• لبنان
  • الإمارات
  • الكويت
  • قطر
← المجلة القضائية

قرار رقم 54 صادر عن رئيس دائرة التنفيذ في بيروت بتاريخ 30/11/2021:عدم اعتبار الإيفاء الحاصل بواسطة شيك مبرئًا لذمة المصرف إلا من تاريخ قبض قيمته من المودع

هيئة المحكمة: الرئيس مريانا عناني.

بنك بيروت ش.م.ل/مكي

1- اعتبار كل قيد مفروض على حق المودع بتحريك حسابه عبر إجراء تحويلات مالية داخلية أم خارجية خرقًا للمبادئ القانونية وللأعراف المهنية الثابتة.

2- اعتبار تنفيذ أمر تحويل الأموال الى الخارج واجبًا على عاتق المصرف وليس خيارًا أو حقًا استنسابيًّا.

3- عدم جواز تذرّع المصرف بالقيود الصادرة عن جمعية المصارف لتبرير رفضه اجراء التحويل لوديعة الحاجز الى الخارج في ظل غياب أي تشريع أصولي صريح بهذا الشأن.

4- وجوب كون مؤونة الشيك مبلغًا من النقود موجودة بتاريخ إصداره وجائز التصرّف بها لجواز اعتبار الشيك وسيلة إيفاء.

5- عدم اعتبار الإيفاء الحاصل بواسطة شيك مبرئًا لذمة المصرف إلا من تاريخ قبض قيمته من المودع.

6- عدم اعتبار تسليم المصرف الشيكات للحاجز إيفاءً تامًّا إنما مجرد إيفاء معلّق على شرط تحصيل قيمة الشيك.

7- اعتبار الشيك الصادر في لبنان قابلاً للإيفاء داخله أو خارجه.

8- اعتبار المؤونة منتفية وغير قائمة بمجرد عدم توفر السيولة اللازمة نقدًا وحالاً بالدولار الأميركي للشيكات لدى المصرف المسحوب عليه.

9- عدم جواز تذرّع المصرف بالظروف الاستثنائية الناتجة عن الأزمة المالية الحادّة في لبنان لتبرير إمتناعه عن تأمين السيولة إذ من غير الجائز تحميل المودع تبعات أزمة لا دور له فيها ومن واجب المصرف الحفاظ على مصالح المودعين وعلى الثقة الإئتمانية والسمعة التجارية الخارجية.

10- عدم اعتبار تسليم المصرف للحاجز شيكات بقيمة وديعته لا مجال لتحصيلها في الخارج أو قبض قيمتها الكاملة في لبنان بتاريخ سحبها إيفاءً لدينه تجاه الحاجز.

بناءً عليه

أولاً- في الشكل

حيث ان المادة /868/ أصول مدنية تنص على أن القرار القاضي بإلقاء الحجز وبالتقدير المؤقت للدين يقبل الطعن أمام القاضي الذي أصدره في مهلة خمسة أيام من تاريخ تبليغه.

وحيث إن الجهة المعترضة قد تبلغت قرار الحجز الاحتياطي المعترض عليه بتاريخ 23/4/2021 وتقدمت باعتراضها بتاريخ 27/4/2021، فيكون اعتراضها الراهن وارداً ضمن المهلة المحدّدة قانوناً، هذا فضلاً عن استيفائه سائر شروطه الشكلية، الأمر الذي يستتبع قبوله في الشكل.

ثانياً- في الموضوع

حيث سنداً لأحكام المادة /866/ أصول مدنية، يقرّر رئيس دائرة التنفيذ إلقاء الحجز الاحتياطي متى توافرت احدى الحالتين التاليتين:

1- إذا كان الدين ثابتاً يسند، بشرط أن يكون هذا الدين مستحق الأداء وغير معلّق على شرط، مع مراعاة الحالات المعينة بالمادة 111 من قانون الموجبات والعقود.

2- إذا كان الدين غير ثابت بسند، متى توافرت أدلة ترجّح وجود هذا الدين، على أنه في حال كان غير معين المقدار، فيتم تقديره مؤقتاً.

