مقدّمة
تمثّل النزاعات المتعلّقة بالمناطق البحريّة المتنازع عليها اختلافات عن تلك الموجودة فوق البرّ، إذ تُعتبر المناطق البحريّة مفهومًا حديثًا (نسبيًّا) في القانون الدّولي. في حين أنّ مطالبة الدول بالبحر الإقليمي يمكن إرجاعها إلى الفترة الأولى من قانون البحار (القرنين 15 و16)، فإنّ معظم المناطق البحريّة –أي الجرف القارّي والمنطقة الاقتصاديّة الخالصة- تعود إلى النصف الثاني من القرن العشرين، بحيث نشأت عن عمليّة توسيع حقوق الدول الساحليّة التي دوّنت في مؤتمري الأمم المتحدة لعامي 1958 و1973-1982 لقانون البحار[1]. بالتالي، تمتدّ هذه المناطق على مساحات كانت تُعتبر في السابق جزءًا من أعالي البحار ومفتوحةً لجميع الدول، كما أنّ الحقوق الحصريّة التي يمكن أن تمارسها الدولة الساحليّة لا تُنسب إليها على أساس الاحتلال إنّما كنتيجةٍ لقرب المناطق المعتبرة من أراضيها، على أساس المبدأ الراسخ "الأرض تهيمن على البحر"[2]. في جميع نزاعات ترسيم الحدود البحريّة تقريبًا، يُطلب من الأطراف تعيين منطقة غير محددة سابقًا، حيث تتداخل مطالباتهم، وبما أنّ معظم الحدود البحريّة لا تزال قيد التسوية، يمكن القول بأنّ نزاعات الحدود البحريّة هي القاعدة في البحر.
يمكن التمييز بين نوعين من النزاعات تندرج تحت العنوان العام للنزاعات البحريّة. النوع الأوّل يتعلّق مباشرةً برسم الحدود بين المناطق البحريّة التي تطالب بها الدول المجاورة. في حين أنّه من الصحيح، كما أكّدت محكمة العدل الدوليّة، أنّ ترسيم الحدود "هي عمليّة تنطوي على تحديد حدود منطقة ما تتواجد بالفعل، من حيث المبدأ، تخصّ الدولة الساحليّة وليس تحديد هذه المنطقة من جديد"[3] وعلى الرّغم من مجموعة المبادئ والقواعد المتعلّقة بتحديد الحدود البحريّة، في الغالب من خلال قرارات المحاكم الدوليّة، هناك هامش تقدير (للقاضي أو للأطراف) فيما يتعلّق بخط الحدود النهائي، بالنظر إلى أنّه "نادرًا ما يكون هناك خط واحد منصف بشكلٍ فريد، إن وجد"[4] بحيث ترى المحكمة أنّ من "حقّها وواجبها ممارسة السلطة التقديريّة القضائيّة من أجل تحقيق نتيجةٍ منصفة"[5]. أمّا الفئة الثانية من النزاعات تتعلّق باستحقاق المناطق البحريّة. تُعتبر النزاعات المتعلّقة بحق الجزر، الجزر الصغيرة والصخور في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة والجرف القارّي، ذات أهميّة خاصّة في ضوء متطلّبات أحكام المادة 121 من اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار[6]، مصحوبةً أحيانًا بنزاع حول ملكيّة الجزيرة. في هذه الحالة، لا يتعلّق النزاع بالمدى الدقيق للمنطقة البحريّة التي تطالب بها دولة ما، بل يتعلّق بإمكانيّة المطالبة نفسها للمنطقة المعنيّة[7]. علاوة على ذلك، لا ينبغي المبالغة في الاختلاف بين النزاعات المتعلّقة بتحديد الحدود البحريّة والنزاعات المتعلّقة باستحقاق المناطق البحريّة، حيث يتم التعامل مع الاثنين في كثيرٍ من الأحيان معًا ضمن الحل الشامل النهائي[8].
بالنسبة إلى الحدود البحريّة اللبنانيّة، من أهم الخطوات التي اتخذها بشأن مسألة ترسيم حدوده البحريّة تحديد المناطق البحريّة والإعلان عنها بموجب القانون رقم 163/2011، لا سيّما المياه البحريّة التي تمارس عليها الدولة حقوقًا سياديّة بهدف استكشاف ثرواتها الطبيعيّة واستغلالها ألا وهي المنطقة الاقتصاديّة الخالصة بموجب المرسوم رقم 6433/2011، إضافةً إلى المرسوم رقم 42/2017 الذي قسّم بدوره المياه البحريّة اللبنانيّة إلى مناطق على شكل رُقع (Blocks)، سيّما الرقعة 8 جنوبًا آخذًا النقطة (23) أساسًا في ترسيم حدوده البحريّة الجنوبيّة والرّقعتين 1 و2 شمالًا آخذًا النقطة (7) أساسًا في ترسيم حدوده البحريّة الشماليّة. يواجه لبنان العديد من مشاكل ترسيم حدود مياهه البحريّة لمنطقته الاقتصاديّة الخالصة سيّما الجنوبيّة منها[9] علاوة على الشماليّة أيضًا[10]. علاوة على ذلك، في الحالة التي لا تستطيع الدول الحصول على المدى الأقصى لمنطقتها الاقتصاديّة الخالصة، تشير المادتين 74.1 و83.1 من اتفاقيّة قانون البحار إلى تحديد المنطقة الاقتصاديّة الخالصة والجرف القارّي على أساس أحكام القانون الدّولي كما أشير إليه وفق المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدوليّة[11] من أجل التوصّل لحلٍّ منصف، وإذا تعذّر الاتفاق يتم اللجوء إلى أساليب التسوية المنصوص عليها في الجزء الخامس عشر من الاتفاقيّة[12].
تأسيسًا على ما تقدّم، تتمثّل أهداف البحث موضوع الدراسة في تسليط الضوء على مسألة التزامات الدول إزاء المناطق البحريّة المتنازع عليها، وفقًا للممارسات الدوليّة، بحيث تستوضح مسألة الالتزام بعدم تعريض التوصّل إلى الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته، علاوة على الالتزام بالتفاوض على حلولٍ مؤقتة، إذ يشكّل هذان الالتزامان محتوى أحكام المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار، التي يمكن اعتبارهما انعكاسًا للقانون الدّولي العرفي. إضافةً إلى ذلك، سنتطرّق إلى تحليل مسألة ترتيب مسؤوليّة الدولة عن انتهاك المادتين المذكورتين، والنصوص القانونيّة التي يمكن اللجوء اليها من قبل الدولة المتضرّرة للمطالبة بحقّها المُنتَهك.
وعليه، تُطرح إشكاليّة الدراسة موضوع البحث حول آليّة التدابير الممكن اتخاذها في ضوء ترتيب مسؤوليّة الدولة عن انتهاك المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار.
أولًا: المناطق البحريّة المتنازع عليها: الإطار القانوني الدّولي
تحتوي اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار على قواعد أساسيّة تتناول على وجه التحديد حالات المناطق البحريّة المتنازع عليها: المادة 74 فقرتها 3 والمادة 83 فقرتها 3 من اتفاقيّة قانون البحار. هذه الأحكام المُصاغة بعبارات متطابقة، تعكس المبادئ العامّة لحسن النيّة والتسوية السلميّة للمنازعات وتحتوي على التزامين: الالتزام بمحاولة الدخول في ترتيبات مؤقتة ذات طابع عملي والالتزام بعدم تعريض التوصل إلى الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته. تُعتبر طبيعة هذه الالتزامات القانونيّة التزامات ببذل عناية وليست التزامات بتحقيق نتيجة، كما أنّها لا تعتمد على الشروع السابق في مفاوضات لتسوية الحدود البحريّة، على الرّغم من أنّها تتطلّب أن يكون هناك نزاع قائم[13]، وإلى حدٍّ ما، فإنّ الالتزام بمحاولة عدم عرقلة التسوية النهائيّة أو تعريضها للخطر يمكن أن يكون في بعض الحالات أوّليًّا فيما يتعلّق بمفاوضات ترسيم الحدود[14]. يمكن القول الشيء نفسه بالنسبة للترتيبات المؤقتة، التي يمكن أن تجمع الطرفين معًا، ممّا يسمح ببدء مفاوضات تهدف إلى الحلّ النهائي لنزاع ترسيم الحدود.
تجدر الإشارة إلى أنّه لا تحدّ المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار، بحكم القانون، صلاحيات كل دولة في منطقة متنازع عليها لا يزال يتعيّن ترسيم حدودها؛ هكذا تبقى هذه الصلاحيات هي تلك الممنوحة عمومًا للدولة الساحليّة بموجب أحكام اتفاقيّة قانون البحار ذات الصلة والقانون الدولي العرفي. مع ذلك، إنّ المادتين 74.3 و83.3 تفرضان شرطا مزدوجًا لممارسة هذه الحقوق في مجال المطالبات المتداخلة، شريطة أن تكون كل مطالبة معقولة. لذلك، إذا مارست دولة ساحليّة حقًّا ممنوحًا بموجب اتفاقيّة قانون البحار، دون الامتثال لتانك المادتين، فقد تتحمّل مسؤوليّة دوليّة.
