في سابقة لم تحدث خلال الحرب اللبنانية، انقطعت الجريدة الرسمية عن الصدور ورقيا لمدة ثلاثة اسابيع. وانقطاع الجريدة الرسمية عن الصدور يعني عدم سريان مفعول القوانين والمراسيم وعدم نشر الاعلانات والقرارات الصادرة عن مؤسسات الدولة، علما ان من خلال نشرها بالجريدة فقط تسري المهل سواء لتطبيقها او للطعن فيها.
السبب الكامن وراء حجب الجريدة الرسمية، مالي. فقد تذرعت الشركة الملتزمة طباعة الجريدة بقرار ديوان المحاسبة الذي رفض توقيع مشروع عقد اتفاق رضائي بين الامانة العامة لمجلس الوزراء والشركة لمدة سنة واحدة بقيمة مليار و600 مليون ليرة لبنانية، لتتوقف عن طبع الجريدة الرسمية نظراً لارتفاع اسعار الورق وتطالب بزيادة الأسعار عما هي واردة في مشروع العقد.
قرار ديوان المحاسبة رفض "مشروع عقد الاتفاق الرضائي لتقديم ورق وطبع الجريدة الرسمية وملاحقها ومحاضر جلسات مجلس النواب وما شابهها من منشورات"، اتى على خلفية أن لا سند قانوني لتوقيع مشروع اتفاق رضائي فضلاً عن اختلال الاسعار لجهة الملتزم. وقد أكد الديوان قراره بقرارين لاحقين رفض بهما تباعا طلبي اعادة نظر بقراره الاساس، الطلب الاول مرفوع من الامانة العامة لمجلس الوزراء والثاني من رئيس ديوان المحاسبة. ولفت الديوان في القرارين الى الاتي:
- ان مبدأ تأمين استمرارية المرفق العام وضمان صدور الجريدة الرسمية في مواعيدها المحددة مضمون في دفتر الشروط الخاص الذي اوجب على الملتزم عند انتهاء مدة تلزيمه الإستمرار في تنفيذ الإلتزام وفقًا لدفتر الشروط وحتى تاريخ بدء العمل بالتلزيم الجديد دون أن يحق له المطالبة بأي تعويض أو عطل أو ضرر مهما كان نوعه.
- ان الحل لاختلال الاسعار يكون بتنظيم ملحق للعقد الرضائي يكون موضوعه الاساسي تعديل كافة اسعار الالتزام استنادا الى السعر الحالي لصرف الدولار الاميركي، مع الاشارة الى ضرورة عرض الملحق المذكور في حال تنظيمه على الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة.
الجريدة الرسمية عادت وصدرت الخميس في الاول من تشرين الاول 2020 بعد ان اعلنت وزارة المالية بأن التصفية المتعلقة بالجريدة وردت مكتملة إلى الوزارة بتاريخ 17/9/2020 وتم صرف المستحقات من دون تأخير. لكن مع انتهاء عقد الشركة الملتزمة، ووجود قرار عن ديوان المحاسبة يرفض توقيع مشروع عقد اتفاق رضائي (القرار سنفصله فيما يلي)، واستقالة مجلس الوزراء المخول اصدار قرار يخالف قرار ديوان المحاسبة، واختلال اسعار المواد المستوردة على الدولار، لجأ الامين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكيّة الى إعادة التفاوض مع مطبعة آيبكس الملتزمة طبع الجريدة الرسمية بهدف تحسين شروط العقد الرضائي لصالح الادارة، وقد تم التوصل الى الاتفاق الاتي:
- يتعهد الملتزم وطيلة سريان العقد (سنة واحدة) تسليم الادارة الف صندوق ورق A4 دون مقابل، بالاضافة الى طباعة بعض المطبوعات الخاصة برئاسة مجلس الوزراء لاسيما المكتب الاعلامي والمديرية العامة للشؤون الوزارية وذلك بحسب طلب الادارة وضمن امكانيات الدعم الذي سيوفرها مصرف لبنان.
- رفع سعر طبع الصفحة من الورق لكل ألف نسخة من 16.2$ الى 27$، وكلفة طباعة الصفحة كاملة بالاسود لكل ألف نسخة من الجريدة من 3.9$ الى 6.5$، وكلفة طباعة الصفحة كاملة بالاسود لكل 500 نسخة من محاضر مجلس النواب من 10.9$ الى 18.3$.