وحيث إنه استناداً إلى ما ذُكر، فإن وضع الملف الراهن ينحصر ضمن الإطار الاول، باعتبار أن رئيس دائرة التنفيذ قد قرر القاء الحجز الاحتياطي راهناً استناداً إلى الشيكات المسلّمة للحاجز من قبل المصرف المحجوز عليه التي تثبت قيمة وديعته لدى هذا الاخير، والتي لم يتم تحصيلها كونها ارتجعت من قبل المصرف الاجنبي.

وحيث يقتضي بدايةً استعراض الوقائع المنتجة في هذا الملف وتلخيصها كالتالي:

- أنه بتاريخ 22/8/2013 وقّع الحاجز على عقد فتح حساب لدى المصرف المعترض أودع فيه امواله بالدولار الاميركي.

- انه وبعد استحقاق الوديعة، طلب الحاجز من المصرف تحويلها الى الخارج بتاريخ 23/11/2019، فرفض المصرف اجراء التحويل مرتكزاً في رفضه على الفقرة 2 من البيان الصادر عن جمعية المصارف في لبنان تاريخ 17/11/2019 التي فرضت شروطاً وقيوداً لاجراء التحويلات بعد تاريخ 18/11/2019.

- انه ونتيجة لهذا الامتناع، قبل الحاجز استلام وديعته من المصرف بموجب شيكات مسحوبة على مصرف لبنان، وقام بايداع شيكات بقيمة /800000/د.أ. في حسابه في الخارج، ولكنها اعيدت من المصرف الاجنبي لعدم تغطيتها من قبل المصرف اللبناني.

وحيث يرتكز المصرف المعترض على جملة اسباب قانونية في اعتراضه الراهن لطلب الرجوع عن الحجز الاحتياطي، ما يوجب استعراضها تباعاً وفق التالي:

1- في موجب اجراء التحويل المصرفي:

حيث يدلي المصرف بوجوب الرجوع عن قرار الحجز الاحتياطي لعدم توجب الدين موضوعه، وذلك لعدم وجود أي موجب عليه بدفع المبالغ لصالح حسابات المعترض عليه الدائنة خارج لبنان، فالعلاقة القائمة بينه وبين العملاء مبنية على عقد وديعة ولا يترتب على عاتق المصارف تجاه المودعين سوى التزام باعادة مبلغ الوديعة بقيمة تعادلها وذلك في المكان الذي عقد فيه القرض اي في لبنان سنداً لأحكام المواد 307 تجارة و691 و764م.ع.، وأن التحاويل المصرفية تشكل خدمات اختيارية لا تلزم المصارف، إذ لا القانون ولا عقد فتح الحساب الموقع مع المعترض عليه تضمّن اي موجب بهذا الخصوص، فلا يكون ملزماً بالتحويل خارج لبنان بل يحقّ له استنسابياً الموافقة على تأديته او الامتناع عن ذلك؛ وفي مطلق الاحوال وحتى لو كانت التحاويل الزامية للمصرف، فهي لا يمكن ان تطال سوى التحاويل داخل لبنان، هذا فضلاً عن ان رفضه اجراء التحويل المطلوب سببه الظروف الاستثنائية السائدة والازمة المالية والنقدية الحادة التي تعاني منها البلاد والقيود والاجراءات المعتمدة منذ 18/11/2019 من جميع المصارف وحفاظاً على المصلحة الوطنية انفاذاً لأحكام المادة 156 نقد وتسليف، وفقاً لتعليمات وتدابير جمعية المصارف في لبنان خصوصاً الفقرة 2 من البيان تاريخ 17/11/2019، فضلاً عن صدور القانون رقم 193 تاريخ 22/10/2020 الذي يؤكد بصورة ضمنية على ان المصارف وباستثناء التحاويل التي تتوفر فيها بعض الشروط الضيقة، غير ملزمة باجراء التحاويل المطلوبة من عملائها الى الخارج.