وفقًا لعبارتهما الأوليّة، تُطبَّق المادتين 74.3 و83.3 في انتظار التوصّل إلى اتفاقٍ لتحديد المنطقة الاقتصاديّة الخالصة والجرف القارّي، على التوالي، بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتلاصقة. كما تنطبقان في جميع الحالات التي لم تقم بها الدول المتقابلة أو المتلاصقة بتحديد حدودهما البحريّة بعد، بما في ذلك الحالات التي تختلف فيها الدول فيما يتعلّق بتأهيل المعالم وحقها في منطقة بحريّة –كاملة أو جزئيّة- والحالات التي يوجد فيها نزاع على جزء من الأراضي البريّة التي من شأنها أن تولّد مناطق بحريّة[15].
- الالتزام ببذل الدول المعنيّة قصارى جهودها للدخول بترتيبات مؤقتة ذات طابع عملي
الالتزام الأوّل الوارد في المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار هو التزام ايجابي: يجب على الدول المعنيّة في نزاعٍ يتعلّق بتحديد الحدود البحريّة أن تسعى للدخول في ترتيبات مؤقتة لمعالجة حالة المطالبات المتزاحمة. يفرض هذا الأمر على الأطراف التفاوض بحسن نيّة؛ وفقًا لقرار قضيّة “Guyana/Suriname”، يشير النص إلى "نيّة واضعي الصياغة مطالبة الأطراف باتباع نهجٍ تصالحي في المفاوضات، يكونوا بموجبه مستعدين لتقديم تنازلات سعيًا وراء ترتيبٍ مؤقت"[16].
على هذا النحو، إنّ نصّ المادتين لا يفرض على الأطراف التزامًا بالدخول في أي اتفاق أو تبنّي أي حلّ محدّد، أو أي حلّ على الإطلاق، لكنّه يتطلّب من الأطراف القيام ببعض الإجراءات وليس مجرّد تقاعس سلبي. وفقًا لهيئة التحكيم في قضيّة “Guyana/Suriname”، قد تشمل السلوكيات التي يمكن أن تتعارض مع التزام المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار رفض إرسال وفد أو ممثل إلى الاجتماعات المتفق عليها، عدم الرّد على اقتراحٍ من الدولة الأخرى[17] وعدم إبلاغ الأخيرة بالإجراءات المقترحة في المنطقة المتنازع عليها[18]. أشارت هيئة التحكيم أيضًا إلى بعض السلوكيات النشطة التي يمكن أن تفي بمتطلبات المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار: المحاولة الحثيثة لجلب الطرف الآخر إلى طاولة المفاوضات؛ قبول دعوة الطرف الآخر للتفاوض[19]؛ إعطاء الطرف الآخر إشعار رسمي ومفصّل بالأنشطة المقترحة؛ السعي لتعاون الطرف الآخر في القيام بالأنشطة المقترحة؛ عرض نتائج أي استكشاف تمّ إجراؤه في المنطقة المتنازع عليها؛ عرض مشاركة جميع الفوائد المالية المتأتية من الأنشطة الاستكشافية في المنطقة المتنازع عليها[20].
قائمة الأنشطة التي قدّمتها هيئة التحكيم ليست شاملة ولكنها تبدو معقولة بشكلٍ عام، مع الأنشطة التي يمكن تقسيمها إلى فئتين؛ تلك التي يتعيّن القيام بها، من أجل الامتثال لمتطلّبات المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار، وتلك التي، وإن لم تكن ضروريّة، فهي تتّفق بالتأكيد مع الالتزامات المنصوص عليها في الأحكام المذكورة أعلاه. يُلزم واجب التفاوض الدولة بالسعي بنشاط إلى إجراء مفاوضات، مع الطرف الآخر، أو على الأقل قبول دعوة الطرف الآخر لمناقشة القضايا. هذا القبول، مع ذلك، قد يكون مشروطًا بوقف الطرف الآخر لأي سلوك غير قانوني يشارك فيه، كما أقرّت هيئة التحكيم[21]. يبدو أنّ الجزء الأخير من القائمة، بما في ذلك مشاركة المعلومات والإيرادات، مجرّد صياغة تحذيريّة لا تتضمّن أي التزام قانوني[22]. في الحالة التي يتم فيها إجهاد العلاقة بين الطرفين، أو في حالة قيام أحد الطرفين بتقديم مطالبات مفرطة، يبدو أنّه سيكون من المبالغة الاعتراف بأنّ الدولة المتورّطة في نزاعٍ على الحدود البحريّة يجب أن تشارك المعلومات أو الإيرادات مع الطرف الآخر. ينشأ نفس الارتباك عند النظر في واجب إعطاء الطرف الآخر إشعارًا رسميًّا ومُفصّلًا بالأنشطة المقترحة. فإذا كانت هذه الأنشطة تتكوّن من أفعال تنتهك التزام عدم عرقلة الحلّ النهائي أو تعريضه للخطر، فإنّها تشكّل انتهاكًا للالتزام "الآخر" من المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
تبيّن ممارسات الدول أنّ الترتيبات المؤقتة قد تتخذ شكل اتفاقاتٍ رسميّة أو قد تتكوّن في طريقة مؤقتة غير رسميّة. قد يؤيّد الصكّ، سواء أكان رسميًّا أو غير رسمي، حلولًا مختلفة، مثل مناطق التطوير المشترك[23]، حدود مؤقتة موضوعة إمّا بموجب معاهدة[24] أو طريقة مؤقتة غير رسميّة[25]، إنشاء لجان أو برامج مشتركة[26]، تقاسم المنافع[27] أو غيرها من الإجراءات المؤقتة. على الرّغم من اعتبار الترتيبات المؤقتة في الغالب وسيلة للبحث من أجل استغلال الموارد في منطقة متنازع عليها ريثما يتمّ ترسيم الحدود البحريّة[28]، إلّا أنّها قد تأخذ شكل ضبط النفس المتبادل المتفق عليه بشأن القيام بأنشطة الاستغلال في منطقة متنازع عليها. يمكن حتى اتخاذ تدابير مؤقتة من قبل القاضي بناءً على طلب أحد طرفي النزاع أو كليهما، لا سيّما في ضوء المادة 290 من اتفاقيّة قانون البحار[29]. في جميع الحالات، لا تؤثر الترتيبات المؤقتة بأي حال من الأحوال على التسوية النهائيّة للنزاع، على النحو المنصوص عليه في العبارة الأخيرة من المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
ختامًا لهذه الفقرة، يتمثّل بذل الدول المعنيّة للدخول بترتيبات مؤقتة في التزام قانونيّ بالمحاولة الفعّالة من أجل الدخول في مفاوضات لمعالجة القضايا الطارئة في انتظار التسوية النهائيّة لنزاع ترسيم الحدود. وهي لا تعني بأي حالٍ من الأحوال واجب إبرام اتفاق[30]، على الرّغم من أنّ إبرام الاتفاقات المؤقتة ستؤدي بالتأكيد إلى الامتثال لهذا البند. تشكّل القائمة غير الشاملة للأنشطة التي قدمتها قضيّة “Guyana/Suriname” إرشادات مفيدة في تقييم سلوك الدول. مع ذلك، ينبغي أن يتم تقييم سلوك الدولة على أساس كل حالة على حدة، مع مراعاة جميع عناصر القضيّة وتقييم كلّ عمل أو امتناع عن عمل من قبل الدولة في إطار سلوكها العام منذ بداية النزاع.
- الالتزام بعدم تعريض التوصل إلى الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته
الالتزام الثاني الذي يُستنتج عادةً من نصّ المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار هو التزام سلبي: يجب على الدول المعنيّة في نزاعٍ يتعلّق بتحديد الحدود البحريّة الامتناع عن التصرّف بطريقةٍ من شأنها أن تحكم مسبقًا على التسوية النهائيّة للنزاع. تنبع الصعوبة الأساسيّة في تفسير هذا النص وتطبيقه من الحاجة إلى تحقيق التوازن الصحيح بين اعتبارين مختلفين ومعاكسين: فمن ناحية، هناك حاجة لتجنّب أي إجراء أحادي الجانب، قدر الإمكان، من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم النزاع ويمكن أن يؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين[31]؛ من ناحية أخرى، هناك حاجة إلى عدم شلّ جميع الأنشطة الأحاديّة الجانب ريثما تتم التسوية النهائيّة للحدود البحريّة.
