ المشرّع الفرنسي وسّع صلاحية محكمة التمييز المدنية وأعطاها دوراً إختيارياً للنظر في أساس النزاع بعد نقضها للقرار المطعون فيه لحسن سير العدالة، إلا أنّه أبقى على مبدأ عدم جواز الطعن في أحكام محكمة التمييز بأية طريقة من طرق الطعن[76]، وهذا ما يتماشى أيضاً مع القانون المصري الذي منع الطعن بأحكام محكمة النقض[77].
ولهذا السبب، يتوّقعُ أغلبية الفقهاء عدم إستعمال قضاة محكمة التمييز صلاحيتهم في البتِّ بأساس النزاع بصورة مبدئية، ويعود السبب الى غياب آلية النقض بقرارهم الصادر في الواقع وفي القانون[78]، وهم يتوقعون إستعمال قضاة محكة التمييز لهذه الصلاحية المستحدثة في حال كانت القضية جاهزة للحكم، أو في حال لـم يعدْ هنالك شيء للحكم به، أي أنْ يستعملوا هذه الصلاحية المستحدثة تحت مظلة صلاحيتهم التقليدية عند نقضهم للقرار المطعون من دون الإحالة[79].
في حين أنّ المشرّع الفرنسي في قانون "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين" أحدثَ هيئة جديدة في محكمة التمييز، أسماها "محكمة إعادة النظر" أي la cour de réexamen والتي تنظر في كافة القرارات النهائية وفي قرارات محكمة التمييز الصادرة بموضوع الأحوال الشخصية والمنقوضة من قبل المحكمة الأوروبية العليا لحقوق الإنسان[80].
وكذلك يمكن الطعن بقرارات محكمة التمييز أو بأي قرار إتَّسَمَ بصفة قوّة القضية المحكوم[81] والتي شابها مخالفة للقواعد الإجرائية التي أوقعت القضاة في الخطأ، تصدر حينها محكمة التمييز قراراً يصحح هذا الخطأ الإجرائي، و هذا ما يُـعرف بـــــــــ La décision de rabat d’un arrêt .[82]
أمّا في النظام القانوني اللبناني الأمر يختلف عن النظام القانوني الفرنسي لناحية الطعن بقرارات محكمة التمييز، إذ أنّ القانون الفرنسي يمنع الطعن بقرارات محكمة التمييز إلا في الحالتين المذكورتين أعلاه، في حين أنّ القانون اللبناني، لاسيما قانون أصول المحاكمات المدنية، سـمحَ بالطعن بقرارات محكمة التمييز في حال التزوير أو عبر مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين في حال إرتكب قضاة محكمة التمييز مخالفة الاستنكاف عن إحقاق الحق أو الخداع أو الغش أو الرشوة أو الخطأ الجسيم الذي يفترض ألا يقع فيه قاض يهتمُّ بواجباته الاهتمام العادي[83].
ختاماً، يمكننا القول أنّ المشرّع الفرنسي حافظَ على الصلاحيات التقليدية لمحكمة التمييز المدينة وهي نقض القرار المطعون فيه دون الإحالة، بحيث يمكنها أنْ تضعَ حدّاً نهائياً للنزاع إذا كانت الوقائع الثابتة والمقدّرة من جانب قضاة الموضوع تسمحُ بتطبيق القاعدة القانونية المناسبة. وطبقاً لذلك، يجوزُ لأي تشكيل من تشكيلات محكمة التمييز الفرنسية، سواء كانت الغرف العادية أو الغرف المختلطة أو الهيئة العامة أنْ تفصلَ في الموضوع وتنزل حكم القانون عليه إذا كان صالحاً للفصل فيه، كما يجوز لمحكمة التمييز الفرنسية أنْ تفصلَ في الموضوع، سواءً كان الطعن بالنقض للمرّة الأولى أو للمرّة الثانية، إذا كان الموضوع صالحاً للفصل فيه، بحيث ينزل حكم القانون على الوقائع الثابتة التي لا تحتاج لأي تحقيق جديد أو إثبات جديد[84].