وحيث ثابتٌ من الوقائع أنّ عقد فتح حساب الوديعة الموقّع بين الفريقين قد نص على اعتماد الحوالة المصرفية كوسيلة دفع مبرئة لذمة المصرف وفق ما يتضح من البند 4-4-ج منه، وان الحاجز قد طلب من المعترض اجراء تحويل لقيمة وديعته الى الخارج بتاريخ 23/11/2019، ولكن المصرف المعترض رفض ذلك.

1-وحيث من نحوٍ أول، ان تحويل الاموال ليس الا وسيلة لدفع الديون وللايفاء، وهو أمرٌ تمارسه المصارف والمؤسسات المالية بشكل رئيسي، وقد أكّد الاجتهاد على وجوب احترام عقد فتح الحساب وتنفيذ تعليمات المودع باجراء التحويل المطلوب، بحيث إنّ اي تقييد لحق المعترض عليه بتحريك حسابه عبر اجراء تحويلات مالية داخلية او خارجية، يشكل خرقاً للمبادئ القانونية لا سيما ولمبدأ حرية حركة رأس المال المنصوص عليها في مقدمة الدستور اللبناني، كما وخرقاً للأعراف المهنية الثابتة التي دأبت المصارف المحلية والعالمية على تأديتها لزبائنها، وأمست من الموجبات العقدية البديهية التي تلتزم بها المصارف دون حاجة حتى الى ذكرها في متن العقد:

«Il a toujours été admis que le banquier qui a accepté d'ouvrir un compte a pris par là-même envers le clients, l'engagement d'effectuer les virements qu'il lui demande d'opérer : il ne peut donc refuser d'accomplir un virement»

(Répertoire de droit commercial, Enc. Dalloz, Virement, par Régine Bonhomme, octobre 2018, n. 120).

«Un refus injustifié d'exécuter un ordre d'effectuer un virement engage la responsabilité du banquier»

(com. 4 jan. 1979, D1979, IR 357, obs. M. Vasseur)

Il ne peut, sous peine d'engager sa responsabilité, refuser ou omettre d'exécuter un ordre sans motif valable; on admet qu'il pourrait y être contraint par la voie judiciaire... comme motifs valables de refus, du moins momentané, il faut citer l'absence de la provision, la saisie-arrêt du compte, le défaut de capacite du donneur, l'insuffisance des instructions...

(Michel Cabrillac, le chèque et le virement, 5ème Edition, Litec, n. 395, p. 216 s).

2-وحيث التالي إن تنفيذ امر تحويل الاموال الى الخارج هو موجبٌ ملقى على عاتق المصرف وليس خياراً او حقاً يمارسه باستنسابية،- وفق اقواله-، فالامتناع يجب أن يكون مبرراً وناتجاً عن امرٍ يتعلق بالمودع او صاحب الحساب وحده وفق ما تقدّم، هذا بالاضافة إلى أن المصرف كان قد اعتاد على تنفيذ عمليات التحويل الى الخارج سيما الى لندن، بناءً على طلب الحاجز، وفق ما يتضح من صور بعض التحويلات المبرزة في الملف، واخرها كان قبل فترة صغيرة من شهر تشرين الاول 2019.