وفقًا لهيئة التحكيم في قضيّة “Guyana/Suriname”، يمكن تحقيق هذا التوازن من خلال التمييز، على الأقل في مجال التنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها، بين الأنشطة التي تسبّب تغيّرًا ماديًّا في البيئة البحريّة وتلك التي لا تسبّب ذلك. فبالنسبة إلى الأنشطة المسموح القيام بها في المياه المتنازع عليها تتألّف من فئتين: الأولى تشمل الأنشطة التي يضطّلع بها الطرفان وفقًا لترتيبات مؤقتة ذات طبيعة عمليّة، أما الثانية تتألّف من أفعال، وإن كانت أحادية الجانب، إلّا أنّها لن تؤدي إلى تعريض التوصّل إلى الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته[32]. بالتالي، رأت المحكمة أنّ الأنشطة الأحاديّة الجانب ذات "الطابع العابر" (Transitory Character) (كمنح امتيازات البترول والمسوحات الزلزاليّة) التي لا تسبّب تغييرًا ماديًّا (Physical change) دائمًا في البيئة البحريّة تندرج عمومًا في الفئة الثانية[33]. أمّا الأنشطة غير المسموح القيام بها هي تلك التي تؤدي إلى تغيير مادّي دائم في البيئة البحريّة (وليست ذات طابع عابر مؤقت) كأنشطة الحفر (أيًّا كان نوعه، استكشافي أو أثناء مرحلة تطويره) أو استغلال موارد النفط والغاز[34]. هذا التحليل، الذي يبدو أنّه يستند في الغالب إلى أمر محكمة العدل الدوليّة الذي رفض اتخاذ تدابير مؤقتة في قضيّة الجرف القارّي لبحر "إيجه" بين تركيا واليونان[35]، جدير بالملاحظة لأنّه يحاول تقديم معايير موضوعيّة لتقييم الامتثال للالتزام بالمادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار بشأن الأنشطة الأحاديّة الجانب في المنطقة المتنازع عليها. بَيْدَ أنّ الاستنتاج الذي توصلت إليه المحكمة لا يأخذ بعين الاعتبار على النحو الواجب حقيقة أنّه، لا سيّما في المواقف المتوتّرة، يمكن أن يؤدي كلّ نشاط إلى ردّ قوي من قبل الطرف الآخر، بحيث يمكن أن تعتبر الدولة الأخرى أنّ استكشاف الموارد من قبل دولة مجاورة يعرّض النزاع للخطر، خاصّة إذا تمّ ذلك دون أي إخطار سابق من قبل الدولة المجاورة[36]. أمّا فيما يتعلّق بالموارد المتجدّدة، مثل الموارد الحيّة، فلم يتم التعامل معها من قبل قضاة دوليين. في الحالة الأخيرة، من السهل التأكيد على أنّ أنشطة الاستكشاف والاستغلال للموارد المتجدّدة لا تسبّب أي ضرر دائم ويمكن أن يقوم بها كِلا الطرفين، وإن كان بشكلٍ منفصل، في المنطقة نفسها[37]. غير أنّ الافتقار إلى التنسيق في استغلال الموارد المتجدّدة يمكن أن يتعارض مع ضرورة الحفاظ على الموارد المتجدّدة، على النحو المنصوص عليه في المادة 61 من اتفاقيّة قانون البحار.
في المقام الثاني، اعتبرت المحكمة أنّ "التهديد باستعمال القوّة" من جانب دولة "سورينام" لمنصّة البترول البحريّة “CGX” ينتهك أيضًا التزامها بعدم إعاقة أو تعريض التوصل إلى الاتفاق النهائي للخطر[38]. من الواضح أنّ التهديد باستعمال القوّة لحلّ النزاع، ناهيك عن استخدامها الفعلي، لا ينتهك فقط القواعد الأساسيّة للقانون الدولي كالمادة 2.4 من ميثاق الأمم المتحدة[39]، ولكن من المقرّر أن تعرّض التسوية النهائيّة للخطر أو ربّما تعرقلها. مع ذلك، كان من الممكن تحسين منطق المحكمة بشكلٍ أكبر من خلال التمييز بين استعمال القوّة ضدّ دولة أخرى واستخدام القوّة المحدودة في سياق أنشطة إنفاذ القانون ضدّ الجهات الفاعلة الخاصّة، لا سيّما في حالة الضرورة الملحّة لمنع انتهاك حقوق الدولة[40]. الخيارات التي حددتها المحكمة، التي تشمل المفاوضات ورفع القضيّة إلى هيئة تحكيم وطلب تدابير مؤقتة، تبدو مناسبة خلال فترة التخطيط، قبل بدء أي نشاط أحادي الجانب. مع ذلك، يمكن للمرء أن يلقي بعض الشكوك حول مدى كفايته بعد بدء الأنشطة وأثناء حدوثها. يبدو أنّ منع دولة ما من إنفاذ تشريعاتها ضدّ شركة تقوم بأعمال حفر استكشافيّة في الجرف القارّي دون ترخيص من جانبها يأخذ في الحسبان مصلحة الأطراف الثالثة ولا يأخذ بالقدر الكافي مصالح الدولة الساحليّة[41]. بالتالي، فقط عندما تستخدم أنشطة الإنفاذ بالقوّة بما يتجاوز المقدار المحدود المسموح به بموجب القانون الدولي، تكون الدولة الساحليّة قد انتهكت القواعد المتعلّقة باستخدام القوّة ويمكن اعتبار أفعالها انتهاكًا للالتزام بعدم إعاقة التسوية النهائيّة أو تعريضها للخطر.
على أيّ حال، يجب اعتبار انفاذ التشريعات الوطنيّة ضدّ السفن أو تلك المرخّص لهم من الدولة الأخرى في المناطق البحريّة المتنازع عليها كخيارٍ أخير، وأن تمارسه الدولة بطريقةٍ حذرة للغاية تتقيّد بشدّة أحكام القانون الدولي، وتنفيذه فقط في الحالات الطارئة وبعد سعيها لحماية حقوقها بوسائل أخرى. باختصار، قد تتحمّل الدولة المسؤوليّة الدوليّة عن انتهاك الالتزامات بموجب المادتين 74.3 و83.3، ليس بسبب اتخاذ إجراءات الإنفاذ في حالة الطوارئ، لكن بدلًا من ذلك لأنها لم تعالج الوضع من قبل، عندما يكون من الممكن اتخاذ إجراءات أقلّ لحماية حقوقها، بالتالي لأنها ساهمت في الوصول إلى النقطة التي كانت فيها الإمكانيّة الوحيدة لحماية حقوقها لتطبيق تشريعاتها بالقوّة[42]. من ناحية أخرى، إذا حاولت دولة ما، بحسن نيّة، معالجة الموقف في وقتٍ سابق بوسائلٍ أخرى، وعلى الرّغم من أنّ هذا العمل ملزم باتخاذ إجراء تنفيذي، فقد لا تكون مسؤولة عن خرق المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
يعتمد مدى القيد الذي يفرضه الالتزام بعدم إعاقة التوصل إلى اتفاقٍ نهائي أو تعريضه للخطر على نشاطٍ له تأثير يعيق أو يهدّد الإنجاز الناجح للترسيم النهائي. مع ذلك، يختلف العمل الأحادي الجانب الذي يعيق أو يعرّض للخطر باختلاف الظروف المحدّدة للقضيّة[43]. لذلك، هناك متغيّر في اللعبة: قد يكون للنشاط الأحادي الجانب تأثير يعيق أو يعرّض التوصل إلى اتفاقيّة ترسيم الحدود بين الدول المعنيّة للخطر ولكن قد لا يكون له نفس التأثير بين الدول الأخرى. من ثمّ، فإنّ تصنيف الأنشطة التي يقع عليها الالتزام بعدم عرقلة أو تعريض الاتفاق النهائي للخطر لا يمكن تعريفه بشكلٍ مجرّد: ستكون خصوصيات المنطقة البحريّة المتنازع عليها حاسمة في هذا الصدد. وهذا ما رجّحه القاضي “Paik” في رأيه المنفصل في قضيّة غانا وساحل العاج بمعارضته تحديد فئات محدّدة/مغلقة للأنشطة "القانونيّة" و"غير القانونيّة" في مناطق الجرف القارّي المتنازع عليها، كما أشار إلى أنّ التغاضي عن الأنشطة الأحاديّة بهذا الحجم في ظروف هذه القضيّة من شأنه بالتأكيد إرسال رسالة خاطئة إلى الدول التي تفكّر في تحرّكها التالي في منطقة بحريّة متنازع عليها في مكانٍ آخر[44].