ومع ذلك، لوحظ أنّ محكمة التمييز الفرنسية لا تحبّذ إستعمال سلطتها في التدخل بأساس النزاع خشيةً منها أنْ تقحم نفسها بدور ليس لها، فهي ليست محكمة موضوع، ومن جهة أخرى فهي لا تريد المساس بما لمحكمة الموضوع من ولاية، وتريد أخيراً أن تحفظ القدر الأقصى من الضمانات للخصوم. ونتيجة لإحجامها عن إستخدام تلك السلطة، تعالت الأصوات المنادية بضرورة إستعمال محكمة التمييز لهذه السلطة والبت بأساس النزاع توفيراً للوقت والجهد والنفقات.
ولذلك، تدخّل المشرّع الفرنسي في قانونه الجديد بعنوان "تحديث العدالة للقرن الحادي والعشرين"، وقامَ صراحةً بتوسيع صلاحية محكمة التمييز المدنية، وأعطاها سلطة جديدة وهي البتّ بأساس النزاع في حال إرتأت حسن سير العدالة يبرر تدخلها في أساس النزاع، وأصبحَ بإمكان محكمة التمييز الفرنسية نقض القرار المطعون فيه والبتّ بأساس النزاع من دون إحالته الى محكمة أخرى، ويمكن لها دعوة الفرقاء في هذه الحالة لمناقشة مسألة واقعية أو مسألة قانونية معينة كما هو الحال أمام محكمة التمييز اللبنانية.
ومع ذلك، بقيت مسألة قيام محكمة التمييز الفرنسية بالفصل في أساس النزاع أمراً جوازياً وليس أمراً إجبارياً وفقاً لما جاء في نصّ المادة (3-411) من قانون تنظيم القضاء الفرنسي، فيجوزُ لها النقض مع الإحالة، كما يجوز لها النقض من دون الإحالة والبتّ بأساس النزاع إذا كان صالحاً للبتّ فيه من قِبلها، ومؤخراً أصبح بإمكانها النقض من دون الإحالة والبتّ بأساس النزاع لحسن سير العدالة.
وبالرغم من صراحة ووضوح النصّ التشريعي الجديد لناحية توسيع صلاحية محكمة التمييز المدنية في فرنسا، إلا أنّه يقتضي إنتظار الممارسة لنرى مدى وكيفية إستعمال محكمة التمييز المدنية لهذه الصلاحية الواسعة.
وبناءً على كلّ ما تقدّم، نفتح السؤال في هذه المناسبة ونقول إلى أيِّ حدٍّ يمكن القول بأنّ محكمة التمييز المدنية بهذه الصلاحيات الواسعة باتت تشكل وسيلة نهائية وشاملة لتصفية النزاع وتحديد المراكز القانونية المتنازع عليها ؟
المراجع باللغة العربية:
- احمد السيد صاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، المؤلف، 2010.
- إدوار عيد، موسوعة أصول المحاكمات المدنية، التمييز، المؤلف، طبعة العام 1987.
- حلمي الحجار، الوسيط في أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، منشورات الحلبي.
- محمد فايز الإسبر، دور محكمة النقض بين الواقع والقانون، رسالة لنيل درجة الماجيستر في القانون الخاص، جامعة بيروت العربية، مكتبة كلية الحقوق والعلوم السياسية
- مرسال سيوفي، محكمة التمييز، تنظيمها واختصاصها، أصول النقض وأسبابه في المواد المدنية، الطبعة الثالثة، المؤلف، بيروت - لبنان، سنة 1994.
- المرجع كساندر، برنامج إيدرال الإلكتروني.
- نبيل عمر، الوسيط في الطعن بالنقض، دار الجامعة الجديدة للنشر، الأزاريطة الإسكندرية، مصر، سنة 2001.
المراجع باللغة الفرنسية:
- Cécile Chainais; Frédérique Ferrand; Serge Guinchard; Lucie Mayer, Procédure civile, Dalloz, 36e éd.
- Dalloz Action, Droit et Pratique de la Procédure Civile, 1998.
- Dalloz, Répertoire de procédure civile et commercial, Paris, 1955.