3-وحيث فضلاً عمّا تقدّم، إنّ رفض المصرف المعترض اجراء التحويل لوديعة الحاجز الى الخارج لا يمكن تبريره تحت اي ذريعة كانت، فالقيود على عمليات السحب او التحويل لا يمكن تبريره الّا بتشريع وفقاً للأصول، وليس بموجب بيان او تعميم صادر عن جمعية المصارف، اذ إنّ دورَ هذه الاخيرة تنسيقيٍّ واستشاريٍّ محض، وفق ما يتبين من المادة 2 من النظام الاساسي لجمعية مصارف لبنان والتي تنص على هدف الجمعية هو توثيق اواصر التعاون ودعم الروابط بين اعضائها... والتنسيق بين نشاطاتهم ورفع مستوى ممارسة المهنة... وابداء الرأي في المشاريع والقوانين والانظمة المتعلقة بالتشريعات المالية والمصرفية الخ...، فلا يمكنها بالتالي اصدار تعاميم تخالف بموجبها الدستور والقوانين النافذة؛ هذا بالاضافة إلى أنّ اي تذرع بالقانون رقم 193/2020 المتعلق بالدولار الطالبي لا محل له قانوناً سيما أن هذا القانون قد صدر بتاريخ 16/10/2020، اي بعد فترة سنة تقريباً من تاريخ طلب اجراء التحويل المطلوب من الحاجز، ولا يمكن في مطلق الاحوال التعويل عليه لتكريس المخالفات القانونية الحاصلة من المصارف الممتنعة عن اجراء التحاويل الى الخارج، في ظلّ عدم وجود تشريع اصولي صريح لتاريخه يجيز لها بذلك او يرعى هذا الموضوع.

وحيث بالتالي تكون ادلاءات الجهة المعترضة مستوجبة الردّ في هذا الاطار.

2- في الايفاء الحاصل بموجب الشيكات:

حيث يدلي المصرف المعترض بعدم توجب الدين في ذمته كونه قد اوفى قيمة الوديعة بكاملها إلى المعترض عليه منذ 25/11/2019، فالشيك هو وسيلة ايفاء تحلّ محلّ النقود والايفاء بواسطة الشيك هي وسيلة ابراء غير محدودة، وفقاً لأحكام المادة 317م.ع. وبموجب العرف السائد والثابت، وان المعترض عليه قد استلم بناء على طلبه ودون اي تحفظ الشيكات المصرفية المسحوبة على مصرف لبنان، وان سبب اعادة مصرف باركلايز في لندن للشيكات المصرفية ليست بسبب تعثره او توقفه عن الدفع بل هو ناتج حصراً عن عدم قابلية الشيكات للايفاء الا في بيروت، وقد استقر الفقه اللبناني والفرنسي على اعتبار ان مكان الدفع المحدد على الشيك هو المكان الذي يتوجب على حامل الشيك تقديمه فيه لتحصيل قيمته، وردّ الشيكات ناجم بالتالي عن الاستحالة القانونية لصرفها في لندن كونها واجبة الدفع حصراً في لبنان، وان المعترض عليه ما زال حائزاً على الشيكات ويمكن له تحصيل قيمتها عبر ايداعها في مصرف لبنان، الامر الذي يثبت ان الدين موضوع الحجز الاحتياطي قد سدّد بكامله وانه بريء الذمة تماماً تجاه المعترض عليه.

وحيث لا بدّ من جهة اولى من استعراض القواعد العامة التي ترعى عقد الوديعة، إذ تنص المادة 307 تجارة على ان المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب عليه ان يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة او عدة دفعات عند اول طلب من المودع او بحسب شروط العقد، كما اوجبت المادة 696م.ع. على الوديع ان يسهر على صيانة الوديعة كما يسهر على صيانة اشيائه الخاصة، وأكّدت المادة 711 منه على أنه ملتزم بردّ الوديعة عينها وملحقاتها بالحالة التي تكون عليها عند تسليمها اليه اي بذات العملة التي اودعت فيها، وكذلك نصت المادة 713م.ع. على أن الوديع مسؤولٌ عن سبب كل هلاك او تعيّب لحق بالوديعة كان في الوسع اتقاؤه، إذا كان هذا الوديع يتلقى اجراً لحراسة الوديعة أو كان يقبل الودائع بمقتضى مهنته او وظيفته.

وحيث ولئن نصّ عقد فتح الحساب الموقّع بين الفريقين على ان الالتزام المصرفي باعادة الاموال المودعة يمكن أن يتمّ عبر تسليم شيكات او عن طريق التحويل المصرفي، إلّا أنه مما لا خلاف عليه أن اي خيار بينهما يجب ان يقع لزوماً على الطريقة التي تحقق الايفاء الفعلي ولا تلحق بالمودع اي ضرر، بحيث لا بد بالتالي من البحث في ما إذا كان تسليم الشيكات للحاجز بقيمة وديعته من شأنه اعتبار المصرف الوديع بريء الذمة تجاه هذا الاخير.