ثانيًا: تداعيات خرق الفقرة 3 من المادتين 74 و83 من اتفاقيّة قانون البحار
ستكون التداعيات الأولى لانتهاك المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار الالتزام بوقف السلوك غير القانوني وتقديم التأكيدات والضمانات المناسبة لعدم التكرار[45]. هذا الالتزام مهم بشكلٍ خاص لأنّه في حالة المناطق المتنازع عليها يمكن أن تكون الدول عرضة لانتهاكات عديدة للالتزامات المنصوص عليها في المادتين المذكورتين. يبقى الطرفان أيضًا في ظلّ التزام مستمر للامتثال لمتطلّبات هذه الأحكام؛ لذلك لا يجوز للدولة الانسحاب بشكلٍ دائم من المفاوضات على الرّغم من أنّها قد تشكّل شرطًا لمواصلة امتثال الدول الأخرى لالتزاماتها ووقف السلوك غير القانوني. هذه الالتزامات قابلة للتطبيق على الأطراف طالما لم يتم تسوية النزاع، إمّا عن طريق الاتفاق أو بقرارٍ ملزم[46].
تبرز قضيّة معقدّة حيّز الوجود عندما يتعلّق الأمر باللجوء إلى التدابير المضادّة من أجل حثّ الدولة الأخرى على الامتثال بأحكام المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار. التدابير المضادّة مسموح بها بشكلٍ عام ما دامت متناسبة[47] ولا تنتهك الالتزامات المنصوص عليها في القواعد الآمرة للقانون الدولي، بما في ذلك الالتزام بالامتناع عن التهديد باستعمال القوّة أو استخدامها[48]. لذلك، يُصرّح للدولة بعدم الامتثال لالتزاماتها بموجب المادتين 74.3 و83.3 كتدبيرٍ مضاد، ولكن فقط في حالة عدم امتثال الدولة الأخرى[49]. يمكن اعتماد التدابير المضادّة أيضًا دون اللجوء مسبقًا إلى آلية تسوية المنازعات التابعة لاتفاقيّة قانون البحار، حيث أنّ اللجوء السابق إلى "جميع إجراءات التسوية الوديّة" قبل اتخاذ التدابير المضادّة قد استبعدته صراحة لجنة القانون الدّولي أثناء مناقشة مسؤوليّة الدولة[50]. من ناحية أخرى، مجرّد تعيين آليّة تسوية المنازعات للعمل بها، تُمنع الدول من اتخاذ تدابير مضادّة وفقًا للمادة 22 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤوليّة الدولة[51].
قد تتكوّن التدابير المضادّة بالتأكيد من سلوكيات سلبيّة مثل الانسحاب من المفاوضات وتعليق الترتيبات المؤقتة المشتركة[52]. بَيْدَ أنّه هل يمكن أن تتكوّن هذه التدابير أيضًا من سلوك إيجابي؟ في المقام الأوّل، قد يكون الأمر قابلًا للنقاش إزاء مدى امكانيّة الدولة بمنح حقوق الاستغلال في منطقة متنازع عليها كتدبير مضاد. في الواقع، قد تتمثّل أنشطة الاستغلال في انتهاك خطير للالتزامات المنصوص عليها في المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار وقد تضرّ باستئناف أداء الالتزامات[53]. على الرّغم من أنّ الدولة قد تجادل في ظلّ ظروف معيّنة بأنّ الاستغلال يمكن اعتباره تدبيرًا مضادًّا مشروعًا ومتناسبًا، إلّا أنّه ينبغي تجنّب هذه الأنشطة بشكلٍ عام لأنّها يمكن أن تكون غير متناسبة بشكلٍ كبير، وقد تؤدّي إلى تصعيد النزاع بين الدولتين بشكلٍ خطير. في المقام الثاني، اقترح بعض الأكاديميين المعلّقين أنّ أنشطة إنفاذ القانون يمكن اعتبارها تدبيرًا مضادًّا مشروعًا ضدّ انتهاكات قواعد القانون الدّولي[54]. مع ذلك، في حالة المناطق البحريّة المتنازع عليها، من الصعب جدًّا اعتبار أنشطة إنفاذ القانون بمثابة تدابير مضادّة، لأنها في معظم الحالات مسموح بها ولن تشكّل بالتالي انتهاكًا لقواعد القانون الدولي[55]. من ناحية أخرى، إذا تمّ إجراؤها باستخدام قوّة أكثر ممّا هو مشروع، أو تمّ تنفيذها دون الاحترام الواجب لحقوق الانسان، أو إذا اشتملت على أعمال انتقاميّة تتعارض مع المبادئ الإنسانيّة، فلن يتم قبولها بأي حال من الأحوال[56].
فيما يتعلّق بالتدبير القضائي الذي قد تطلبه دولة ما، كرّر حكم “Guyana/Suriname” التأكيد على ممارسة محكمة العدل الدوليّة المذكورة فيما يتعلّق بالنزاعات فوق البرّ في اعتبار أنّ التعويض عن انتهاكات القواعد ذات الصلة –بما في ذلك جبر الضرر باعتباره نتيجة لخرق المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار- تمّت معالجتها بشكلٍ كافٍ من خلال الانتصاف التفسيري[57] (Declaratory Relief) للمحكمة[58]. يُعتقد أنّ التعويض المُستحق عن انتهاك المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار عادةً ما يتخذ شكل الانتصاف التفسيري[59]، مصحوبًا في النهاية، عندما لا يكون للقاضي اختصاص تحديد الحدود بين الطرفين، بالبيان الذي يتعيّن فيه على الأطراف الامتثال لهذا الالتزام. في الحالات التي يؤدي فيها سلوك أحد الطرفين إلى خسارة اقتصاديّة للطرف الآخر، قد يكون من الممكن المطالبة أيضًا بالتعويض[60]. غير أنّه في الحالة الأخيرة، قد تفقد الدولة الحق في الحصول على تعويض بسبب مساهمتها في الضرر، أو بدلًا من ذلك قد لا تحصل الدولة على تعويض أو قد تفضّل عدم طلب ذلك بسبب طلبات مماثلة تقدمها الدولة الأخرى. ففي قضيّة “Guyana/Suriname”، طلبت "غيانا" في الأصل من الهيئة المحكّمة أن تعلن بأنّ "سورينام ملزمة بتقديم تعويض بشكلٍ وبمقدار يتم تحديده"[61]، بينما ارتأت الأخيرة في تقريرها النهائي عدم تقديم أي مطالبات بشأن التعويض بسبب خرق المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار حيث طالبت بدلًا من ذلك بالانتصاف التفسيري[62].
ثالثًا: "واقعة" الحدود البحريّة اللبنانيّة: انتهاكات ودروسٌ مُستفادة
أعلنت شركة “ENERGEAN” بأنّ وحدة التفريغ، التخزين والإنتاج العائمة “Energean Power FPSO” (سفينة البترول البحريّة) قد أبحرت بعيدًا عن شواطئ سنغافورة نحو وجهتها المؤكّدة ألا وهي حقل “Karish” الإسرائيلي[63] الذي يقع الجزء الشمالي منه ضمن المنطقة المتنازع عليها[64] (وفق ما بيّنتها الخرائط الجغرافيّة لخط (29))، كما أعلنت الشركة بأنّها على المسار الصحيح وفق ما هو مخطّط له وسوف يتم إنتاج أوّل متر مكعّب من الغاز من مشروع “Karish” في الربع الثالث من سنة 2022[65]. تستدعي هذه الوقائع الخطيرة سؤال رئيسي يتعلّق باستمرار أنشطة المسوحات الزلزاليّة وحفر الآبار البتروليّة من قبل اسرائيل في المنطقة البحريّة المتنازع عليها بينما النزاع بانتظار التسوية النهائيّة لترسيم الحدود عبر المفاوضات غير المباشرة. في ضوء التزامات الدول القانونيّة المجاورة بموجب أحكام اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار[66]، يجد لبنان نفسه أمام سيناريو مزدوج يتعلّق بالأنشطة البتروليّة البحريّة الأحاديّة، يتعلّق الأوّل حول مدى انتهاك إسرائيل[67] لسيادة لبنان فوق بحره الإقليمي وحقوقه السياديّة وولايته القضائيّة في المنطقة الاقتصاديّة والجرف القارّي[68]، أمّا الثاني فيتعلّق بانتهاك اسرائيل والجمهوريّة العربيّة السوريّة (المحتمل) لأحكام المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
- السيناريو الأوّل:
أشارت قضيّتي "المحيط الهندي (صوماليا/كينيا)" و"المحيط الأطلسي (غانا/ساحل العاج)" على أنّه "عندما تتداخل الادعاءات البحريّة للدول، فإنّ الأنشطة البحريّة التي تقوم بها دولة في منطقة تُنسب لاحقًا إلى دولةٍ أخرى بموجب قرار قضائي لا يمكن اعتبارها انتهاكًا للحقوق السياديّة لهذه الأخيرة إذا تمّ تنفيذ تلك الأنشطة قبل إصدار القرار وإذا كانت المنطقة المعنيّة موضوع مطالبات قدمتها الدولتان بحسن نيّة"[69].