- تؤدّى استحقاقات الملتزم على أساس اسبوعي وبالعملة اللبنانية على أن تحتسب الاسعار المحددة بالعملة الاجنبية على أساس سعر صرف هذه العملة بالليرة اللبنانية، ويستثنى من ذلك ثمن الورق الذي يخضع للدعم من مصرف لبنان وفقاً لما جاء في كتاب المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء برقم 1139/ص تاريخ 14/7/2020.
وقد أعطى ديوان المحاسبة موافقته على ملحق عقد الاتفاق الرضائي ضمن حدود الاعتماد المطلوب حجزه وذلك استناداً الى المادة 26 من دفتر الشروط العائد للتلزيم الساري المفعول حالياً واستناداً الى نظرية الظروف الاقتصادية الغير متوقعة La Théorie de l’imprévision على أن يبقى تقدير زيادة الأسعار واعتدالها على مسؤولية الادارة، مع التوصية بضرورة الاسراع في اجراء التلزيم الجديد وفقاً لملاحظات الديوان في قراره رقم 283 الذي سنفنده في الاتي.
في هذا التقرير، نفصل قرارات ديوان المحاسبة – الغرفة الاولى برئاسة القاضي جمال محمود وعضوية المستشارين ناصيف ناصيف وافرام الخوري، التي خلصت الى رفض مشروع الاتفاق الرضائي بين رئاسة مجلس الوزراء والشركة الملتزمة طباعة الجريدة الرسمية ورد طلبي اعادة النظر بقرار الديوان. فالاطلاع على قرارات الديوان هذه، من شأنه أن يعطي فكرة عن كيف كانت تصاغ بعض دفاتر شروط المناقصات بما يحد من المنافسة ويزيد كلفة الصفقات العمومية، كما يظهر تغيير ما في اداء ديوان المحاسبة نحو ضبط الانفاق اكثر فاكثر بالاضافة الى التحديات التي ستواجهها الادارة مع اختلال التوازن المالي للصفقات العمومية.
أولاً: رد مشروع عقد الاتفاق الرضائي لطباعة الجريدة الرسمية
ورد لديوان المحاسبة بتاريخ 7/4/2020، كتاب مراقب عقد النفقات لدى رئاسة مجلس الوزراء يطلب فيه اجراء الرقابة الادارية المسبقة على "مشروع عقد اتفاق لتقديم ورق وطبع الجريدة الرسمية وملاحقها ومحاضر جلسات مجلس النواب وما شابهها من منشورات" مدته سنة واحدة تبدأ من تاريخ التصديق على العقد وبقيمة اجمالية تبلغ مليار و600 مليون ليرة لبنانية بما فيها الضريبة على القيمة المضافة، علما أن الاعتماد المطلوب مؤمن في موازنة المديرية العامة لرئاسة مجلس الوزراء للعام 2020 (تحت بند المطبوعات بقيمة 1,755,000 ل.ل.). وقد استند الكتاب الى أحكام الفقرة الثامنة من المادة 147 من قانون المحاسبة العمومية، بعد فشل مناقصتين متتاليتين اجريتا لهذه الغاية بتاريخ 14/10/2019 و25/11/2019.
رأى ديوان المحاسبة بقراره بان الاستناد الى احكام الفقرة 8 من المادة 147 من قانون المحاسبة العمومية لتنظيم المشروع الرضائي واقعا في غير موقعه القانوني، اذ انطلاقا من الاجتهاد الذي استقر عليه الديوان لا يمكن اعتبار ان المناقصتين اللتين اجريتا لم تسفرا عن نتيجة ايجابية طالما انهما مشوبتان بعيب اساسي تمثل بادراج بنود في دفتر الشروط الخاص لا تحترم مبدأي العدالة والمساواة بين العارضين وتحد من المنافسة، ما يجعل المشروع بالتالي غير ذي سند قانوني ويقتضي عدم الموافقة عليه.
دفتر الشروط يحد من المنافسة
وقد استند الديوان في رأيه على الملاحظات الواردة في تقرير الخبير المكلف تقديم الخبرة الفنية، نقيب الطباعة في لبنان، حيث يتبين أن دفتر الشروط قد تضمن العديد من الشروط والأحكام التي كان ممكن للادارة عدم إدراجها كونها تزيد من متطلبات تنفيذ الصفقة، وقد تكون وراء السبب في عدم ورود أية عروض في المناقصتين، وبالتالي امكانية اعتبارها من اسباب الحد من المنافسة. ومن هذه الشروط على سبيل المثال:
- التركيز جغرافيًا على مدينة بيروت بينما معظم المطابع تتواجد خارج العاصمة.