- Denys de Béchillon et Philippe Terneyre, Le Conseil d’Etat, enfin juge !, Pouvoirs Le Seuil, 2007.
- Emmanuel Piwnica, « Commentaire du décret n° 2017-396 du 24 mars 2017 portant diverses dispositions relatives à la Cour de cassation », La Gazette du Palais 2017.
- Gérard Couchez et Xavier Lagarde, Procédure civile, 17e éd., Sirey.
- Glasson et Tissier, Procédure Civile, Sirey, 3ème éd., 1925.
- Jacques Borré, la cassation en matière civile, Dalloz-Paris, 1997.
- Jean-Jacques Barbiéri, Procédure civile, éd., Francis Lefebvre, 2015.
- Jeant Vincent et Serge Guinchard, Procédure Civile, Dalloz, 27ème éd.
- Odilon Barrot, Bulletin annoté des lois, décrets et ordonnances, depuis le mois de juin 1789 jusqu'au mois d'août 1830, éd. Paul Dupont.
- Olivier Fouquet, Mattias Guyomar, et autres, Le Conseil d’État juge de cassation, Berger-Levrault, coll. «Administration nouvelle», 2001, 5e éd.
- Pierre Bellet, France la cour de cassation, RIDC 1978.
- René Chapus, Droit du contentieux administratif, Montchrestien, 13e éd., 2008.
- Soraya A. Mekki, Cour de cassation : les modifications de la loi justice du XXIe siècle.
- Stéphane-Laurent Texier, De la possibilité pour la cour de cassation de mettre fin au litige, Dalloz 2011.
Les sites électroniques :
الفصل الأول: السلطة التقليدية لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية بعد النقض.. 6
المبحث الأوّل: نقض القرار المطعون فيه مع الإحالة Cassation avec Renvoi 7
المطلب الأوّل: نطاق الخصومة أمام محكمة الإحالة الفرنسية بعد النقض.. 8
المطلب الثاني: الطعن بقرار محكمة الإحالة 11
المبحث الثاني: نقض القرار المطعون فيه دون الإحالة Cassation sans Renvoi 12
المطلب الأوّل: النقض دون الإحالة في النظامين الفرنسي والمصري. 12
المطلب الثاني: النقض دون الإحالة في النظام اللبناني. 14
الفصل الثاني: السلطة الحديثة لمحكمة التمييز المدنية الفرنسية بعد النقض.. 16
المبحث الأوّل: المفهوم القانوني للنظر بأساس النزاع بعد النقض.. 17
المطلب الأوّل: ماهية حسن سير العدالة 17
المطلب الثاني:إجراءات النظر في أساس النزاع. 20
المبحث الثاني: اشكاليات التعديلات القانونية الجديدة 21
المطلب الأوّل: عدم كفاية الأدوات الإجرائية 21
المطلب الثاني: غياب آلية الطعن بقرار محكمة التمييز 23
[1]- في القانون اللبناني المصطلح المعتمد هو "محكمة التمييز"، أمّا في القانون المصري على غرار القانون الفرنسي المصطلح المعتمد هو "محكمة النقض".
[2]- Dalloz, Répertoire de procédure civile et commercial, Paris, 1955, T.I, nº1-2, p. 333.
[3]- Dalloz, Op. cit, nº 5, p.334.
[4]- أثار إنشاء محكمة النقض مناقشات ساخنة مع الاعتراف بضرورتها، إذ ستكون خارج مراقبة المشرّع في حين صلاحيتها تمسّ بالقانون مباشرةً وهو من عمل المشرّع وحده. "ألا ينبغي أن تعود سلطة تفسير القانون إلى المشرع الذي سنه؟" هذه كانت فكرة روبسبير على وجه الخصوص، واقترح وضع هذه المحكمة داخل الهيئة التشريعية نفسها. (لطفاً يراجع بهذا المعنى : Ernest FAYE, La cour de cassation, Hestellung - Allemagne, 1970, p. 3.)
[5]- Glasson et Tissier, Procédure Civile, Sirey, 3ème éd., 1925, T.I., p. 253.