يتحفّظ الباحث بدايةً على عبارة "لا يمكن اعتبارها انتهاكًا [...] إذا تمّ تنفيذ الأنشطة قبل إصدار القرار"، التي يمكن لإسرائيل التمسّك بها، حيث أيّدت المحكمة هنا الرأي القائل: بأنّ لترسيم الحدود وظيقة تأسيسيّة؛ فهو عمل يولّد حقوقًا سياديّة[70]. بالمقابل، هذا الأمر يقلب رأسًا على عقب البديهيّة الأساسيّة التي بموجبها تتمتّع الدول بحقوق متأصّلة على الجرف القارّي. هذا ما أكّدته قضيّة الجرف القارّي الشمالي[71] لعام 1969، حيث أشارت المحكمة إلى أنّ حقوق الدولة الساحليّة فيما يتعلّق بمنطقة الجرف القارّي التي تشكّل امتدادًا طبيعيًّا لأراضيها البريّة داخل البحر وتحته، قائمة بحكم الواقع وبحكم البداية (ipso facto and ab initio) من خلال مقتضى سيادتها على البرّ، وامتدادًا لها في ممارسة حقوقها السياديّة بهدف استكشاف البحر واستغلال موارده الطبيعيّة. علاوة على ذلك، أشارت اتفاقيّة جنيف بشأن الجرف القارّي[72] لعام 1958 المُصادق عليها من قبل اسرائيل نفسها، بأنّ الحقوق السياديّة على الجرف القارّي بغرض استكشافها واستغلال مواردها الطبيعيّة الحصريّة، لا تتوقّف على احتلالٍ، فعلي أو حكمي، أو على أي إعلانٍ صريح[73]، وهذا ما أشارت إليه صراحة إتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار[74]. إضافةً إلى ذلك، قدّم القاضي “Oda” رأيه المخالف لقضيّة تونس/الجمهوريّة العربيّة الليبيّة[75]، حيث أعرب عن أنّ منطقة قاع البحر لا يُقصد بتقسيمها مثل الإقطاعيات، إذ أنّ وظيفة تحديد حدود الجرف القاري تتمثّل فقط في تمييز وإلقاء الضوء على خطٍّ وجوده محتمل بالفعل[76].
أمّا بالنسبة إلى عبارة "[...] المنطقة المعنيّة موضوع مطالبات قدمتها الدولتان بحسن نيّة"[77]، فمن الجليّ لنا من أنّ الأنشطة الاسرائيليّة (عمليات التنقيب عبر تلزيم شركة “Energean” وغيرها لحفر وتطوير آبار بتروليّة وإنتاج النفط والغاز من شمال حقل “Karish” المتنازع عليه أثناء المفاوضات غير المباشرة) التي تغطي كامل المنطقة المتنازع عليها، في ضوء أحكام الالتزام الإيجابي المتمثّل ببذل الدول قصارى جهودها للدخول بترتيبات مؤقتة ذات طابع عملي تحت عنوان عام "بروح من التعاون والتفاهم"، قد انتُهك بسبب عدم توقّف تلك الأنشطة (على الرّغم من الرسالتين المتطابقتين المؤرّختين 28/1/2022 الموجّهتين إلى الأمين العام ورئيسة مجلس الأمن الذي يدعو بموجبهما إلى الامتناع عن أي نشاط في المناطق البحريّة المتنازع عليها (الممتدّة بين الخط (1) والخط (29))، وهذه دلالة على سوء نيّة الطرف الإسرائيلي في التعامل مع ملف ترسيم الحدود البحريّة. بمعنى آخر، على الرّغم من أنّ الطرف الاسرائيلي قد شكّل وفودًا مفاوضة، بَيْدَ أنّه من ناحية أخرى لم يوقف أي عمليات تنقيب في المنطقة المتنازع عليها (حفر بئر استكشافي في حقل “Karish North” وإبرام اتفاقيّة شراء وبيع الغاز مع شركة “Energean” أُعلن عنها في 3/5/2022)، وهذا ما يشكّل خرقًا لسلوك ضبط النفس خاصّة لدى حالة الحساسيّة بين الطرفين وما يشكّلانه من عداء لبعضهما البعض.
- السيناريو الثاني
يتعلّق السيناريو الآخر بانتهاك إسرائيل و/أو الجمهوريّة العربيّة السوريّة (المحتمل) لأحكام المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار. أشارت تانك المادتين إلى التزام الدول المعنيّة ببذل قصارى جهودها للدخول بترتيبات مؤقتة ذات طابع عملي وعلى ألّا يتم تعريض التوصّل إلى الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته. كما أوردنا سابقًا، إنّ الإرشادات المُقدّمة من السوابق القضائيّة، علاوة على المعايير الموضوعيّة التي وُضعت بشأن الأنشطة ذات الطابع العابر المؤقت غير المؤدية إلى تغييرٍ مادّي دائم للبيئة البحريّة، مفيدةً في تقييم سلوك الدول على أساس دراسة كل حالة على حدة. بَيّدَ أنّه مع الأخذ بعين الاعتبار حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، ستكون تلك المعايير (السلوكيّة والموضوعيّة) متذبذبة إلى حدٍّ ما. بمعنى إنّ أي نشاط من أنشطة الحفر سيكون لديه تداعياته من الجانب اللبناني، حيث يمكنه الارتقاء إلى إمكانية استخدام القوّة للدفاع عن ثروات الدولة، وهذا الأمر (كما بينّاه أعلاه) هو ضمن المنطقة الرماديّة للاجتهاد الدولي، بالتالي يبرز التساؤل حول مدى إمكانيّة لجوء لبنان إلى منطق القوّة لتطبيق تشريعاته السياديّة؟ أم أنّه لا زال لديه وسائل أخرى (سياسيّة و/أو دبلوماسيّة) باستطاعته استعمالها للحفاظ على حقوقه السياديّة المثبتة (قانونيًّا وجغرافيًّا)؟
من القضايا الناشئة في ممارسات الدول والتقاضي الدولي مدى امكانيّة إعمال أنشطة إنفاذ القانون في المنطقة المتنازع عليها. تجدر الإشارة مبدئيًّا، إلى أنّه يجب على الدولة الامتناع عن استخدام القوّة لتأكيد حقوقها في منطقة بحريّة متنازع عليها أو لإجبار الدولة المجاورة على تسوية الحدود البحريّة. على عكس الوضع الواقعي للبرّ، إنّ المناطق البحريّة لا يمكن احتلالها بشكلٍ دائم (فهو احتمال بعيد المنال)، علاوة على الملاحة المفتوحة لسفن جميع الدول، بما في ذلك أطراف النزاع. لذلك، فمن الممكن ماديًّا لكِلا طرفي النزاع تطبيق تشريعاتهم فيه واتخاذ الخطوات اللازمة لإنفاذه[78]. بالتالي، إنّ حالات إنفاذ القانون في المنطقة البحريّة المتنازع عليها تكون أكثر تكرارًا منها في البرّ. يكفي اعتبار أنّه في جميع الحالات المتعلّقة (تقريبًا) بتحديد الحدود البحريّة، تمّ ذكر حالات إنفاذ القانون في المناطق المتنازع عليها التي تمّ القيام بها من قبل طرفي النزاع[79].
بشكلٍ عام، فإنّ الاستخدام المحدود للقوّة الذي قد يكون ضروريًّا من أجل تطبيق تشريعات الدولة الساحليّة في منطقة بحريّة تطالب بها يختلف من الناحية المفاهيميّة عن استخدام القوّة في العلاقات الدوليّة التي تحظرها المادة 2.4 من ميثاق الأمم المتحدة. يتمثّل استخدام القوّة عند تطبيق تشريعات الدولة الساحليّة في ردع التصرّفات التي لا تمتثل لها والمعاقبة عليها. قد تكون بعض المعايير، كالهدف الوظيفي للنشاط البحري المُتّخذ، حالة السفينة المعرّضة وموقع الحادث، مفيدةً في التمييز بين الإنفاذ القانوني والاستخدام غير القانوني للقوّة. من الناحية العمليّة، من الصعب التمييز بين هاتين الحالتين، حيث أنّه في حالة المناطق البحريّة المتنازع عليها، يمكن إنفاذ التشريعات الوطنيّة كذريعة لاتخاذ إجراءات استعراض "حقيقي" للقوّة ضدّ السفن ومواطني الدولة الأخرى، في محاولة لتعزيز المطالبة بالمنطقة البحريّة. كما بيّنا سابقًا، في قضيّة “Guyana/Suriname”، اعتبرت هيئة التحكيم بأنّ الإجراء المُتّخذ من قبل دولة "سورينام" ضدّ منصّة البترول البحريّة “CGX” عبارة عن تهديد غير قانوني باستخدام القوّة، وليس نشاطًا لإنفاذ القانون[80]. بَيْدَ أنّ حالة العداء بين لبنان واسرائيل تشكّل حالة استثنائيّة، وهذا ما يزيد مسألة استخدام القوّة المحدودة تعقيدًا "كملاذ أخير" من أجل فرض سيادة الدولة اللبنانيّة على ترسيم الحدود البحريّة.