4-وحيث وارتكازاً على بعض الاحكام القانونية الناظمة للشيك وذات صلة بالنزاع الحاضر، فإن الشيك هو أداةٌ للوفاء تحلّ مبدئياً محلّ النقود، فهو قابل للايفاء لدى الاطلاع، وكل شرط مخالف يعدّ لغواً (المادة 425 تجارة)؛ ولذلك يشترط القانون ان تكون مؤونة هذا الشيك مبلغاً من النقود موجودة بتاريخ اصدار الشيك، اي ان تكون المؤونة جاهزة ومعدة للدفع في هذا التاريخ، وقابل للتصرف بها بموجب شيك (م. 411 تجارة)، بمعنى ان يكون الدين الذي يعود للساحب لدى المسحوب عليه وقت اصدار الشيك ديناً قابلاً للتصرف به disponible، وقابلية التصرف بالدين تفترض ان يكون ديناً اكيداً ومستحق الاداء وغير معلق على اي شرط، والّا اعتبرت المؤونة غير قائمة.

(ادوار عيد، الاسناد التجارية، الجزء الثاني، الشيك، المنشورات الحقوقية صادر، الطبعة الثانية 2000، من ص 95 الى ص 100).

5-وحيث أيضاً إن الشيك لا يعتبر ايفاءً إلّا بعد قبض قيمته، وفق المادة 444 من قانون التجارة اللبناني التي تنص على ان الايفاء بتسليم شيك يقبله الدائن لا يعدّ تجديداً للدين بل يبقى الدين الاصلي قائماً مع جميع الضمانات المختصة به الى ان يتم ايفاء الشيك المذكور، بحيث والحالة ما ذكر لا تتمتع الشيكات بحدّ ذاتها بقوة ابرائية، فالابراء لا يتمّ الّا بقبض الدائن قيمة الشيك، ويكون تاريخ الابراء الواجب اعتباره هو تاريخ هذه القيمة من المسحوب عليه لا تاريخ تسليم الشيك:

(ادوار عيد، المرجع ذاته، ص 10)

(تمييز، 13/6/1957، النشرة القضائية 1957، ص 546)

(تمييز فرنسي، 17 ايار 1972، دالوز 1973، ص 129 مع تعليق غافلدا)

(تمييز فرنسي 17/12/1924، سيراي 1925، ص 19، وتمييز فرنسي 19/7/1954، دالوز 1954، ص 629)

وبذات المعنى: "هذا الايفاء الذي لا يتمّ الّا عندما يقبض الائن قيمته نقداً وعدّاً: (جورج سيوفي، النظرية العامة للموجبات، الجزء الثاني، ص 238، رقم 598).

Le chèque est un instrument de paiement, mais sa remise n'équivaut pas à la rémunération des espèces, des lors, le débiteur qui remet un cheque ne se libère pas immédiatement, et ne réalise pas un paiement, le paiement et la libération ne se produisant qu'a l'encaissement de chèque )que lorsque les espèces sont à la disposition du créancier)

(Fabia et Safa, code de commerce libanais annote, T.IV, 1988, art. 444, n. 4 et 5)

6-وحيث يبنى على ما تقدّم أنّ مجرّد تسليم المصرف المعترض عليه الشيكات للحاجز لا يعتبر بحدّ ذاته ابراءً لذمته او ايفاءً تاماً، بل هو ايفاءٌ معلّقٌ على شرط تحصيل قيمة الشيك، فالساحب هو كفيلٌ بالايفاء وكل شرط يقصد به تملص السّاحب من هذه الكفالة يعدّ لغواً (المادة 417 تجارة).