[6] - Odilon Barrot, Bulletin annoté des lois, décrets et ordonnances, depuis le mois de juin 1789 jusqu'au mois d'août 1830, éd. Paul Dupont, 1834, T.1, p. 376.
[7]- Stéphane-Laurent Texier, De la possibilité pour la cour de cassation de mettre fin au litige, Dalloz 2011, nº1, p. 116.
[8]- Loi n°2016-1547 du 18 novembre 2016 de modernisation de la justice du XXIe siècle, JORF n°0269 du 19 novembre 2016, disponible sur : https://www.legifrance.gouv.fr, (consulté le 10/11/2022).
[9]- Soraya A. Mekki, Cour de cassation : les modifications de la loi justice du XXIe siècle, disponible sur : https://actu.dalloz-etudiant.fr/, (consulté le 10/11/2022).
[10]- محمد فايز الإسبر، دور محكمة النقض بين الواقع والقانون، رسالة لنيل درجة الماجيستر في القانون الخاص، 2012، جامعة بيروت العربية، مكتبة كلية الحقوق والعلوم السياسية، ص 173.
[11] - المرجع السابق، ص 100.
[12]- Gérard Couchez et Xavier Lagarde, Procédure civile, Sirey, 17e éd., 2014, nº448, p. 480.
[13] - Art. 604 NCPC dispose que: « Le pourvoi en cassation tend à faire censurer par la Cour de cassation la non-conformité du jugement qu'il attaque aux règles de droit ».
[14] - Art. L411-2 Code de l'organisation judiciaire dispose que : « La Cour de cassation statue sur les pourvois en cassation formés contre les arrêts et jugements rendus en dernier ressort par les juridictions de l'ordre judiciaire. La Cour de cassation ne connaît pas du fond des affaires, sauf disposition législative contraire ».
[15]- المادة 703 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني تنصّ على: "الطعن بطريق التمييز طعن يرفع إلى المحكمة العليا لأجل نقض القرار بسبب مخالفته القواعد القانونية."
[16]- محكمة التمييز المدنية، الغرفة الخامسة، قرار رقم 10/2020 تاريخ 5/2/2020، المرجع كساندر، برنامج إيدرال الإلكتروني، وقد جاء في إحدى حيثيات القرار: "إنّ الطعن عن طريق التمييز يجب أنْ ينصبَّ على القرار المطعون فيه لأجل نقضه بسبب مخالفته القواعد القانونية".
[17] - الفقرة الأخيرة من المادة 734 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني تنصّ على: "وتحكم محكمة التمييز في القضية من جديد في الواقع والقانون باستثناء الجهات التي لم يتناولها التمييز."
[18]- Gérard Couchez et Xavier Lagarde, Op. cit., nº 492, p. 480.
[19]- Gérard Couchez et Xavier Lagarde, Op. cit., nº 456, p. 492.
[20]- Odilon Barrot, Op. cit., p. 376.
[21]- Dalloz Action, Droit et Pratique de la Procédure Civile, 1998, nº 6366-6371, p. 1302.
[22]- المادة 268 من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنصّ على :" إذا قبلت المحكمة الطعن تنقض الحكم المطعون فيه كلّه أو بعضه وتحكم في المصروفات."
[23]- Dalloz Action, Op. cit., nº 6411, p. 1318.
[24]- Jeant Vincent et Serge Guinchard, Procédure Civile, Dalloz, 27ème éd., p.1031.
[25]- Art. L431-4 du code de l’organisation judiciare dispose que : « En cas de cassation, l'affaire est renvoyée, sous réserve des dispositions de l'article L.411-3, devant une autre juridiction de même nature que celle dont émane l'arrêt ou le jugement cassé ou devant la même juridiction composée d'autres magistrats ».
[26]- محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 154.