خاتمة
في ختام هذه الدراسة لممارسات الدول وقواعد القانون الدولي –الأولى متماسكة بشكلٍ متزايد في الضغط من أجل اتخاذ إجراءات في المناطق المتنازع عليها خاصّة عند استغلال الموارد والعمليات الأمنيّة، والأخيرة تسعى إلى اللحاق بهذا الاتجاه وتنظيم "متى" و"كيف" إدارة هذه الأنشطة- بعض الاعتبارات تبدو مناسبة.
أوّلًا، الطريقة التي تعاملت بها المحكمة مع عدّة مسائل تثير المخاوف بشأن تماسك واستقرار اجتهاداتها القضائيّة، من خلال تبنّي الرأي القائل بأنّ لترسيم الحدود طبيعة تأسيسيّة. تنحرف هذه النقطة عن ثبات الاجتهاد القضائي للمحكمة وتؤدي لمزيدٍ من الغموض. كما أنّه بعد حظر استخدام القوّة كوسيلة لتسوية النزاعات (بحسب الاجتهادات الدوليّة المذكورة آنفًا)، سيكون من غير المتّسق حقًّا السماح –أو عدم المعاقبة- باستخدام القوّة من أجل (إعادة) السيطرة على المناطق البحريّة، بغض النظر عن الأساس من المطالبة.
ثانيًا، هناك حاجة إلى تحقيق توازن بين تلك الأنشطة المسموح بها كوسيلة لتعزيز مطالبة الدولة بمنطقة بحريّة معيّنة وتلك المحظورة لأنها ستعرقل التسوية النهائيّة أو تعرّضها للخطر من خلال تقديم –أو تصوّر أنّها تقدّم- ميزة لأحد الأطراف بالتالي الحكم مسبقًا على موقف الطرف الآخر. في هذا الصدد، لا يمكن المبالغة في التأكيد على أهميّة المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار: قد يكون دورهما كمبادئ توجيهيّة وقابليّة تطبيقهما المستعرضة مفيدًا للغاية في تحديد قضايا مسؤوليّة الدولة. علاوة على ذلك، تمتدّ أهميّتها إلى ما هو أبعد من النزاعات الحدوديّة البحريّة، حيث يمكن القول إنّ الالتزام بعدم إعاقة التسوية النهائيّة للنزاع أو تعريضها للخطر يؤيّد مبدأً عامًّا للعناية يمكن تطبيقه على النزاعات المتعلّقة بالبرّ أيضًا. يصدّق هذا بشكلٍ خاص عندما ينشأ النزاع بسبب عدم وجود ترسيم حدود واضح وحيث قد تتأثر مصالح وحقوق الإنسان للسكّان المحليين من جرّاء استمرار النزاع وتفاقمه. في هذه الحالات، قد تشكّل النتائج التي توصّلت إليها المحاكم الدوليّة فيما يتعلّق باتساق إجراءات الدولة مع التزامات العناية الواجبة على النحو المنصوص عليه في المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار معايير مفيدة لمعالجة قضايا المسؤوليّة في سياق النزاعات الحدوديّة.
وعليه، إنّ توضيح القواعد المطبّقة على المناطق البحريّة المتنازع عليها -من الخيارات المتاحة للدول الأطرف في النزاع وحدود إجراءات الدولة، علاوة على التداعيات المترتّبة عن انتهاك القواعد- أمرٌ بالغ الأهميّة لأنّه سيكون من غير المناسب أن نطلب من دولة تنظيم سلوكها على أساس قواعد لا يزال محتواها الدقيق، إلى حدٍّ ما، غامضًا. إدراكًا منّا للحاجة إلى مزيدٍ من التقييم لهذا الموضوع، نأمل أن تشكّل المؤشرات الواردة في هذه الدراسة مساهمة أوّلية في تحقيق هذه الغاية.
[1] For a description of these early developments, see: Tullio Scovazzi, The Evolution of International Law of the Sea: New Issues, New Challenges, Vol. 286 in Collected Courses of the Hague Academy of International Law, BRILL, 2000, P. 39 et al.
[2] North Sea Continental Shelf Case (Federal Republic of GERMANY/DENMARK; Federal Republic of GERMANY/NETHERLANDS), Judgments, I.C.J. Reports, 20 Feb. 1969, at [¶ 96]. The same is true for territorial sea, the extent of which was amply expanded in the second half of the 20th century.
[3] Id, at [¶ 18].
[4] In the Matter on an Arbitration between BARBADOS and The Republic of TRINIDAD and TOBAGO, Award, Permanent Court of Arbitration, Case N. 2004-02, Apr. 11, 2006, at [¶ 244].
[5] Id.
[6] نصّت الفقرة 3 من المادة 121 من اتفاقيّة قانون البحار على أنّه "ليس للصخور التي لا تُهيّئ استمرار السكنى البشريّة أو استمرار حياة اقتصاديّة خاصّة لها، منطقة اقتصاديّة خالصة أو جرف قارّي". إتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار الموقّعة بتاريخ 10/12/1982 في مونتيغوباي (الجاماييك) وقد أدخلت حيّز التنفيذ بتاريخ 16/11/1994.
[7] Enrico Milano & Irini Papanicolopulu, State Responsibility in Disputed Areas on Land and at Sea, Zeitschrift für Ausländisches Öffentliches Recht und Völkerrecht, Vol. 71, Issue 3, 2011, P. 610.
[8] For instance, see: Maritime Delimitation and Territorial Questions between Qatar and Bahrain (Qatar v. Bahrain), Judgments, I.C.J. Reports, March 16, 2001, at [¶ 218, 245-248]; Territorial and Maritime Dispute between Nicaragua and Honduras in the Caribbean Sea (Nicaragua v. Honduras), Judgments, I.C.J. Reports, Oct. 8, 2007, at [¶ 262]; Maritime Delimitation in the Black Sea (Romania v. Ukraine), Judgments, I.C.J. Reports, Feb, 3, 2009, at [¶ 187].
[9] اتفقت إسرائيل مع قبرص لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة باعتمادها النقطة (1) أساسًا للتحديد (17/12/2010)، وقد أودعت إحداثياتها الجغرافيّة لدى الأمم المتحدة على هذا الأساس (12/7/2011) دون مراعاة الموقف اللبناني الذي اعتمد النقطة (23) في إحداثياته الجغرافيّة بدلًا من النقطة (1) المؤقتة التي أودعها الأمم المتحدة بتاريخ 20/10/2010، علاوة على المعايير التقنيّة-القانونيّة غير الدقيقة التي اعتمدتها إسرائيل في ترسيم حدودها البحريّة بموجب القرارات الدوليّة (قضيّة محيط الهندي (الصومال/كينيا))، بحيث رَجّحت هذه المعايير الخط (29) دون الخط (23) (وهذا ما أكّده لبنان برسالتيه المتطابقتين المؤرّختين 28/1/2022 الموجّهتين إلى الأمين العام ورئيسة مجلس الأمن الذي يدعو بموجبهما إلى الإمتناع عن أي نشاط في المناطق البحريّة المتنازع عليها (الممتدّة بين الخط (1) والخط (29))، بما في ذلك منح حقوق لأي طرف ثالث والقيام بأنشطة استكشافيّة أو بأعمال حفر أو باستكشاف الموارد الطبيعيّة) كما قُدّرت المساحة المتنازع عليها بحوالي 2290 كلم2. للاستزادة، أنظر: مصطفى المصري، ترسيم حدود المياه البحريّة اللبنانيّة على ضوء القرارات الدوليّة: قضيّة المحيط الهندي نموذجًا، المجلّة القضائيّة-صادر، 24/11/2021؛ مصطفى المصري، واقع ترسيم حدود المياه البحريّة اللبنانيّة وإطار قانونيّته (النزاع اللبناني-الإسرائيلي نموذجًا)، مجلّة محكمة، 23/10/2020.
[10] إعتمد لبنان النقطة (7) في ترسيم حدوده الشماليّة منفردًا الأمر الذي اعترضت عليه الجمهوريّة السوريّة (15/7/2014) أمام الأمانة العامّة للأمم المتحدة والتي عيّنت بدورها النقطة (6) (التابعة للرقعة البحريّة السوريّة رقم (1)) بموجب القانون رقم 10 الصادر بتاريخ 9/3/2021 الذي يمنح حق التنقيب والإنتاج الحصري لشركة “KAPITAL” الروسيّة والتي تتداخل مع المنطقة الاقتصاديّة البحريّة الخالصة التابعة للبنان وتحديدًا الرقعتين 1 و2 شمالًا بمساحة تُقدّر بحوالي 750 كلم2.