- ملكية الالات والمعدات ووسائل النقل بينما يمكن لاي مطبعة الاستعانة بخدمات شركات نقل.
- وجوب تأمين أنواع محددة من الالات والمعدات علما ان لا حاجة اليها في عملية طبع الجريدة الرسمية ومحاضر مجلس النواب.
- تحديد قيمة التأمين المؤقت بشكل مبالغ فيه وكذلك المغالاة في تحديد قيمة الغرامات في حال مخالفة الملتزم أي شرط من الشروط بما لا يتناسب مع نوع المخالفة.
مخالفة اجراءات المناقصة العمومية
بالاضافة الى الشروط التي تؤدي الى احجام العديد العارضين من تقديم عروضهم وتحد بالتالي من المنافسة، فقد تضمن دفتر الشروط بنودًا يخالف مضمونها الاجراءات المتبعة في المناقصة العمومية والمنصوص عنها في قانون المحاسبة العمومية، ومن ابرزها انشاء لجنة مهمتها اجراء الكشف المحلي على المطابع المتقدمة للمناقصة على ان تعطي افادة تخولهم حق الاشتراك في المناقصة، وقد رأى الديوان أن اللجنة تقوم بشبه عميلة تأهيل مسبق وهذا النوع من العمليات لا تدخل ضمن الاجراءات المنصوص عنها في المناقصة العمومية، وإنما في مراحل المناقصات المحصورة حيث يتم اختيار عدد من العارضين بناء على شروط محددة مسبقا.
واعتبر الديوان ان في ذلك مخالفة الادارة للاصول والاجراءات وخرق لمبدأ المساواة بين العارضين عن طريق استبعاد البعض منهم مسبقًا وحرمانه من تقديم أي عرض، بينما كان الاجدى منح هذه اللجنة دورا فنيا واستشاريا خلال مرحلة فض العروض.
خلل في اعتدال الاسعار لصالح الملتزم
الى ذلك وجد الديوان ان ادراج بعض المواد والبنود تؤثر سلبا على كيفية احتساب اسعار الصفقة سواء لناحية سعر الورق أو كلفة الطباعة او لناحية اعتماد آلية محددة من شأنها رفع كلفة المشروع ومن شأنه أن يعيب عملية التلزيم خاصة، وأن الادارة لم تعتمد عناصر مفاضلة لاختيار الملتزم المؤقت وانما اعتمدت معيار السعر الأدنى، ما قد يؤدي الى خلل في اعتدال الاسعار لصالح الملتزم.
الاتفاق الرضائي: اسعار مبالغ بها
أما فيما يتعلق بالمشروع الرضائي مع الملتزم مطبعة آيبكس الذي كان قد تقدم من الامانة العامة لمجلس الوزراء بكتاب يطالب بموجبه بزيادة الاسعار متذرعاً بارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي، فقد تبين بدراسة مختصرة للخبير بأن الفارق بالسعر المقدم للصفحة الواحدة للألف نسخة يصل الى 16.5$ بين ما يجب أن يكون وما يطلبه الملتزم، مما يدل بأن السعر المقدم مبالغ فيه.
بناء على ذلك خلص قرار ديوان المحاسبة الى اعتبار أنه يتبين عدم اعتدال اسعار الصفقة موضوع الملف المعروض لكافة الخدمات واللوازم المطلوبة والتي تشكل عناصر تلك الصفقة، ما يؤدي الى خلل كبير بين الموجبات المتبادلة لكل من الادارة والملتزم لصالح الاخير، وتجعل بالتالي المشروع الرضائي المعروض واقعا في غير موقعه القانوني ويقتضي بالتالي عدم الموافقة عليه.
ثانياً: طلب امين عام مجلس الوزراء اعادة النظر بقرار الديوان
طلب امين عام مجلس الوزراء بكتاب بتاريخ 14/7/2020 اعادة النظر بقرار الديوان، واستند في طلبه الى كون:
- الخبير المكلف وهو نقيب الطباعة في لبنان كان يلتزم طباعة الجريدة الرسمية حتى العام 1999 وفق الشروط نفسها التي يعتبرها تحد من المنافسة في تقريره وذلك وفق أسعار مرتفعة اكثر بكثير، وهو كان قد تقدم بطلب لإبطال قرار رئيس مجلس الوزراء المتعلق بإرساء التلزيم على مطبعة منيمنة الحديثة (آيبكس)، وفي ظل عدم صدور القرار النهائي في المراجعة لا يزال يعتبر خصماً للإدارة ومن المنافسين المحتملين في حال إعادة إجراء المناقصة.