[27] - Art. 638 du code de procédure civile dispose que : « L'affaire est à nouveau jugée en fait et en droit par la juridiction de renvoi à l'exclusion des chefs non atteints par la cassation. »
[28]- Cour de cassation, civile, Chambre civile 2, 13 mars 2008, 07-13.195, Publié au bulletin, «… le caractère partiel de la cassation ne doit pas conduire à trop restreindre de domaine de la saisine de la juridiction de renvoi… »
[29] - Jacques Borré, la cassation en matière civile, Dalloz-Paris, 1997, nº 3316 et S., p. 833 et S.
[30] - محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 156.
[31] - نبيل عمر، الوسيط في الطعن بالنقض، دار الجامعة الجديدة للنشر، الأزاريطة الإسكندرية، مصر، سنة 2001، بند 227 ، ص 494.
[32]- الفقرة الثانية من المادة 269 من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنصّ على: " فإذا كان الحكم قد نقض لغير ذلك من الأسباب تحيل القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لتحكم فيها من جديد بناء على طلب الخصوم، وفي هذه الحالة يتحتم على المحكمة التي أحيلت إليها القضية ان تتبع حكم محكمة النقض في المسألة القانونية التي فصلت فيها المحكمة."
[33] - احمد السيد صاوي، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، المؤلف، 2010، ص 1137.
[34] - محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 129.
[35] - محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 126.
[36] - Art. L.431-6 du code de l’organisation judiciaire annonce que : « Le renvoi devant l'assemblée plénière peut être ordonné lorsque l'affaire pose une question de principe, notamment s'il existe des solutions divergentes soit entre les juges du fond, soit entre les juges du fond et la Cour de cassation ; il doit l'être lorsque, après cassation d'un premier arrêt ou jugement, la décision rendue par la juridiction de renvoi est attaquée par les mêmes moyens. »
[37] - Dalloz Action, Op. cit., nº6421, p. 1322.
[38] - محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 162.
[39] - قبل القانون رقم 76 للعام 2007، تبتّ محكمة النقض بأساس النزاع في حال كان الطعن الثاني يستند الى نفس أسباب الطعن الأوّل (لطفاً مراجعة احمد السيد صاوي، المرجع السابق، ص 1140).
[40] - Art. L.411-3/1 du code de l’organisation judiciare dispose que : « La Cour de cassation peut casser sans renvoi lorsque la cassation n'implique pas qu'il soit à nouveau statué sur le fond.. »
[41]- احمد السيد صاوي، المرجع السابق، ص 1073.
[42] - Dalloz Action, Op. cit., nº6422, p. 1322.
[43]- المادة 268 من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنصّ على: "إذا قبلت المحكمة الطعن تنقض الحكم المطعون فيه كله أو بعضه وتحكم في المصروفات".
[44]- محمد فايز الإسبر، المرجع السابق، ص 127.
[45]- المرجع السابق، ص 166.
[46]- نصّت الفقرة الأولى من المادة 734 من قانون أوصل المحاكمات المدنية على: " في حالة نقض القرار المطعون فيه، لمحكمة التمييز أن تفصل مباشرة في موضوع القضية إذا كانت جاهزة للحكم"
[47] - تمييز مدني لبناني، غرفة اولى، قرار رقم 11 تاريخ 6/2/2003، صادر في التمييز، القرارات المدنية، سنة 2003، ص 29.
[48] - نصّت الفقرة الثانية من المادة 734 من قانون أصول المحاكمات المدنية على:" وإلا فإنها تعين موعداً لسماع المرافعات أو لإجراء ما تراه ضرورياً من تحقيق. وتطبق في هذه الحالة الأصول المتبعة لدى محكمة الاستئناف، وللخصوم أن يقدموا الطلبات والدفوع و الوسائل الجديدة بقدر ما يجوز قبولها استئنافاً، وتحكم محكمة التمييز في القضية من جديد في الواقع والقانون باستثناء الجهات التي لم يتناولها التمييز."
[49]- إدوار عيد، موسوعة أصول المحاكمات المدنية، التمييز، المؤلف، طبعة العام 1987، الجزء السابع، فقرة 367، ص 978.
[50]- تمييز مدني لبناني، غرفة أولى، قرار رقم 11/2022، تاريخ 31/3/2022، برنامج إيدرال الإلكتروني.