وحيث عودةً إلى الوقائع، يتبيّن أنه وبعد رفض المصرف المعترض تحويل المبالغ الى لندن، تمّ الاتفاق على تسليم الحاجز شيكات بقيمة وديعته، فقام الحاجز بعرض الشيكات على مصرف باركلايز في لندن، فاعيدت الشيكات لعدم دفعها من قبل المصرف المسحوب عليه، إذ ورد في الافادات الخطية الصادرة عن مصرف باركلايز في لندن ان الشيكات الصادرة بقيمة اجمالية مقدارها 800000$ والمستلمة منهم بتاريخ 3/12/2019 لم يتم تسديدها من قبل البنك الذي تم السحب عليه بسبب عدم التمكن من الحصول على قيمتها "unable to obtain payment".

7-وحيث من نحوٍ اوّل، وعن قابلية الشيك للتداول خارج لبنان، تنص المادة 426 من قانون التجارة على ان الشيك الذي يصدر في لبنان ويكون قابلاً للايفاء فيه يجب عرضه للايفاء في مهلة معينة، اما الشيك الذي يصدر في الخارج ويكون قابلاً للايفاء في لبنان له مهلة مغايرة...، بحيث يستفاد من هذه المادة ان الشيك الذي يصدر في لبنان يكون قابلاً للايفاء داخله او خارجه، فهو معدٌّ للتداول ليس فقط في داخل البلاد بل في الخارج ايضاً:

(ادوار عيد، المرجع ذاته، ص 28)

وهو امرٌ بديهي منصوص عليه في اتفاقية جنيف للشيك تاريخ 19/3/1931 (في المادة 29 منها) والذي استقى القانون اللبناني احكامها عند وضعه النصوص القانونية المتعلقة بالشيك.

وحيث بالتالي تكون ادلاءات المصرف المعترض بعدم قابلية الشيكات للتداول خارج لبنان- في المطلق- مستوجبة الردّ لعدم القانونية، لا سيما أن الحاجز كان يقبض أحياناً بتاريخ سابق للشيكات موضوع الحجز، شيكات في لندن مسلّمة له من المصرف المعترض في لبنان، وذلك بشكل اعتيادي ودون اي مشكلة (بحسب ما يتبيّن من صورة احد الشيكات المحصّلة في الخارج والمبرزة في الملف)، هذا بالاضافة الى العبارة الصريحة الواردة في جواب مصرف باركلايز في لندن والتي تبيّن بوضوح سبب رفض الشيكات، الا وهي أنه لم يتم تسديدها من قبل البنك الذي تم السحب عليه بسبب عدم التمكن من الحصول على قيمتها "unable to obtain payment"، وليس لأي شرط شكلي آخر.

وحيث ما اقدام المصارف اللبنانية مؤخراً (اي بعد فترة من بداية الازمة المالية والمصرفية في لبنان) على ايراد عبارة صريحة على الشيك تفيد بعدم امكانية دفعه الّا في لبنان to be cleared only in Lebanon، الّا تأكيداً على المبدأ المذكور واقراراً منها بقابلية الشيكات- الخالية من هذه العبارة- للتداور خارج لبنان، وذلك بمعزل عن مدى قانونية هذه العبارة.

وحيث تبقى من محوٍ ثانٍ، المسألة المثارة من المعترض ألا وهي مدى اعتبار ذمته مبرأة جرّاء قبول الحاجز استلام شيكات بقيمة وديعته، والتي تمكّنه، وبحسب اقواله، تحصيل قيمتها عبر ايداعها في مصرف لبنان، حتى لو تعذّر عليه تحصيلها في الخارج.

وحيث ثبت من خلال ارتجاع الشيكات في الخارج أن المصرف المسحوبة عليه تلك الشيكات لم يستطع تأمين المؤونة اللازمة لها لدى المصرف الاجنبي، ما يستتبع عدم استطاعته كذلك تأمينها نقداً بالعملة الاجنبية لدى ايّ من المصارف العاملة في لبنان، وذلك عائدٌ للازمة المالية والمصرفية التي يمرّ بها لبنان، وهو الامر الشائع والمعلوم من الكافة، والذي لا يعدّ من ضمن معلومات القاضي الشخصية، إنما من المعلومات المستقاة من خبرة القاضي في الشؤون العامة المفروض المام الكافة بها (المادة /141/أ.م.م.) والتي لا يحظر على القاضي أن يبني حكمه عليها.