- مطبعة منيمة (آيبكس) قد استفادت من قرار الديوان لتعدل عن توقيع مشروع العقد وأبلغت رئاسة مجلس الوزراء بقرارها التوقف عن طبع الجريدة الرسمية نظراً لارتفاع اسعار الورق وهي تطالب بزيادة الأسعار عما هي واردة في مشروع العقد.
خرق مبدأي المساواة والمنافسة واضح
اعتبر الديوان ان المواد والبنود المتضمنة شروطا تحد من المنافسة هي من الوضوح بمكان بحيث ان استنتاجها واستخلاص نتيجة كونها تشكل خرقًا لمبدأي المساواة والمنافسة لا يحتاج للاستعانة برأي خبير، علما بأن الديوان كان قد استعان برأي الخبير المذكور بعدد كبير من مشاريع اعمال الطباعة دون ان تثر الادارات المختصة بالنسبة لكل مشروع أي شك في حيادية أو تخصص وعلم الخبير المذكور (مثلا قرار الديوان المتعلق بطباعة اخراجات القيد الافرادية والعائلية وقراره بشأن الطوابع المالية).
أما بالنسبة لاعتدال الاسعار ولعدول الملتزم عن توقيع مشروع العقد واثارته موضوع ارتفاع الاسعار، فاعتبر الديوان بأن ارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي بالنسبة لليرة اللبنانية بشكل كبير جعل موضوع اختلال التوازن المالي مطروحا لمعظم الصفقات العمومية، وبالتالي فإن حل موضوع الاختلال المذكور يرتكز بشكل اساسي على الحل الذي سوف تعتمده الدولة اللبنانية خاصة لجهة أي سعر صرف للدولار الاميركي سيتم اعتماده، وامكانية اعادة النظر بالاسعار المطروحة للصفقات العمومية.
ومبدأ الاستمرارية مضمون
وخلص قرار الديوان الى رد طلب اعادة النظر المقدم من قبل الامانة العامة لمجلس الوزراء، مع التشديد على أن مبدأ تأمين استمرارية المرفق العام وضمان صدور الجريدة الرسمية في مواعيدها المحددة قد جرى أخذه بعين الاعتبار في المادة 26 من دفتر الشروط الخاص التي اوجبت على الملتزم عند انتهاء مدة تلزيمه الإستمرار في تنفيذ الإلتزام وفقًا لدفتر الشروط وحتى تاريخ بدء العمل بالتلزيم الجديد دون أن يحق له المطالبة بأي تعويض أو عطل أو ضرر مهما كان نوعه.
ثالثاً: طلب رئيس الديوان من الغرفة الاولى اعادة النظر بقرارها
وبتاريخ 27/8/2020، طلب رئيس الديوان من الغرفة الاولى اعادة النظر بالقرارين والموافقة على مشروع التلزيم المعروض انطلاقا من:
- ضرورة تأمين استمرارية الجريدة الرسمية في ظل اختلال التوازن المالي الحالي لمعظم الصفقات العمومية وخصوصا في ضوء استقالة الحكومة وعدم تمكن الادارة من عرض القرارين المطلوب اعادة النظر بهما على مجلس الوزراء سندا للمادة 40 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
- ان معظم البنود الواردة في دفتر الشروط الخاص كانت تدرج في دفتر الشروط الخاص لمرات عديدة وقد خضعت لمراجعة ومراقبة ادارة المناقصات التي تتأكد من خلوه من كل ما من شأنه تقييد المنافسة.
عن مسؤولية الديوان بمراقبة كافة مراحل المعاملة
ذكرت الغرفة الاولى في الديوان في متن ردها طلب اعادة النظر الثاني، بأن الغاية من الرقابة الادارية المسبقة التثبت من صحة المعاملة وانطباقها على الموازنة واحكام القوانين والانظمة، وعلى التأكد من صحة كافة المراحل والاجراءات التي سبقت عرض المعاملة على هذه الرقابة ومن ضمنها طبعاً النظر بمدى تقيد الادارة بالمادة 17 من نظام المناقصات التي توجب عرض دفتر الشروط على ادارة المناقصات للتدقيق في محتوياته ولكن دون اي موجب الزامي بضرورة التقيد بالرأي.