[51]- المادة 733 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.
[52]- حلمي الحجار، الوسيط في أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، منشورات الحلبي، الطبعة السابعة، فقرة 946.
[53]- مرسال سيوفي، محكمة التمييز، تنظيمها واختصاصها، أصول النقض وأسبابه في المواد المدنية، الطبعة الثالثة، المؤلف، بيروت - لبنان، سنة 1994، ص 247، بند 175.
[54] - Stéphane-Laurent Texier, op. cit., nº14.
[55] - Pierre Bellet, France la cour de cassation, RIDC 1978, nº30(1), p. 213.
[56] - Art. L.821-2 du code de justice administrative annonce : « S'il prononce l'annulation d'une décision d'une juridiction administrative statuant en dernier ressort, le Conseil d'État peut soit renvoyer l'affaire devant la même juridiction statuant, sauf impossibilité tenant à la nature de la juridiction, dans une autre formation, soit renvoyer l'affaire devant une autre juridiction de même nature, soit régler l'affaire au fond si l'intérêt d'une bonne administration de la justice le justifie. »
[57] - Art. L.411-3/2 du code de l’organisation judiciaire dispose que : « Elle peut aussi, en matière civile, statuer au fond lorsque l'intérêt d'une bonne administration de la justice le justifie. »
[58] - Conclusions Bernard Bernard sur CE Ass., 11 mai 1959, Sirey 1959, p. 146. : « jamais hésité à puiser dans [sa] fonction de juge suprême du contentieux administratif les pouvoirs nécessaires pour assurer une bonne administration de la justice au sein de la juridiction administrative »
[59] - Conseil constitutionnel, décision nº86-224, le 23 janvier 1987, Loi transférant à la juridiction judiciaire le contentieux des décisions du Conseil de la concurrence, Non-conformité totale, disponible sur : https://www.legifrance.gouv.fr, (consulté le 28/11/2022).
[60] - Conseil constitutionnel, décision nº89-261, le 28 juillet 1989, Loi relative à la sécurité et à la transparence du marché financier, Non-conformité partielle, disponible sur : https://www.conseil-constitutionnel.fr/, (consulté le 28/11/2022).
[61] - Olivier Fouquet, Mattias Guyomar, et autres, Le Conseil d’État juge de cassation, Berger-Levrault, coll. «Administration nouvelle», 2001, 5e éd., p. 305.
[62] - Cour européenne des droits de l'homme, 1er section, 27 nov. 2003, affaire Slimane Kaïd c/ France, req. n°48943/99, disponible sur : https://www.dalloz.fr/, (consulté le 28/11/2022).
[63] - محكمة التمييز اللبنانية، الغرفة الجزائية، القرار رقم 209/2007 تاريخ 18/10/2007، حيث ورد في إحدى حيثياته: "... وحيث انه، وبمعزل عن صحة او عدم صحة ما يدلي به المستدعي لهذه الجهة، فان التلازم، وفي حال توافر عناصره، لا يجبر قاضي التحقيق او الهيئة الاتهامية لاعتماده لتقرير ضم الدعويين الى مرجع قضائي واحد، بل يبقى ذلك متروكاً لخيارهما وفقاً لما يرتأيانه لضمان حسن سير العدالة، وبالتالي لا يمكن ان يؤخذ على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون برده للدفع المدلى به لهذه الجهة..." منشور في كساندر برنامج إيدارل الإلكتروني.
[64] - Cécile Chainais; Frédérique Ferrand; Serge Guinchard; Lucie Mayer, Procédure civile, Dalloz, 36e éd., nº1831, p.1352.
[65] - « Discrétionnaire" est un adjectif qui caractérise une décision à propos des motifs de laquelle celui qui la prend dispose d'un pouvoir qui lui appartient en propre sans qu'il ait à subir le contrôle d'une autorité. » site https://www.dictionnaire-juridique.com, consulté le 19/11/2022.