[11] أشارت المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدوليّة بأنّ وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي تُرفع إليها وفقًا لأحكام القانون الدولي، وهي تطبق بهذا الشأن: 1-(أ) الاتفاقات الدوليّة العامّة والخاصّة التي تضع قواعد معترفًا بها صراحة من جانب الدول المتنازعة؛ (ب) العادات الدوليّة المرعيّة المعتبرة بمثابة قانون دلَّ عليه تواتر الاستعمال؛ (ج) مبادئ القانون العامّة التي أقرّتها الأمم المتمدّنة؛ (د) أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم. 2- لا يترتّب على النص المتقدّم ذكره أي إخلال بما للمحكمة من سلطة الفصل في القضيّة لمبادئ العدل والإنصاف متى وافق أطراف الدعوى على ذلك.
[12] المادة 74.2 و83.2 من اتفاقيّة الأمم المتحدة لقانون البحار.
[13] Enrico Milano & Irini Papanicolopulu, Op. Cit., P. 612.
[14] As the Arbitral Tribunal in the Guyana/Suriname Case has maintained, a State may poses as a condition for the starting or the resumption of negotiations the fact that the other State ceases conduct that could possibly hamper the reaching of an agreed solution. In the Matter of Arbitration between GUYANA and SURINAME, (GUYANA/SURINAME ), Award, Permanent Court of Arbitration, Case N. 2004-04, Sep. 17, 2007, at [¶ 476].
[15] As in the case of the region of Zubarah, contended by Bahrain and Qatar, and relevant to the maritime delimitation between the two States. (Qatar v. Bahrain), Judgments, Op. Cit., at [¶ 185].
[16] (GUYANA/ SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 461]; North Sea Continental Shelf Case, Judgments, Op. Cit., at [¶ 85].
[17] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 473].
[18] Id, at [¶ 477].
[19] Id, at [¶ 476].
[20] Id, at [¶ 477].
[21] Id, at [¶ 476].
[22] على الرّغم من ذلك، إذا تمكّنت أطراف النزاع من الدخول في ترتيبات مؤقتة تتعلّق أيضًا في هذه الجوانب، فمن الواضح أنها تتوافق مع متطلّبات المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
[23] Such as the 1974 agreement between Japan and Korea concerning joint development of the southern part of the continental shelf adjacent to the two countries, Treaty Registration N. 19778, Vol. 1225, June 22, 1978, P. 113.
[24] Agreement on Provisional Arrangements for the Delimitation of the Maritime Boundaries between the Republic of Tunisia and the People’s Democratic Republic of Algeria, Law of the Sea Bulletin, No. 52, 2003, P. 41.
[25] An informal modus vivendi, based on equidistance, is in place between Italy and Malta for some years.
[26] Such as the Tripartite Agreement for Joint Marine Seismic Undertaking in the Agreement Area in the South China Sea signed on 14/3/2005, between the national oil companies of China (CNOOC), Philippines (PNOC), and Vietnam (PETROVIETNAM) and the Joint Oceanographic Marine Scientific Expedition in the South China Sea.
[27] As Provided for in the 2003 Agreement between the Government of Australia and the Government of the Democratic Republic of Timor-Leste relating to the Unitisation of the Sunrise Troubadour Fields, Treaty Registration N. 44576, Vol. 2483, Feb. 23, 2007, P. 317.
[28] وفقًا لقرار محكمة التحكيم الدائمة في قضيّة “Guyana/Suriname”، إنّ هذا الالتزام "يشكّل إقرارًا ضمنيًّا بأهميّة تجنّب تعليق التنمية الاقتصاديّة في منطقة بحريّة متنازع عليها، طالما هذه الأنشطة لا تؤثر على التوصل إلى اتفاق نهائي. تعزّز هذه الترتيبات تحقيق أحد أهداف الاتفاقيّة، وهو الاستخدام المنصف والفعّال لموارد البحار والمحيطات".
(GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 460].
[29] See Case Concerning Land Reclamation by Singapore in and around the Straits of Johor (Malaysia v. Singapore), Provisional Measures, ITLOS Reports, No. 12, Order of 8 October 2003, Operative Part, at [¶ 1].
[30] وفقًا لقرار المحكمة الدوليّة لقانون البحار في قضيّة “Ghana/Côte D’Ivoire”، إنّ "صياغة هذا الالتزام، في رأي الدائرة الخاصّة، تشير بوضوح إلى أنّه لا يرقى إلى مستوى الالتزام بالتوصّل إلى اتفاق بشأن الترتيبات المؤقتة. وتُلاحظ الدائرة الخاصّة، مع ذلك، أنّ اللغة التي يُصاغ بها الالتزام تُشير إلى أنّ الأطراف المعنيّة عليها واجب التصرّف بحسن نيّة. وهذا الالتزام يتعزّز بجملة مثل هذه الأعمال يجب أن تتم "بروحٍ من التعاون والتفاهم".
Dispute Concerning Delimitation of the Maritime Boundary between Ghana and Côte D’Ivoire in the Atlantic Ocean (Ghana/Côte D’Ivoire), Judgment, ITLOS Reports, Case N. 23, 2017, at [¶¶ 626-27].
[31] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 465].
[32] Id, at [¶ 466].
[33] Id, at [¶ 467]; furthermore, see: Maritime Delimitation in the Indian Ocean (Somalia v. Kenya), Judgments, I.C.J. Reports, Oct. 12, 2021, at [¶ 207].
[34] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 467, 480].
[35] Aegean Sea Continental Shelf Case (Greece v. Turkey), Request for the Indication of Interim Measures of Protection, Order, I.C.J. Reports, Sep. 11, 1976, at [¶ 30].
[36] Enrico Milano & Irini Papanicolopulu, Op. Cit., P. 617.
[37] It is not unusual, in State practice, that more than one State grants licenses for fishing in contested areas; for example, both Honduras and Nicaragua had granted licenses to fishermen in the waters surrounding disputed islands in the Caribbean; see (Nicaragua v. Honduras), Judgments, Op. Cit., at [¶ 131].
[38] The Tribunal is of the view that the order given by Major Jones to the rig constituted an explicit threat that force might be used if the order was not complied with. The question now arises whether this threat of the use of force breaches the terms of the Convention, the UN Charter and general international law. The ICJ has thrown some light on the circumstances, where a threat of force can be considered illegal. See: (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 439]; Legality of the Threat or Use of Nuclear Weapons, Advisory Opinions, I.C.J. Reports, July 8, 1996, at [¶ 47].
[39] نصّت المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على أنّه "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدوليّة عن التهديد باستعمال القوّة أو استخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
[40] تجنّبت المحكمة الدخول في هذه المسألة من خلال وصف أفعال البحريّة السوريناميّة بأنّها "تهديد بعمل عسكري" (أي التهديد باستعمال القوّة) ورفض الحجّة القائلة بوجوب اعتبارها أنشطة لإنفاذ القانون.
(GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 445].
[41] يجب على المرء أيضًا أن يأخذ بعين الاعتبار أنّ نزاعات الحدود البحريّة عادة ما تكون معروفة دوليًّا ويمكن للشركات الخاصّة حساب مخاطر الأنشطة المضطلع بها في منطقة متنازع عليها عندما يتم إصدار ترخيص من قبل أحد المطالبين.
[42] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 476].
[43] Youri v. Logchem, The Rights and Obligations of States in Disputed Maritime Areas: What Lessons Can be Learned from the Maritime Boundary Dispute Ghana and Côte D’Ivoire?, Vanderbilt Journal of Transnational Law, Vol. 59, Issue 1, Art. 4, Jan. 2019, P. 138.
[44] Dispute Concerning Delimitation of the Maritime Boundary between Ghana and Côte D’Ivoire in the Atlantic Ocean (Ghana/Côte D’Ivoire), Separate Opinion of Judge Paik, ITLOS Reports, 2017, at [¶ 19].
[45] Art. 30 of the Draft Convention on the Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, adopted by International Law Commission (ILC) at its 53rd session, 2001.
[46] من اللافت للنظر أنّ الطرفين قد يكونان ملزمين بالتعاون حتى بعد التسوية النهائيّة للحدود البحريّة، كحالة مكامن النفط والغاز العابرة للحدود، أو في حالة عبور الأرصدة السمكيّة للحدود (المادة 63 من اتفاقيّة قانون البحار)، أو في حالة حقوق مصايد الأسماك التقليديّة لإحدى الدول في منطقة تُنسب إلى الدولة الأخرى. ففي هذه الحالات، إنّ الالتزام بمحاولة الدخول في اتفاق ينبع من أحكام غير المادتين 74.3 و83.3 من اتفاقيّة قانون البحار.