8-وحيث بالتالي إن عدم وجود السيولة اللازمة بالدولار الاميركي للشيكات لدى المصرف المسحوب عليه، اي عدم توفر المؤونة نقداً وحالاً لديه، ينتفي عن المؤونة صفة الدين الاكيد والمستحق الاداء وغير المعلق على اي شرط، وتعتبر المؤونة بالتالي منتفية وغير قائمة، الامر الذي من شأنه أن يجعل الايفاء غير حاصل طالما أن قبض قيمة الوديعة عدّاً ونقداً لم يحصل لتاريخه، وفق ما تقدّم شرحه.

وحيث يدلي المصرف المعترض في هذا السياق بأن ايفاء الشيكات يمكن أن يحصل بعملية قيدٍ في الحساب في لبنان من جهة، وبان الظروف الاستثنائية الناتجة عن الازمة المالية والنقدية الحادة التي تعاني منها البلاد، من جهة اخرى، تبرّر القيود المصرفية المطبقة والتي وضعت حفاظاً على المصلحة الوطنية والاقتصاد الوطني وعلى مصلحة جميع المودعين انفاذاً لأحكام المادة 156 وقد وتسليف.

وحيث يردّ على ما تقدّم من ادلاءات بما يلي:

أولاً: إن الوفاء بالشيك بطريق القيد في الحساب دون استلام القيمة نقداً يمكن أن يحصل عندما يكون للحامل حساب لدى المصرف المسحوب عليه، فيطلب من هذا المصرف قيد مبلغ الشيك في الجانب الدائن من هذا الحساب (ادوار عيد، المرجع ذاته، ص 259)، وهذا الامر يجب ان يحصل بطبيعة الحال بموافقة الحامل او المستفيد من الشيك إذ لا يمكن فرض هذا الامر او اجباره عليه:

Le chèque peut aussi, en cas d'accord entre les parites, être payé par écritures, c'est-à-dire, par inscription du montant du chèque au crédit du compte du porteur chez le tiré-payeur...

(Emile Tyan, droit commercial, tome 2ème, éditions Antoine 1970, p. 237)

إلّا في حال كان منصوصاً صراحة على ظهر الشيك وفق ما تنص عليه احكام المادة 435 تجارة من أنه يجوز للساحب وللحامل ان يمنعا ايفاء الشيك نقداً بوضعههما العبارة المعترضة الآتية على ظهره "لكي يقيد في الحساب (a porter en compte) او ما شابه (كما في حالة الشيك المشطوب)، الامر المنتفي راهناً، ما يكرّس المبدأ الا وهو الاستحصال على قيمة الشيك نقداً ولدى الاطلاع؛

علماً أنه وفي مطلق الاحوال، هذا الامر لا يتحقق في حالة ردّ الوديعة، إذ إن اعادة الوديعة تفترض اقفال حساب المودع بطبيعة الحال لدى المصرف الوديع، بحيث إن اي قيد للشيكات في الحساب لا يمكن ان يحصل إلّا عبر فتح حساب مصرفي جديد بها، الامر المتعذر راهناً في ضوء القيود المصرفية المطبقة لدى كافة المصارف اللبنانية التي ترفض قبول ايداع شيكات في حساب يفتح لديها- وهي من الامور الشائعة وغير الخافية على احد-، الامر الذي أفضى الى عدم امكانية التداول بهذه الشيكات او صرفها نقداً في السوق الّا بقيمة أدنى بكثير من قيمتها الاسمية.