[66] - Cour de cassation, civile, 2e chambre civile 2, 27 octobre 2022, 20-22.290, Inédit, annonce : « L'intérêt d'une bonne administration de la justice justifie, en effet, que la Cour de cassation statue au fond. »
[67] - René Chapus, Droit du contentieux administratif, Montchrestien, 13e éd., 2008, nº1464, p.1319.
[68] - Art. 1015, al.2 du code de procédure civile dispose que : « Lorsque la Cour de cassation invite une personne à produire des observations d'ordre général sur les points qu'elle détermine en application de l'article L. 431-3-1 du code de l'organisation judiciaire, celle-ci peut faire des observations par écrit, qui sont alors communiquées aux parties, ou être entendue au cours d'une audience à laquelle les parties sont convoquées. Il est imparti à ces dernières un délai pour présenter leurs observations écrites. ».
[69] - Cécile Chainais et autres, op. cit., nº1832, p. 1354.
[70] - Emmanuel Piwnica, « Commentaire du décret n° 2017-396 du 24 mars 2017 portant diverses dispositions relatives à la Cour de cassation », Gaz. Pal. 2017, n°17, p. 54.
[71] - Jean-Jacques Barbiéri, Procédure civile, éd., Francis Lefebvre, 2015, n°27730, p. 509 & 524.
[72] - René Chapus, op. cit., p. 1320.
[73] - محكمة التمييز المدنية اللبنانية، الغرفة العاشرة، قرار رقم 19/2020، تاريخ 27/2/2020، المرجع كساندر، برنامج إيدرال الإلكتروني، والذي قضى بــــ: "... حيث انه عملاً بأحكام المادة 733 أ.م.م. معطوفة على المادة 734 أ.م.م. يقتضي نشر هذه الدعوى مجدداً امام هذا المرجع التمييزي وذلك بالنسبة لجميع المسائل التي تناولها الاستئناف وذلك بعد نقض القرار المطعون فيه برمته ..."
[74] - المادة 273 من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنصّ على: "تسري على قضايا الطعون أمام محكمة النقض القواعد والإجراءات الخاصة بنظام الجلسات كما تسري عليها القواعد الخاصة بالأحكام فيما لا يتعارض مع نصوص هذا الفصل."
[75] - Kévin Castanier, La portée de la procédure de jugement au fond dans la loi «Justice du XXIe siècle» : l’ambition revendiquée pour la Cour de cassation de ne plus seulement être juge de droit. Disponible sur : https://www.persee.fr, (consulté le 22/11/2022).
[76]- Art. 622 du Code de procédure civile dispose que : « Les arrêts rendus par la Cour de cassation ne sont pas susceptibles d'opposition »
[77]- المادة 272 من قانون المرافعات المدنية والتجارية تنصّ على : "لا يجوز الطعن في أحكام محكمة النقض بأي طريق من طرق الطعن."
[78] - Cécile Chainais et autres, op. cit., nº1831, p. 1353.
[79] - Emmanuel Piwnica, op. cit., Gaz. Pal. 2017, n°17, p. 56.
[80] - Art. L.452-1 du code de l’organisation judiciaire annonce que : « Le réexamen d'une décision civile définitive rendue en matière d'état des personnes peut être demandé au bénéfice de toute personne ayant été partie à l'instance et disposant d'un intérêt à le solliciter, lorsqu'il résulte d'un arrêt rendu par la Cour européenne des droits de l'homme que cette décision a été prononcée en violation de la convention européenne de sauvegarde des droits de l'homme et des libertés fondamentales ou de ses protocoles additionnels… »
[81] - Art. 462 du code de procédure civile dispose que : « … Si la décision rectifiée est passée en force de chose jugée, la décision rectificative ne peut être attaquée que par la voie du recours en cassation. »
[82] - Dalloz action, Op. cit., nº5666, p. 1067.
[83]- المادة 732 من قانون أصول المحاكمات المدنية تنصّ على : "مع مراعاة أحكام المادة 737 فقرة 3 والأحكام المتعلقة بمداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة العدليين، لا يجوز الطعن في القرارات الصادرة عن محكمة التمييز بأي طريق من طرق الطعن."
[84] - محمد فايز اسبر، المرجع السابق، ص 166.