كما لفتت الغرفة بانها غير ملزمة بالقرارات الصادرة سابقا عن غرف اخرى في الديوان وانه في حال وجود خلاف على تفسير نقطة قانونية معينة فجل ما يمكن فعله هو عرضها على الهيئة العامة في الديوان بغية توحيد الاجتهاد.
وعن نظرية غير المنظور وحل ازمة اختلال الاسعار
اما في ما يتعلق بضرورة تأمين استمرارية الجريدة الرسمية في ظل اختلال التوازن المالي، فذكرت الغرفة بالاجتهاد الاداري الذي يعتمد على نظرية غير المنظور Théorie de l'imprévisionالتي تنطبق على هذه الحالة، ورأت الغرفة بأن الحل يكون بتنظيم ملحق للعقد الرضائي يكون موضوعه الاساسي تعديل كافة اسعار الالتزام استنادا الى السعر الحالي لصرف الدولار الاميركي، مع الاشارة الى ضرورة عرض الملحق المذكور في حال تنظيمه، على الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة.
رابعاً: عقد رضائي بشروط أفضل للادارة
نظراً لضرورة السير في ملف الجريدة الرسمية لتأمين استمراريتها وفي ظل اختلال التوازن المالي الحالي لمعظم الصفقات العمومية مع ارتفاع سعر صرف الدولار بالنسبة لليرة اللبنانية، وسنداً للمادة 49 من المرسوم الاشتراعي رقم 82 تاريخ 16/9/1983 (تنظيم ديوان المحاسبة) التي تنص على أنه: "إذا جاء رأي الديوان مخالفاً المشروع المعروض كان للإدارة المختصة أن تعرض الخلاف على مجلس الوزراء"، إقترحت المديرية العامة لرئاسة عرض الموضوع على جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقرَرة بتاريخ 6/8/2020 من خارج جدول الأعمال لاتخاذ التدبير المناسب بشأنه، وقد جرى التنسيق مع رئيس الديوان لحضور جلسة مجلس الوزراء للاستماع اليه وفق المادة 40 الانفة الذكر. إلا أن إنفجار مرفأ بيروت الذي حصل بتاريخ 4/8/2020 حال دون عقد جلسة مجلس الوزراء المقرّرة وقتها، وتلا ذلك استقالة الحكومة وتعليق صدور الجريدة الرسمية لمدة ثلاثة اسابيع من 27/8/2020. فكان الحل الذي توصل اليه امين عام مجلس الوزراء محمود مكية بعد التفاوض من جديد مع مطبعة آيبكس، هو اتفاق رضائي بشروط جديدة لصالح الادارة (كما فصلنا في ما سبق) وقد وافق عليها ديوان المحاسبة في القرار رقم 330 الصادر بتاريخ 21/10/2020.
اذا تم التوصل الى حل مرحلي لازمة طباعة الجريدة الرسمية، لكن في ظل انهيار قيمة العملة الوطنية وشح الدولار واختلال اسعار المواد المستوردة ومن بينها الورق والحبر، تطرح التساؤلات الاتية: لما لا تلجأ الدولة اللبنانية الى الاكتفاء باصدار الجريدة الرسمية الكترونيا من باب التقشف المالي وتخفيف الاثر البيئي؟ ولما لا يكون الاصدار الكامل مجاني من باب حفظ حق المواطنين والمواطنات بالوصول للمعلومات والبيانات مجانا أسوة بدول كفرنسا على سبيل المثال، مع الاحتفاظ بامكانية شراء خدمة البحث المتقدمة التي يمكن ان يقدمها برنامج الجريدة الرسمية الالكتروني؟ يأتي هذا التساؤل علما بان الجريدة الرسمية كانت تصدر الكترونيا بشكل مجاني على موقع رئاسة مجلس الوزراء بين عامي 2005 و2018، حين تعاقدت الادارة مع شركة مختلفة عن تلك التي نطبع الجريدة الرسمية وحددت سعر الاشتراك السنوي الواحد في الجريدة بـ 550.000 ل.ل. فيما سعر الاشتراك بالنسخة الورقية يبلغ الـ 240.000 ل.ل.، واليوم انتهى العقد القديم وتدرس الادارة الية للاتفاق على عقد جديد على أمل أن تكون شروطه لصالحها.