9-ثانياً: لكون المادة 156 من قانون النقد والتسليف قد نصت على أنه على المصارف أن تراعي في استعمال الاموال التي تتلقاها من الجمهور القواعد التي تؤمن صيانة حقوقه، وأن توفّق بصورة خاصة بين مدة توظيفاتها وطبيعة مواردها، وتلقي على عاتقها موجب تأمين السيولة وصيانة حقوق المودعين، وبالتالي ان المسؤولية الناشئة عن عدم تأمين السيولة يتحمّلها المصرف المعترض مع المسحوب عليه- مصرف لبنان في القضية الراهنة-، طالما ان هذه المشكلة غير ناشئة عن خطأ المودع، ولا مجال للمصرف الممتهن والمحترف ان يتذرّع بالظروف الاستثنائية في هذا السياق، كون الحفاظ على مصلحة المودعين والاقتصاد الوطني لا يتم عبر تحميل المودع تبعات أزمة لم يكن له دورٌ فيها على الاطلاق، بل على العكس تماماً فإن طمأنة المودع في المصارف اللبنانية على امواله ومساعدته على اداء التزاماته الخارجية هو الذي من شأنه الحفاظ على الثقة الائتمانية والسمعة التجارية الخارجية، في حين ان ارتجاع شيكات من مصارف اجنبية مسحوبة على مصارف لبنانية هو الذي يؤدي الى فقدان الثقة بالمصارف اللبنانية والنظام المصرفي اللبناني، ويزعزع عامل الاستقرار ويعيق جذب الاستثمارات، وما الى ذلك من ارتدادات سلبية على صعيد الاقتصاد الوطني ككلّ.

وحيث استناداً الى احكام قانون النقد والتسليف والى القواعد القانونية الناظمة لعمليات المصارف والى القواعد العامة المتعلقة بعقد الوديعة والشيك، والمنصوص عليها في قانوني الموجبات والعقود والتجارة البرية، يتحمّل المصرف في علاقته مع الحاجز المودع مسؤولية الاخلال بتنفيذ موجباته التعاقدية إن المرتبطة مباشرة بتنفيذ العملية المصرفية المطلوبة منه او لجهة ما يتعلق بالموجبات المهنية المفروضة على المصارف من عدم الاخلال بموجب السلامة الائتمانية الى المحافظة على حقوق المودعين واموالهم، وضرورة اعادة الوديعة لأصحابها بالطريقة التي تحقق لهم الايفاء الفعلي ولا تلحق بهم اي ضرر او تؤدي الى حرمانهم من الحصول فعلياً على اموالهم او استعمالها واستثمارها بشكل منتج وعلى الوجه المتعارف عليه في مثل هذه الاحوال.

10-وحيث تأسيساً على ما تقدّم، إن قيام المصرف المعترض بتسليم الحاجز المودع شيكاتٍ بقيمة وديعته، لم يستطع تحصيلها في الخارج كبديل عن عملية التحويل، ولا يمكن قبض قيمتها الكاملة في لبنان لتاريخه، لا يمكن اعتباره ايفاءً للدين، وليس من شأنه والحالة ما ذكر ابراء ذمة المصرف المعترض، الذي تترتب عليه- وبصفته الممتهن والمتخصص في العمل المصرفي- المسؤولية الكاملة عن الضرر اللاحق بالمودع والمتمثل بعدم تمكنه من الحصول على قيمة وديعته بالتمام والكمال ودون اية قيود، الامر الذي يبرّر تالياً الابقاء على الحجز الاحتياطي وردّ الإعتراض في الأساس.

وحيث إزاء ما تقرّر، يقتضي ردّ كل ما زاد أو خالف إما لعدم الجدوى وإما لمعالجته ضمناً في سياق التعليل المتقدّم.

لذلك

يقرر:

أولاً- قبول الاعتراض شكلاً وردّه أساساً.

ثانياً- رد كل ما زاد أو خالف.

ثالثاً- تضمين المعترض النفقات.

رابعاً- إعادة ملف الحجز الإحتياطي المضموم إلى مرجعه.

قراراً معجل التنفيذ صدر وأفهم علناً في بيروت بتاريخ 30/11/2021.

*   *   *