[47] Art. 51 of the Draft Articles on State Responsibility states that “Countermeasures must be commensurate with the injury suffered, taking into account the gravity of the internationally wrongful act and the rights in question”.
[48] Art. 50.1 of the Draft Articles on State Responsibility states that “(a) the obligation to refrain from the threat or use of force as embodied in the Charter of the United Nations”.
[49] Art. 53 of the Draft Articles on State Responsibility states that “Countermeasures shall be terminated as soon as the responsible State has complied with its obligations under part two in relation to the internationally wrongful act”.
[50] See the Report of the ILC on the Work of its 44th session, A/47/10, 4 May-24 July, 1992, at [¶ 189].
[51] Art. 51 of the Draft Articles on State Responsibility states that “The wrongfulness of an act of a State not in conformity with an international obligation towards another State is precluded if and to the extent that the act constitutes a countermeasure taken against the latter State in accordance with chapter II of part three”.
[52] وهذا ما ضمّنته هيئة التحكيم في قضيّة “Guyana/Suriname”، عندما ذكرت أنّ سورينام، ردًّا على الترخيص غير القانوني لغيانا للحفر الاستكشافي، كان من الممكن أن تفرض كشرط لاستئناف المفاوضات امتثال غيانا لالتزاماتها.
(GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 476].
[53] Art. 49 of the Draft Articles on State Responsibility states that “3. Countermeasures shall, as far as possible, be taken in such a way as to permit the resumption of performance of the obligations in question”.
[54] Douglas Guilfoyle, INTERDICTING VESSELS TO ENFORCE THE COMMON INTEREST: MARITIME COUNTERMEASURES AND THE USE OF FORCE, International and Comparative Law Quarterly, Vol. 56, Jan. 2007, P. 69; Furthermore, see: Art. 49.2 of the Draft Articles on State Responsibility.
[55] Enrico Milano & Irini Papanicolopulu, Op. Cit., P. 620.
[56] Art. 50.1 of the Draft Articles on State Responsibility.
[57] يُشير الانتصاف التفسيري إلى حكمٍ صادر عن المحكمة ينصّ على حقوق الأطراف دون الأمر باتخاذ أي إجراء معيّن أو إدراج التعويضات عن الأضرار. عندما يطلب أحد الطرفين حكمًا تفسيريًّا، يسعى الطرف إلى الحصول على إعلان رسمي ملزم قانونًا بشأن حالة الخلاف في القضيّة.
[58] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 486].
[59] هذا الأمر يتماشى أيضًا مع النتيجة التي توصلت إليها محكمة العدل الدوليّة في قضيّة “Pulp Mills”، والتي اعتبرت فيها بأنّ الانتصاف التفسيري كان تدبير انتصاف مناسب لخرق الالتزامات الإجرائيّة.
Pulp Mills on the River Uruguay (Argentina v. Uruguay), Judgments, I.C.J. Reports, April 20, 2010, at [¶¶ 275-76].
[60] Delimitation of the Maritime Boundary between Bangladesh and Myanmar in the Bay of Bengal (Bangladesh/Myanmar), Notification submitted by Bangladesh, ITLOS Reports, Case No. 16, Oct. 8, 2009, at [¶ 26].
[61] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 157.(3) & 157.(4)].
[62] Id, at [¶ 158].
[63] Energean, New Gas Sales and Purchase Agreement Signed and Karish Project Operational Update, Press Release, 3/5/2022. Available at: https://www.energean.com/media/press-releases/, accessed: 2/6/2022.
[64] Energean announced a new gas discovery in Karish North on April 15, 2019. The Karish North well was spudded on March 15, 2019. The well reached an intermediate TD of 4,880 meters approximately 7 days ahead of schedule. Available at: https://www.energean.com/operations/israel/karish-north/, accessed: 2/6/2022.
[65] Nermina Kulovic, Energean’s FPSO for Israeli Project Sails away from Singapore, Offshore Energy, NEWS, 3/5/2022. Available at: https://www.offshore-energy.biz/energeans-fpso-for-israeli-project-sails-away-from-singapore/, accessed: 2/6/2022.
[66] الأصل في المعاهدات والاتفاقيات الدوليّة أنّها تُنشئ حقوقًا والتزامات فقط بين الدول الأطراف التي أبرمتها. غير أنّ نسبيّة أثر الاتفاقات ليس مطلقًا فقد تمتدّ آثار الاتفاقات إلى دولٍ لم تسهم في إبرامها ولم تكن طرفًا فيها في حالات محدّدة ومنها اتفاقيّات التقنين أو التدوين التي تحوّل القاعدة العرفيّة إلى قواعد مكتوبة ومجمّعة ومبوّبة في شكلٍ منظّم والتي تتحوّل لقاعدة ملزمة لجميع دول العالم، لا سيّما بعد تبنّيها من قبل المنظمات الدوليّة. وهذا ما نصّت عليه المادة 38 من اتفاقيّة فيينا لقانون المعاهدات سنة 1969 (قدّمت اسرائيل اعتراضًا بشأنها في 16/3/1970) التي أشارت إلى أنّه يمكن أن تصبح القاعدة الواردة في اتفاقيّة دوليّة ملزمة للدول الغير باعتبارها قاعدة عرفيّة من قواعد القانون الدولي. للمزيد من التفاصيل، أنظر: كنده جمال عبدالساتر، رسالة دبلوم في الدراسات الاستراتيجيّة بعنوان طرق تسوية المنازعات الدوليّة المتعلّقة بتحديد المنطقة الاقتصاديّة البحريّة الخالصة (لبنان نموذجًا)، مركز البحوث والدراسات الاستراتيجيّة في كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة والاداريّة والاقتصاديّة، الجامعة اللبنانيّة، 2018، ص. 34 وما يليها.
[67] تجدر الإشارة إلى أنّ "إسرائيل" غير مُعترف بها كدولة ذات كيان قانوني مستقلّ من قبل الدولة اللبنانيّة، بالتالي يتحفّظ الباحث بخصوص اسرائيل على أنّها دولة لديها مقوّماتها القانونيّة، إنّما فقط يقدّم الدعائم القانونيّة للجهات المختصّة التي تعزّز موقعه كمفاوض في ضوء الالتزامات المفروضة بموجب أحكام اتفاقيّة قانون البحار من أجل إثارتها أثناء المفاوضات غير المباشرة بوجه الطرف الآخر. بَيْدَ أنّه من ناحية أخرى تتعامل الشركات البتروليّة مع اسرائيل كدولة إضافةً إلى أنّها هي عضو في الأمم المتحدة، هذا الأمر يجعلها خاضعة لأحكام اتفاقيّة قانون البحار (وفق ما أوردناه أعلاه) حتى ولو لم يعترف بها لبنان.
[68] أشارت المادتين 3 و5 من اتفاقيّة قانون البحار إلى أنّه لكلّ دولة الحق في أن تحدّد عرض بحرها الإقليمي بمسافةٍ لا تتجاوز 12 ميلًا بحريًّا من خطوط الأساس والذي يُعتبر هذا الأخير الحد الأدنى للجزر على امتداد الساحل. كما أشارت المادتين 55 و57 من اتفاقيّة قانون البحار إلى المنطقة الاقتصاديّة الخالصة على أنها المنطقة الواقعة وراء البحر الإقليمي وملاصقة له، حيث أنّها لا تمتدّ أكثر من 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي.
[69] (Ghana/Côte D’Ivoire), Judgment, Op. Cit., at [¶ 592]; (Somalia v. Kenya), Judgment, Op. Cit., at [¶ 203].
[70] Nicholas Ioannides & Constantinos Yiallourides, A Commentary on the Dispute Concerning the Maritime Delimitation in the Indian Ocean (Somalia v. Kenya), European Journal of International Law, EJIL: Talk!, Oct. 22, 2021, P. 6.
[71] North Sea Continental Shelf Case, Judgments, Op. Cit., at [¶ 19].
[72] Convention on the Continental Shelf, Concluded at Geneva 29 April 1958, Treaty Registration N. 7302, Vol. 499, 10/6/1964, P. 311
[73] Id, Art. 2(2)(3).
[74] Art. 77.2 & 77.3.
[75] Continental Shelf (Tunisia/Libyan Arab Jamahiriya), Dissenting Opinion of Judge Oda, Judgments, I.C.J. Reports, Feb. 24, 1982, P. 157.
[76] Id, at [¶ 153, 154].
[77] (Somalia v. Kenya), Judgment, Op. Cit., at [¶ 204].
[78] Enrico Milano & Irini Papanicolopulu, Op. Cit., P. 622.
[79] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 457]; (BARBADOS/TRINIDAD and TOBAGO), Award, Op. Cit., at [¶ 50, 55].
[80] (GUYANA/SURINAME), Award, Op. Cit., at [¶ 445].

